بوابة علم الاجتماع | مدونة متخصصة في علم الاجتماع بوابة علم الاجتماع | مدونة متخصصة في علم الاجتماع

آخر الكتب

random
جاري التحميل ...
random

دوركايم وفلسفة «الانتحار» الاجتماعي


"جنون" نيتشه لم يدفعه إلى الانتحار (الدمار الذاتي) وإنما استعاض عنه في التركيز على ذاته فولد قوة ممانعة قادرة على تحدي أوجاع الألم ولكنها لا تمتلك إمكانات السيطرة على الموت. وهذا الفاصل الزمني بين السعادة والشقاء أو بين الحياة والفناء أعطى مساحة لنمو مشاعر الخوف من «الانتحار» الذي أخذ يتزايد في القارة.
العالم الاجتماعي اميل دوركايم (1858 - 1917) التقط هذه المفارقة بين الجنون والانتحار واشتغل على وقائعها وآلياتها مستفيداً من أعمال كونت السابقة التي استفاضت في قراءة قوانين الاجتماع انطلاقاً من رؤية واقعية (وضعية). ولد دوركايم في ايبينال وتوفي في باريس. والده وأجداده من ناحية أبيه حاخامات يهود لذلك درس في طفولته اللغة العبرية وتتلمذ على العقيدة التلمودية لكنه تأثر في صباه (12 سنة) باندلاع كومونة باريس وهزيمة فرنسا أمام ألمانيا ما دفعه لاحقاً إلى البحث عن قراءات تلبي حاجته إلى معرفة تتخطى الحدود اللاهوتية.
آنذاك بدأت الحركة العمالية - الاشتراكية تنمو سياسياً في فترة شبابه مترافقة مع تنوع الاجتهادات العلمية التي أخذت تعيد النظر بعوامل التطور ومسبباته فاتجه نحو العلمانية بعد أن تأثر بأفكار جول فيري (العلمانية) وفلسفة كونت (الاجتماعية).
اتجه دوركايم أكاديمياً إلى الفلسفة فحصل على درجة دكتوراه في العام 1882 وتحول إلى أستاذ لعلم التربية والعلوم الاجتماعية في جامعة بوردو (العام 1887) ثم أنجز أطروحة دكتوراه عن «قسمة العمل الاجتماعي» في العام 1893. بعدها انكب على دراسة مونتسكيو وطور منهجه في صنع العلم الاجتماعي ما شجعه على إصدار مجلة متخصصة في الميدان المذكور في 1896.
آنذاك وقعت قضية محاكمة دريفوس (ضابط يهودي اتهم بالخيانة) وكان دوركايم في 40 من عمره فأثرت عليه وعلى جيله كثيراً بسبب ما طرحته من إشكاليات تتصل بالأقليات ومسألة الاندماج وموقعها الجديد في مجتمع يتحول بسرعة من نمط تقليدي في العلاقات تهيمن عليه الكنيسة إلى هيكل حديث لايزال يعاني من ترسبات غير قادرة على التخلص من موروثات عنصرية ولا سامية تعترض على دعوات الحرية والمساواة والتسامح.
محاكمة دريفوس شكلت في تلك الفترة الانتقالية نقطة تحول في تفكير النخبة الأوروبية وخصوصاً الشرائح التي جاءت من روافد اجتماعية بعيدة عن فضاءات الكنيسة. فالنخبة آنذاك لم تعد قصراً على مجموعات تتخرج من الأديرة وإنما أخذت تتشكل وتتلون في أطيافها ومكوناتها ومصادرها ومواقعها. وبسبب هذا التحول في بنية النخبة اتجهت عناصرها الرئيسية إلى الاحتجاج والممانعة وبدأت تضغط نحو كسر تلك العقلية المتأخرة التي تنبذ الآخر لمجرد الاختلاف في دينه وثقافته. وأدى الاعتراض إلى تشكيل تيار نقدي في وسط النخبة يبحث، كل على طريقته، عن الأسباب التي تقف وراء هذا النوع من التفكير السطحي.
