البناء الفكري : مفهومه وعناصره ومستوياته
بوابة علم الاجتماع | مدونة متخصصة في علم الاجتماع بوابة علم الاجتماع | مدونة متخصصة في علم الاجتماع

آخر الكتب

random
جاري التحميل ...
random

البناء الفكري : مفهومه وعناصره ومستوياته


مقدمة
مِن أهم ما يميز أفراد مجتمعاتنا الحالية في قضايا الحوار والخطاب وتبادل الآراء والنقاش بين مختلف الأجناس والأعراق والديانات والطوائف، هو ما يحمله هؤلاء الأفراد من مستوى فكري مميز، يُطرح على فئات مجتمعية واسعة، ويُحرِّك جميع الأذهان نحو فكر هذا الفرد، بخطاب مبسط ومتدرج ومتميز في الطرح، كي يستوعبه الجميع ويتفاعل معه بروح واحده. وهذا ما برز في الإعلام من طرح تنافسي لبعض المفكرين الذين لم يتمكنو من مخطابة كافة العقول، والوصول بها إلى نمطية تفكير بناء.


فمَنْ هم هؤلاء الذين يتحدثون عن الفكر هذه الأيام؟ ولماذا يتحدثون؟ وما الذي يقصدونه بالفكر؟ وما موقع الفكر بين مفاهيم العلم والفقه والثقافة والفلسفة والأدب؟ وأين نجد الفكر في برامج التعليم المدرسي والجامعي؟ وكيف نفهم تطور مفهوم الفكر في التراث الإسلامي؟


مثل هذه الأسئلة وأمثالُها، تتوارد إلى الخاطر عند ملاحظة التزايد الملحوظ في عدد الباحثين عن "كتابات فكرية" في أوساط الشباب المسلم في العقدين الأخيرين من الزمن. ويبدو أن من دوافع هذا البحث عند هؤلاء الشباب، أنهم أخذوا يضيقون ذرعاً بالتوجُّه العلمي –الفقهي، أو التوجُّه الثقافي-الحركي، اللذيْن غلبا على جهود قطاعات واسعة من الشباب في الحقبة التي عرفت بالصحوة الإسلامية في الربع الأخير من القرن العشرين. وهذه الحقبة نفسها، هي كذلك الحقبة التي ظهر فيها عدد من المشاريع الفكرية في الدائرة الإسلامية، لم يُعْرَف أصحابُها في المؤسسات التقليدية للعلوم الإسلامية، ولم يعرفوا كذلك في الدوائر التقليدية للتنظيمات والحركات الإسلامية.


هل كان سعي الشباب في العقدين الأخيرين في البحث عن "كتابات فكرية" إسلامية مساوياً كذلك للتوجهات الملحوظة لتزايد الاهتمام ببرامج "التنمية البشرية"؟ ومِن ثَمَّ لُمِستْ الحاجة إلى ضرورة تضمين هذه البرامج مادة في "التنمية الفكرية"؟


أليس مما يَلفِتُ انتباهَ المتابع للشأن الفكري في العالم العربي أنَّ نسبة ملحوظة من الشباب في هذا العالم قد أخذوا يضيقون ذرعاً بالواقع القائم في بلادهم؟ وهو الواقع الذي يتصف باستئثار النخب السياسية والدينية والإعلامية في التأثير على الحالة الفكرية العامة، بصورة تكرس أزمة الأمة، وتعمق حالة اليأس والإحباط، عن طريق الاستمرار في الخلط بين ثنائيات التراث والحداثة، والاستقلال والتبعية، والتخلف والتقدم، والهوية والعولمة وغيرها من الثنائيات.


