الثقافة وإشكالية التعريف والنشأة
بوابة علم الاجتماع | مدونة متخصصة في علم الاجتماع بوابة علم الاجتماع | مدونة متخصصة في علم الاجتماع

آخر الكتب

random
جاري التحميل ...
random

الثقافة وإشكالية التعريف والنشأة


الثقافة  وإشكالية التعريف والنشأة

إن قدرة الإنسان علي إنتاج الثقافة هي أهم خاصية تميزه عن باقي المخلوقات . ولكل مجتمع ثقافته الخاصة التي يتسم بها ويعيش فيها ، كما إن لكل ثقافة مميزاتها وخصائصها ومقوماتها المادية التي تتألف من طرق المعيشة والأدوات التي يستخدمها أفراد المجتمع في قضاء حوائجهم ، والأساليب التي يضعونها لاستخدام هذه الأدوات . فأدوات الصيد والزراعة والقتال أدوات ثقافية ، والأزياء وأسلوب الترفيه أيضا أشكال ثقافية .
وللثقافة أيضا مقوماتها المعنوية والتي تتمثل في مجموع العادات والتقاليد التي تسود المجتمع والتي يتوارثها أفراده جيلا بعد جيل ، مثل القانون أو العرف الذي يحكمهم أو القيم والقواعد الأخلاقية التي تحدد طبيعة العلاقات بين بعضهم البعض .
  أولا - الثقافة : الكلمة والمفهوم
لم تشهد كلمة ازدهارا وانتشارا ككلمة الثقافة Culture  وليس هناك مفهوم أكثر تداولا واستخداما كمفهوم الثقافة ، ومع ذلك يبقي الغموض والالتباس متلازمين كلما طرح الموضوع للنقاش . وقد أحصي عالما الانثروبولوجيا الأمريكيان كروبير وكلوكهون ما لا يقل عن مائة وستين تعريفا للثقافة قاما بفرزها علي سبعة أصناف : وصفية وتاريخية وتقييمية وسيكولوجية وبنيوية  وتكوينية وجزئية غير كاملة .
وقد اكتسبت كلمة ثقافة معناها الفكري في أوربا في النصف الثاني من القرن الثامن عشر . فالكلمة الفرنسية كانت تعني في القرون الوسطي ” الطقوس الدينية ” لكنها في القرن السابع عشر كانت تعبر عن ” فلاحة الأرض“ . ومع القرن الثامن عشر اتخذت منحي يعبر عن التكوين الفكري عموما وعن التقدم الفكري للشخص بخاصة .ولكن انتقال الكلمة الي الألمانية في النصف الثاني من القرن الثامن عشر أكسبها لأول مرة مضمونا جماعيا . فقد أصبحت تدل بخاصة علي التقدم الفكري الذي يتحصل عليه  الشخص أو المجموعات أو الإنسانية بصفة عامة . أما الجانب المادي في حياة الأشخاص والمجتمعات فقد أفردت لها الألمانية كلمة ” حضارة ” .
وإذا كانت كلمة ثقافة قد مرت بهذه التطورات فأن كلمة مثقف هي ترجمة للكلمة الفرنسية  Intellect”“ ومعناها العقل أو الفكر وبالتالي فهي تدل عندما تستعمل وصفا لشئ علي انتماء أو ارتباط هذا الشئ بالعقل أو بالروح .
تعريف الثقافة
لاشك في أن أقدم التعريفات لمفهوم الثقافة وأكثرها ذيوعا هو تعريف الانثروبولوجي الانجليزي ادوارد تايلور والذي قدمه في كتابه ” الثقافة البدائية ” عام 1871م والذي يذهب فيه الي التعريف التالي ” الثقافة هي كل مركب يشتمل علي المعارف والمعتقدات والفن والقانون والأخلاق والتقاليد وكل القابليات والعادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان كعضو في مجتمع ” .
  ولعل أبسط التعريفات وأحدثها تعريف روبرت بيرستد الذي ظهر في أوائل الستينات من القرن العشرين والذي يعتبر  ”الثقافة هي ذلك الكل المركب الذي يتألف من كل ما نفكر فيه أو نقوم بعمله أو نتملكه كأعضاء في مجتمع
”. إلا إن تعريف روشيه أكثر شمولا وعمقا ويقدمه علي الشكل التالي : ” الثقافة هي مجموعة من العناصر لها علاقة بطرق التفكير والشعور والفعل ، وهي طرق صيغت تقريبا في قواعد واضحة والتي أكتسبها وتعلمها وشارك فيها جمع من الأشخاص – تستخدم بصورة موضوعية ورمزية في آن واحد من أجل تكوين هؤلاء الأشخاص في جماعة خاصة ومميزة ” .
ويتميز تعريف كروبير وكلوكهون بأبعاد جديدة فهو يعتبر ” الثقافة تتكون من نماذج ظاهرة وكامنة من السلوك المكتسب والمنتقل بواسطة الرموز ، والتي تكون الانجاز المميز للجماعات الإنسانية ، والذي يظهر في شكل مصنوعات ومنتجات . أما قلب الثقافة فيتكون من الأفكار التقليدية  وبخاصة ما كان متصلا منها بالقيم . ويمكن أن نعد الأنساق الثقافية نتاجا للفعل من ناحية ،كما يمكن النظر بوصفها عوامل شرطية محددة لفعل مقبل“ . 