دوركايم أصبح الآن أستاذ التربية في السوربون في العام 1902 وبدأ يطور منهجه باتجاه نوع من العلمانية - الاجتماعية التي تضمن وحدة المجتمع في لحظة إعادة تهذيب الأخلاق. والتربية الاجتماعية بصفتها وسيلة أخلاقية لإعادة تنظيم المجتمع تحولت عند دوركايم إلى منهجية في التحليل تقرأ الظواهر انطلاقاً من البحث في العوامل والظروف والتنويعات التي تنتج المشكلات. ومن تلك المشكلات التي تفاقمت في عصره ودرسها اجتماعياً كانت نمو مشكلة «الانتحار».
كتاب دوركايم عن «الانتحار» صدر في العام 1897 وشكل في أيامه محاولة جريئة اعتماداً على الإحصاءات (الرسمية) للخروج بنظرية اجتماعية تتجاوز أو تدحض كل التأويلات والتفسيرات المتصلة بشأن هذه الظاهرة. دوركايم ذهب إلى عمق المشكلة ودرس أنواع الانتحار وظروفه وعوامله وتوصل إلى نقض كل ما يقال عن ربطه بالجنون أو الإدمان على الكحول أو السلالة أو الوراثة معتبراً المسألة اجتماعية. وقراءة دوركايم للانتحار بوصفه ظاهرة اجتماعية دفعه إلى تأسيس منهج علمي - فلسفي يؤكد أنه لا يمكن إثبات رابطة علة بمعلول بين ظاهرتين استناداً إلى وقائع معزولة ومثيرة للفضول وحكايات صغيرة. وبناء على هذا النفي توجه دوركايم إلى تجاوز «المصادفات» وأخذ يبحث عن توافقات وتوازيات والتغيرات المتزامنة بالعلاقات المتبادلة. (دوركايم والانتحار، ص 36).
اعتمد دوركايم في فلسفته الاجتماعية على قاعدتين نظريتين لتشكيل منظومته المعرفية: الدمج (سيرورة تتيح لمجتمع أن يوجد كوحدة متماسكة على رغم العائق المتمثل بالاختلافات بين الأفراد)، والتقعيد (الضبط) الذي يمثل أحد شروط اشتغال المجتمع (المجتمع يوجد إذا توصل إلى ترتيب رغبات الفرد في اتجاه الأهداف الاجتماعية التي يفرضها عليه دوره).
شكلت هذه السوسيولوجيا فلسفة في علم الاجتماع المعاصر وتحولت إلى مدرسة تحتذى انطلاقاً من قراءة الإحصاءات وإخضاعها للدراسة والتحليل والتفكيك وإعادة الربط العضوي لاكتشاف عناصرها ومسبباتها. ودوركايم الذي أخذ «الانتحار» مادة للفحص الاجتماعي لم يقدم على هذا الحقل لو لم تكن الظاهرة بدأت بالانتشار وطرحت معضلة علاقة الفرد بالمجتمع وعدم قدرة الإنسان في أيامه على التكيف (الدمج) والتقعيد (الضبط).
جنون العقل (العضوي) في فلسفة نيتشه وظاهرة الانتحار (الاجتماعي) في سوسيولوجيا دوركايم يؤكدان على نمو «توافقات» و«توازيات» أخذت تدخل الفرد في إشكالية غياب الانتماء وضياع الهوية في قارة لم تعرف الاستقرار «الذهني» منذ انطلاق الدفعة الأولى للتحول في القرن الخامس عشر.
نيتشه توفي في السنة الأولى من القرن العشرين بينما دوركايم سيعيش ويموت في باريس في 1917 ليشهد السنوات الثلاث من الحرب العالمية الأولى التي اندلعت في العام 1914. وهذا الانفجار الأوروبي الذاتي (الانتحار الجماعي) تولد نتاج ذاك الكم الهائل من المسارات الاقتصادية والعلمية والاكتشافات والاختراعات وتطور الآلة والطاقة والتقنيات والمختبرات وغيرها من علوم لعبت دورها في تطوير أدوات المنهج وتنوير الرؤى في حقول الفلسفة والاجتماع، ولكنها فشلت في «ضبط» الانزلاق نحو العنف الجمعي.