ليس من اليسير تقديم إجابات محددة عن الأسئلة الكثيرة التي تَرِد إلى الخاطر في مسألة الفكر، ومع ذلك فإنّه يمكن القول إنّ هذا الشباب قد ملّ حالة التيه التي تعاني منها الأمة منذ القرن التاسع عشر، ونخبُها الفكرية لا تزال تعيد إنتاج سؤال النهضة، دون أن تلوح في الأفق بوادر الإجابة العملية على هذا السؤال. وفي الوقت نفسه ظهرت في ربع القرن الماضي محاولات عديدة لتقديم ألوان من التعبئة النفسية تقدمها مؤسسات وأدبيات في صورة برامج تدريبية، على شاكلة ما ظهر منها قبل ذلك في الغرب، مما عرف ببرامج التنمية البشرية. وقد اختارت بعض هذه المؤسسات قضية النهضة لتكون محوراً لبث الوعي بالقضية، وغرس الأمل في إمكانية تحقيقها، ومن ثم الاستعداد في السير نحوها. وأصبح موضوع البناء الفكري مطلباً واضحاً للشباب الطامح إلى النهضة، وحاولت المراكز والمعاهد التدريبية التي انتشرت بسرعة ملحوظة في أرجاء العالم العربي تقديم برامج أكاديمية ودورات تدريبية في البناء الفكري.


هل البناء الفكري للمجتمع من جميع الفئات العمرية، نجح في تكوين الانتماء لديهم للدين أو للدولة أو للنهضة أو ....؟ مثل المجتمع الياباني أو الكندي أو الاسترالي وغيرها، وما هو دور الحركات الشبابية في ذلك؟


ولا نعدم أن نجد ضمن هذه الحركة جهوداً مخلصة، تقوم بها شخصيات اعتبرت مسألة النهضة في إطارها الإسلامي رسالتها في حياتها، واجتهدت في صياغة برامج تدريبية لتحقيق هذه الرسالة، ومع ذلك فإن البعد التجاري الاستثماري التي تعتمده مؤسسات عديدة يكاد يطغى على أهداف الكثير من هذه المؤسسات وعلى البرامج التي تقدمها.


تحاول هذه الورقة تقديم فكرة مكثفة للغاية عن موضوع البناء الفكري، ربما تصلح أساساً لتكوين مدخل إلى الموضوع.

أولاً: مصطلح الفكر وتطوره
الفكر هو فعل، وثمرة هذا الفعل؛ فهو من جهةٍ: إعمالُ النظر (قال د. عودة أبوعودة في محاضرته، إن إعمالُ السمع أهم من إعمال النظر في عملية التفكر، أي أن الأصم إنتاجه العقلي أقل من الأعمى)، أو فعلُ العقل، أو عمليةُ التفكر، ومن جهة أخرى: هو الاسم الذي يطلق على نتيجة الفعل وثمرته.


وردت مادة الفكر في القرآن الكريم في ثمانية عشر موضعاً كلها في صيغة الفعل: فكّر، تتفكروا، يتفكروا، يتفكرون، تتفكرون. كما ورد معنى الفكر والتفكر في مواضع كثيرة أخرى بصيغة الفعل كذلك ولكن بألفاظ: الاعتبار، والعقل، والنظر، والتدبر.


أما في الحديث النبوي الشريف، فقد ورد لفظ الفكر في تصنيف المحدث ولغته، في كتب وأبواب كل من صحيح البخاري وصحيح مسلم، وغيرهما من كتب السنن والمسانيد. كما ورد اللفظ على لسان الراوي من الصحابة، وورد بنص الآيات القرآنية الذي يذكرها الحديث الشريف. وكما هو الحال في القرآن الكريم فإن معنى الفكر قد ورد في مواقع كثيرة بألفاظ العقل والنظر والتدبر. ومما هو معروف من الآثار التي ورد فيها لفظ التفكر حديث ابن عباس رضي الله عنه: "تفكروا في كل شيء ولا تفكروا في ذات الله." وفي حديث ربيعة بن كعب الذي يرويه الإمام أحمد في مسنده، يقول: "...ففكَّرت في نفسي فعرفت أنَّ الدنيا منقطعةٌ وزائلة..." وفي رواية أخرى للحديث: "ولكني نظرتُ في أمري فرأيت أن الدنيا زائلة...". ومن الروايتين يتبين أنَّ النظر جاء في موقع التفكر.