ثانيا : ثنائية الحضارة والثقافة
استقطبت هذه الثنائية كتابات كثيرة ،وقد احتلت فرنسا وألمانيا صفوفها الأمامية غير أن تلك الكتابات التي دارت حول الثقافة والحضارة آلت الي تشتت الأفكار في الغرب خلال الثلاثين سنة الأولي من القرن العشرين ، بقي خلالها الاستخدام الفرنسي لكلمة حضارة ”Civilization ”يشمل مختلف أنواع التقدم ، فكرية كانت أم مادية ، مقابل النزعة الألمانية التي نحت نحو التمييز بين الثقافة بمعناها الروحي والفكري والعلمي وبين الحضارة بمعناها المادي .
علي العموم لم يعر علماء الانثروبولوجيا والاجتماع أي اهتمام لهذا التمييز الذي بدأ لهم تمييزا وهميا . إن الغالبية العظمي من علماء الانثروبولوجيا والاجتماع تتجنب استعمال مصطلح حضارة أو تستخدم مصطلح ثقافة بمعني حضارة ، وتعتبر الاثنين من الممكن أن تحل احدهما محل الأخرى .
ومع ذلك قد نجد عند بعض علماء الاجتماع والانثروبولوجيا المعاصرين التمييز التالي :
فبعضهم يستخدم مصطلح حضارة لكي يشير الي مجموعة من الثقافات الخاصة التي بينها تشابه أو أصول مشتركة ، وبهذا المعني يتحدث البعض عن الحضارة الغربية التي تنضوي تحتها الثقافات الفرنسية والانجليزية والألمانية والايطالية والأمريكية الخ... أما البعض الأخر فيستخدم مصطلح حضارة للدلالة علي المجتمعات التي بلغت درجة عالية من التطور وتتصف بالتقدم العلمي والتقني والتنظيم المدني والتعقيد في التنظيم الاجتماعي
في كل الأحوال ورغم محاولة مفكري القرن التاسع عشر الألمان وضع تفرقة صارمة بين الحضارة والثقافة ، من خلال التأكيد علي إن الحضارة تشمل العوامل المادية والتقنية والثقافة تحتوي علي القيم والمثاليات والخصائص العقلية والفنية الأخلاقية العليا للمجتمع إلا إن هذه التفرقة لم تحظ بالقبول في أماكن أخري من العالم . 
ثالثا : أصل الثقافة ونشأتها
البحث في أصل الثقافة كخاصية مميزة للجنس البشري يقتضي دراسة وافية لعلم السلالات  البشرية المقارن والانثروبولوجيا وعلم العادات. إن الرأي السائد حتي الآن عند علماء الانثروبولوجيا والاجتماع يؤكد بأن الكائنات الإنسانية هي الوحيدة بين المخلوقات جميعها القادرة علي خلق ثقافة . وعلي الرغم من محاولة بعض الباحثين الكشف عن جذور ثقافة في عالم الحيوان الأقل شأنا من ثقافة الإنسان ، فان هذه المحاولات كان يرد عليها دائما بأنه لم توجد جماعة حيوانية تملك ”لغة شفوية“ علي الرغم من ان عديدا من الحيوانات تمارس حياة اجتماعية كجماعات النحل والنمل ، غير إن هذا الشكل من التنظيم  لا يقوم علي ثقافة بل يقوم علي الغريزة .
يري لنتون أن مجمل سلوك الفرد يتكون من ثلاثة عناصر هي: سلوك غريزي في الفرد ، وسلوك هو حصيلة خبرته، وسلوك تعلمه من أفراد آخرين . وذهب الكثيرون الي أن السلوك الإنساني مدين بمعظمه الي ثالث هذه العناصر وأن السلوك الحيواني مبني بالدرجة الأولي علي العنصرين الأولين

إن اللغة أو الاتصال الرمزي من أهم عناصر الثقافة ، والثقافة بدون لغة هي ضرب من المحال . وكلما صارت الثقافة أكثر تعقيدا ازدادت الحاجة الي الاتصال ، لذلك فان القدرة علي التفكير الرمزي والمجرد هو ما تحتاج إليه اللغة . فاللغة والقدرة علي الاتصال بها تعتبران شرطا أساسيا وضروريا لأي مجتمع إنساني ولا يمكن تصور ثقافة بدونه 

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

تابعنا على +

من نحن

بوابة علم الاجتماع هي مدونة متخصصة في علم الاجتماع، والأولى من نوعها على المستوى العربي حيث تضم مجموعة من الكتب والمحاضرات وجديد المقالات المتخصصة في علم الاجتماع، ويعمل طاقمها على تجديد محتواها كل ساعة .