رحل نيتشه قبل أن يشهد جنون «المخيلة» وما أنتجته مخيلة العلوم من إنجازات لم يكن يتوقع عقل الإنسان حصولها. دوركايم عاش ليرى الطائرة وبداية انتقال البشر من عصر الأرض (السفينة، القطار، السيارة) إلى عصر الفضاء (المنطاد، الصاروخ، والمقاتلة الجوية). شكل هذا الانتقال النوعي منعطفاً تاريخياً في العلوم العقلية التقنية حين أخذت مخيلة الإنسان تتجاوز «الجنون» لتحلق عالياً في السماء أو تغوص في عمق البحار.
آنذاك توصل الأخوين أورفيل وويلبر رايت إلى اختراع الطائرة في العام 1903. وأدى هذا «الحلم» إلى نقل الصراع من الأرض إلى الفضاء حين بدأت المجموعات الصناعية تحويل الاكتشاف إلى سلاح جوي. فالاختراع الذي افتتح القرن العشرين شكل قوة ضغط لرفع منسوب التنافس ونقله إلى حده الأعلى حين اندلعت الحرب العالمية الأولى. ومنذ لحظة الاختراع بدأت مؤسسات التصنيع العسكري في تجهيز طائرات مصنوعة من هيكل خشبي خفيف ومجهز برشاش. وجاءت المقاتلة لتعاضد المنطاد الذي أدخله الألمان منذ العام 1915 في الخدمة العسكرية واستخدم لقصف العمق وقتل أكبر كمية من البشر (المدن والبلدات والمراكز الصناعية) بقصد التأثير المعنوي على الخصوم وتعديل موازين القوى في ميدان المعركة الأرضي.
توافق التقدم الجوي مع تطور علوم الملاحة وتقدم صناعة السفن الحربية... أو بناء غواصات أخذت تتطور تقنياً من العام 1897 إلى أن دخلت المعركة خلال الحرب العالمية الأولى وأصبحت «الغواصة» تشكل تهديداً للنقل البحري المدني والبواخر التجارية والموانئ.
الجنون العقلي وصل في نهاية القرن التاسع عشر إلى طور متقدم أصبح يغذي العلم بمخيلة الإنسان التي لا أفق لها. وأدى هذا التحالف المفتوح على كل الاحتمالات إلى تحقيق الأحلام وطموح البشر بالتحليق منذ بدء وعيه من جهة وتأسيس سياق معاصر لعبور الإنسان مدار الأرض وسباحته في الفضاء من جهة أخرى.
الأحلام الوردية التي نقلت الإنسان من الطاعون الجارف (القرن الرابع عشر) إلى اختراق الفلك الجوي (القرن العشرين) جاءت وفق محطات زمنية متدرجة وضمن عملية توليفية بين العمران والمعرفة. وهذه المزاوجة بين العقل والعلم رفعت من قيمة النخبة وسعادتها ولكنها أيضاً وضعتها في موقع التحدي الدائم ما أدى مراراً إلى تحويل أحلامها إلى كوابيس.
لم يشهد نيتشه هذا التحول النوعي (أسلحة الدمار الشامل) حين كان يُنَظِّر للإنسان المتفوق (سوبرمان) من نافذة غرفته في المستشفى. دوركايم عايش «الانتحار» لا بوصفه مشكلة «دمج» و«تقعيد» بين الفرد والمجتمع وإنما بصفته معركة حياة أو موت بين الدول. والصراع من أجل البقاء الذي تحدث عنه داروين في معركة تطور الطبيعة (الانتخاب الطبيعي) انتقل منذ القرن العشرين إلى البشر وحرب البقاء للإنسان الأقوى بصفته مركز «العلة الأولى».
المصدر 


التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

تابعنا على +

من نحن

بوابة علم الاجتماع هي مدونة متخصصة في علم الاجتماع، والأولى من نوعها على المستوى العربي حيث تضم مجموعة من الكتب والمحاضرات وجديد المقالات المتخصصة في علم الاجتماع، ويعمل طاقمها على تجديد محتواها كل ساعة .