وقد شاع استعمال مصطلح الفكر ليدل على العطاء المعنوي العقلي لشخص أو لأمة، فإذا قيل الفكر الغربي، فهو الحصيلة الكلية للعقل الغربي، من العلوم والآداب والفنون، ولكن المعنى ينصرف إلى ما يتميز به الفكر الغربي من المنطلقات المذهبية التي تُلَوِّن هذا الفكر بلون غربي. ويظهر هذا الفكر في الغالب في صورة نظريات تفسيرية كبرى، في العلوم الاجتماعية والإنسانية، وكذلك في عناصر الثقافة العامة التي تسود المجتمع. يرى الغربيون مثلاً أن مرجعية الفكر الغربي هي منجزات الحداثة والتنوير المتمثلة في العقلانية، والحريات الفردية، والديمقراطية، وغير ذلك مما طرأ على الحياة الأوروبية منذ القرن السابع عشر. لكن الفكر الغربي في القرن العشرين أخذ يعتمد على خليط من منجزات الحداثة وما بعد الحداثة، وعلى الثقافة السياسية الأمريكية على وجه الخصوص، التي أخذت تروج لما يسمّى بالتراث المسيحي اليهودي، بوصفه مرجعية أساسية للفكر الغربي.


أما مصطلح الفكر الإسلامي، فهو مصطلح جديد. وبالرغم من أصالة مفهوم التفكر في القرآن الكريم، فإن المصطلح لم يعرف في الكتابات المبكرة في التاريخ الإسلامي. وربما يعود السبب في ذلك إلى الاكتفاء بمصطلحات أخرى سبقت إلى ميدان التدوين والتأليف. فاستعمل مصطلح الفقه مثلاً بمعنى العام أي مطلق الفهم أخذاً من نصوص القرآن الكريم، من مثل قوله سبحانه: "فلولا نفر..." ونصوص الحديث النبوي الشريف، من مثل قوله صلّى الله عليه وسلّم: من يرد الله به خيراً يفقه في الدين." فكان الفقه في الدين يعني مطلق الفهم وهدف العلم والتعلم. ومع ذلك فقد عرف من أهل العلم من الصحابة من تميز بعلم من العلوم دون غيره، فكان أعلم الصحابة بالفرائض زيد بن ثابت، وكان أعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وهكذا.


وقد تحول مصطلح الفقه بعد ذلك ليدل على معنى مخصوص هو العلم بالإحكام الشرعية، وهو ما تميز بمصطلح الفقه الصغر، المعروف في كتب الفقه على المذاهب المختلفة، تمييزاً له عن مصطلح الفقه الأكبر الذي قصد به علم العقائد.


ولما انشغل كثير من علماء المسلمين بترجمة علوم اليونان والفرس والهند والسريان وغيرهم، استعملت مصطلحات أخرى مثل علم الكلام، والفلسفة، فدخل إلى المجتمع الإسلامي طابع مختلف في التفكير غير منهجية الرواية للحديث، والتفسير بالمأثور للقرآن، واستنباط الأحكام من النصوص، هو الطابع الفلسفي، وتمايزت العلوم الفلسفية الطارئة عن العلوم الإسلامية التقليدية.


ومع نهاية القرن التاسع عشر وجد العالم الإسلامي نفسه في حالة من التخلف عن العالم الغربي، وبدأ بعض العلماء يتحدثون عن علاقة الشرق الإسلامي بالغرب الأوروبي، وحاجة العالم الإسلامي إلى الاستفادة من علوم الغربيين، وبدأ تطرح أسئلة ملحة حول ما يؤخذ من هذه العلوم وما لا يؤخذ، وبدأت قضية النهضة تتبلور في عدد من بلدان العالم الإسلامي، وأخذت بعض الكتابات الإسلامية تتميز عن الكتابات الفقهية التقليدية، بقدر أكبر من النظر النقدي والتحليل العقلي، وأخذ مفهوم الفكر الإسلامي يتبلور في مقابل الفكر الغربي. ومع ذلك فإن التعليم الإسلامي التقليدي في الأزهر –مثلاً-لم يرحب بكتابات الفكر الإسلامي، لذلك أنشئت كلية دار العلوم في القاهرة أساساً لتكون بديلاً عن الأزهر في تعليم العربية والإسلام، قبل أن تضم إلى جامعة القاهرة. ولذلك تخرج في هذه الكلية كثير من العلماء الذين عرفوا في ميدان الفكر الإسلامي، وكانت كتبهم كتباً في الفكر الإسلامي في ميادين عديدة من الدراسات الفقهية والقرآنية، وغيرها من الدراسات الأدبية والسياسية والاقتصادية.


ولا يزال من أهل العلم في الدائرة الإسلامية من لا يرتاح للحديث عن الفكر الإسلامي، مفضلاً الحديث عن العلوم الإسلامية في أطرها التقليدية التي ظهرت في القرون الخمسة الأولى. وسوف نجد من يرى أن العلم هو ما قال الله وقال رسوله، وسوف نجد من يرى أن العلم هو علم العقيدة، وغيره تبع له، ومن يرى أن العلم هو الفقه، والأصول هي منهج لاستنباطه، وسوف نرى من يعطي الأولوية لتحقيق المخطوطات ونشرها، وهكذا. وسوف نجد أن كثيراً من هؤلاء يرون مصطلح الفكر هو نكوص عن العلم الحقيقي، وأن التركيز على الفكر الإسلامي القائم على النقد العقلي والنظر المقاصدي، هو استخفاف بالنصوص وهروب من استحقاقاتها.


ومع كل هذا التحفظ لدى فئات من أهل التخصص في علوم الشريعة التقليدية، فإنَّ نماذج من المؤلفين والكتاب والنشطاء لا يُشك في انتسابهم الإسلامي، ومرجعيتهم الإسلامية، وجهادهم وتضحياتهم من أجل رفعة شأن الإسلام والدفاع عن قضايا المسلمين، أنجزوا إنجازات مقدرة من العطاء العلمي والفكري والعملي، وجاءوا من تخصصات متنوعة، فكان منهم عسكريون محترفون، وكان منهم مهندسون وأطباء، وعلماء من تخصصات الكيمياء والفيزياء وعلم النفس وغير ذلك.


إن هذا التنويه بالشخصيات الإسلامية التي عرفت في مجال "الجهاد الفكري" منذ مطلع القرن العشرين، ينبغي أن لا يلفت انتباهنا عن حقيقة أن بعض من عُرف في ميدان الفكر الإسلامي، أو حاول أن يعرِّف بنفسه في هذا الميدان، كانوا دخلاء على الفكر الإسلامي، وأشعلوا في ميدانه معارك هامشية لكنها استغرقت الكثير من الجهد والوقت، وربما كانت جهود بعضهم ناتجة عن اجتهادات خاطئة، ومحاولات مخلصة ينقصها العلم، ولكن بعضها الآخر كان عملاً مدبراً ماكراً، يقصد به الإسهام في إحداث البلبلة والفوضى الفكرية في المجتمعات الإسلامية.




ثانياً: البناء والفكر
عنوان البناء الفكري يتكون من مفهومين مفتاحيين: مفهوم البناء ومفهوم الفكر. مفهوم البناء يصاحبه التخطيط والتصميم والتنظيم، ويقابله التكديس والتجميع العشوائي. ومفهوم الفكر، يصاحبه العلم في تمكن، والثقافة في إحاطة، والوعي في هدى، ويقابله تقليد بلا علم، وتبعية بلا هدى، وتعصب أعمى دون نظر، فالذي لا يملك فكراً، يقوم بما يقوم به من أعمال انقياداً لهوى متبع، سواءً كان هوى نفسه، أو هوى غيره.


ولتقريب مفهوم البناء الفكري إلى الذهن يمكن المقارنة بين البناء المادي والبناء الفكري من حيث ضرورة وجود تصور مسبق في الحالتين، للغرض من البناء ومواده وعناصره وطريقة بنائه والخطة الزمنية لتنفيذه، إلخ. ومع ذلك فإنّ ثـمَّة فوارق أساسية بين النوعين من البناء تختص بالتمايز الجوهري بين المادة والإنسان، فالبناء الفكري بناء للإنسان يتصف بالحركة والتطور والتغير والنمو من داخل الإنسان، وتتشكل شخصية الفرد الإنساني من بنائه الفكري، وبنائه النفسي. وفي الوقت الذي يختص البناء الفكري بالقناعات العقلية والمعتقدات، وما تتضمنه من حقائق ومفاهيم ومبادئ ونظريات، فإن البناء النفسي يختص بالجانب الانفعالي والوجداني من الإنسان، حيث تتحكم الإرادة والدوافع والمشاعر في السلوك العملي للإنسان. وكما أن الإنسان يحتاج إلى تربية وتنمية في الجانب الفكري- العقلي، فإنه يحتاج إلى تربية وتنمية في الجانب النفسي- الوجداني، ولكل من الجانبين مواده وطرقه في التربية والتنمية.


والفكر هو نتاج عملية التفكير، وعملية التفكير نشاط ذهني داخلي يقوم به الإنسان بصورة واعية أو غير واعية، وتتضمن مرور الخواطر والتخيلات والمدركات الحسية أو الانفعالية التي تسبق أو ترافق قيام الإنسان بأي سلوك أو تصرف خارجي. لذلك فالفكر جهد بشري يلحقه الصواب والخطأ، فلا يتصف بالعصمة ولا القداسة. وبقدر ما يكون هذا الفكر مستنداً إلى نقل صحيح وعقل صريح، ومنسجماً مع الطبائع والوقائع، يكون الفكر أقرب إلى الصواب وأبعد عن الخطأ.


ومع أن الإنسان يقوم بالتفكير بصورة دائمة، فإن فهم عملية التفكير والأعضاء التي تقوم بها يحتاج إلى قدر كبير من الجهد، وكثير من جوانب هذه العملية لا يزال غامضاً، وبحوث علم النفس الارتقائي وعلم نفس الأعصاب، ونظريات التعلم البشري... تقدم إشارات غير كافية في بيان دور الدماغ والقلب وعوامل البيئة الخارجية. ومع ذلك فقد تم التمييز بين أنواع من التفكير لكل منها دوره وأهميته في تكييف حياة الفرد الإنساني وبناء مقومات المجتمع الإنساني، ومن هذه الأنواع: التفكير العميق، والتفكير المتشعب، والتفكير الإبداعي، والتفكير المقاصدي، والتفكير الاستراتيجي، والتفكير النقدي، والتفكير السببي، إلخ.


وتميز البشر بالفكر أمر مشهود ومعروف منذ أقدم الأزمان، لأنَّه صورةٌ من صور وَعْي الإنسان بذاته وبما هو خارج عن ذاته، يقول ابن خلدون: "اعلم أنَّ الله سبحانه وتعالى ميّز البشر عن سائر الحيوانات بالفكر الذي جعله مبدأ كماله ونهاية فضلة على الكائنات وشرفه؛ ذلك أن الإدراك وهو شعور المدرك في ذاته مما هو خارج عن ذاته هو خاص بالحيوان فقط من بين سائر الكائنات والموجودات، فالحيوانات تشعر بما هو خارج عن ذاتها، بما ركب الله فيها من الحواس الظاهرة: السمع والبصر والشم والذوق واللمس، ويزيد الإنسان من بينها أنه يدرك الخارج عن ذاته الفكر الذي وراء حسِّه، وذلك بقوى جعلت له في بطون دماغه، ينتزع منها صور المحسوسات ويجول بذهنه فيها، فيجرد منها صوراً أخرى. والفكر هو التصرف في تلك الصور وراء الحسّ، وجولان الذهن فيها بالانتزاع والتركيب، معنى معنى الأفئدة في قوله تعالى: ﭽ ﯺ ﯻ ﯾﯿ ﭼ (الملك: ٢٣). والأفئدة جمع فؤاد وهو هذا الفكر."


وبين الفكر الذي هو فطرة طبيعية في الإنسان، والمنطق العقلي الذي هو أمر صناعي، واللغة البشرية التي يكتسبها الإنسان بالتعلّم، صلةٌ وثيقة. يقول ابن خلدون: "الفكر الإنساني طبيعة مخصوصة فطرها الله كما فطر سائر مبتدعاته... ثم إن الصناعة المنطقية هي كيفية فعل هذه الطبيعة الفكرية النظرية، تصفُه لتعلم سداده من خطئه... فالمنطق أمر صناعي مساوق للطبيعة الفكرية ومنطبق على صورة فعلها... ثم من دون هذا الأمر الصناعي الذي هو المنطق مقدمة أخرى من التعلّم، وهي معرفة الألفاظ ودلالتها على المعاني الذهنية، تردها من مشافهة الرسم بالكتاب ، ومشافهة اللسان بالخطاب..."


ويميز عالِمُ النفس الإسلامي مالك بدري بين التفكير بوصفه عملية مرور الخواطر في الذهن البشري بصورة تقليدية عادية، والتفكّر الذي عدَّه منزلة أرقى من التفكير، فهو جهد مقصود للوصول إلى الحقيقة في أمر يطلب الإنسان إدراكه، وذلك عن طريق تَعَقّلِ الأمر وتصرُّفِ القلب وطلب الدليل والتأمل فيه. والتذكّر نوع من التفكُّر يتضمن استحضار الذهن ما كان يعلمه الإنسان عن الموضوع، وما يقابله ويقاربه، فلا يغفل، وليكون التذكر موعظة وتبصرة. أما التدبُّر، فإنّه يتجاوز كل ذلك إلى النظر في عواقب الأمور.


ولمالك بن بني فكرة لطيفة في التمييز بين البناء والتكديس، وذلك في حديثه عن البناء الحضاري، حيث يتحدث عن العالم الإسلامي الذي بقي دهراً طويلاً خارج التاريخ، لكنه انتبه في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، على صيحات إصلاحية تدعو إلى النهوض الحضاري، لكن جهوده في السعي إلى ذلك اكتفت باستيراده منتجات الحضارة من الآخرين، والحضارة في حقيقتها منتجات مادية لها روحها فكرها وأدواتها وأنظمتها، التي لا تباع ولا تعار؛ لأنَّها تمثل الخصائص الذاتية للحضارة وللمجتمع الذي يبني تلك الحضارة. والمجتمع الذي يستورد المنتجات مع فكرها وروحها يكون قد فقد هويته الحضارية وأصبح امتداداً للمجتمع الذي استورد منه منتجاته. أما المجتمع الذي يستورد منتجات الحضارة دون روحها وفكرها، فإنه يقوم بتكديس هياكل لا روح لها، وتجميع أكوام من الأشياء لا فكر فيها. إنَّ الحضارة في كل مجتمع -في رأي مالك بن نبي- هي التي تلد منتجاتها، وتطبعها بروحها وفكرها، والعالم الإسلامي لم يتمكن من بناء حضارة، لأنَّه اقتصر على تكديس المنتجات المادية.


وبناءُ الحضارة عند مالك بن نبي يتم وفق معادلة تتفاعل فيها ثلاثة عناصر هي:


- الإنسان، بما يمثلة من طاقات الفكر والإبداع؛


- والتراب الذي يمثل الإمكانات المادية والاقتصادية،


- والوقت الذي يتم فيه نمو الخبرة وإنضاجها.


ولا يتم التفاعل بين هذه العناصر الثلاثة إلا بعامل مساعد هو الشعلة الروحية التي تتمثل بقوة العاطفة، وطاقة الوجدان. فالبناء الحضاري في المجتمع يتم عندما يقوم: عالم الأشخاص بإبداع عالم الأفكار التي يستخدمها الأشخاص في إنتاج عالم الأشياء. وكل الأشخاص يموتون، ومعظم الأشياء تبلى وتتضاءل قيمتها، أما الأفكار فمنها الحيّة التي لا يستغنى عنها مهما مر عليها الزمن، ومنها الميّته التي يمكن الاستغناء عنها دون أن خسارة، ومنها المميتة التي لا بد من التخلص منها.


يمكنك التفكير في علاقة العوالم الثلاثة ببعضها عندما تحاول التمييز بين طريقة الناس في تقدير قيمة كتاب محدد. فبعض الناس يحرصون على الحصول على الكتاب ووضعه في مكتباتهم لأنه مجلد كبير يوحي بالمهابة ويستحق شكله الصدارة. وآخرون يحرصون على الحصول على الكتاب لأن مؤلفه عَلَمٌ مشهور له عندهم قدر ومكانة، وصنف ثالث يحرص على الحصول على الكتاب لا لحجمه وشكله، ولا لاسم مؤلفه وشهرته، وإنما لموضوعه وأفكاره.


يمكنك الآن التفكير في مثال آخر يبين العلاقة بين العوالم الثلاثة وتفاوت طرق تقدير الناس لكل منها.


إنَّ أيَّ عالَم من هذه العوالم الثلاثة ليس عالَماً واحداً متجانساً فعالَم الأشخاص هو عالَم السياسيين وعالم التجار وعالم الإعلاميين ، إلخ، ؛ وعالم الأشياء هو عالم الأطعمة وعالم المساكن، وعالم السيارات، وعالم الفضاء، إلخ. وكذلك فإن عالم الأفكار، هو عالم الفقه، وعالم الاقتصاد، وعالم التاريخ، وعالم الفنّ، إلخ. وكل عالَم من هذه العوالم هو -من ثَـمَّ- أبعد ما يكون عن الانسجام والتجانس، بل هو أقرب في كثير من الأحيان إلى التناقض الفكري وصراع المصالح. فهل ثمة وسيلة للنظر في "بناء فكري" يتجاوز التناقض والاختلاف، ويكشف عن أفكار تجد لها القبول والانتشار على نطاق واسع ضمن هذه العوالم، في نطاق جغرافي محدد ونطاق تاريخي محدد؟ وما هي الخصائص التي لا بد أن تتمتع بها الأفكار التي تجد هذا القدر من الانتشار ومن ثم التأثير والفاعلية؟


ثالثاً: من هو المفكر؟
عندما يوصف شخص ما بأنه مفكر، فما الذي يعنيه ذلك الوصف؟ إنّ ذلك لا يعني أن المفكر هو أي شخص يمارس عملية التفكير، فكل الناس يقومون بهذه العملية بوعي أو دون وعي، ومن ثمّ فكل الناس يملكون فكراً. لكن وصف المفكر يطلق على الشخص الذي يمتلك بناءً فكرياً يتصف بالوضوح والانسجام والتكامل، والقدرة على إنتاج الفكر بصورة يتميز بها عن الغالبية العظمى من الناس، وتسمح بتسمية ذلك الشخص مفكراً. فأين هو موقع المفكر ضمن مجموعة الأشخاص الذي تطلق عليهم أوصاف أخرى ذات صلة مباشة بالفكر؟


هل تعرف أحداً يطلق على نفسه صفة المفكر؟ هل ثمّة فرق بين من يطلق على نفسه صفة مفكر، ومن يصفه غيره بهذا الوصف؟ استحضر أسماء عدد ممن يطلق عليهم وصف المفكر، وابحث عن تخصصاتهم العلمية، ونوعية إنتاجهم من الكتب والبحوث، وطريقة عرضهم للموضوعات التي يتحدثون عنها. ما الذي يميّز هؤلاء عن غيرهم من الأشخاص الذي يعدون من النخبة؟ ربما يمكنك الآن تحديد عدد من المواصفات الرئيسية للمفكر.


من السهل تمييز الإنسان الذي يتخصص في علم معين، فيقال عنه إنه متخصص، وإذا تعمق في تخصصه، وأحاط به وبدأ يبدع فيه ويضيف إليه، ويحل مشكلاته، فيمكن أن يقال عنه إنه عالم في ذلك التخصص. وقد يلمّ العالم المتخصص بقدر من العلم في تخصصات أخرى قريبة من تخصصه وضرورية له، ولكن لا يشترط في العالم المتخصص عادة أن يكون قادراً على الحديث في المسائل العامة خارج إطار تخصصه.


ومن الناس من يكون صاحب تخصص ويكون عالماً في تخصصه، ومع ذلك فإنّ لديه من الاهتمامات الأخرى، اللغوية أو الفنية أو السياسية، وقدراً من المعرفة والاطلاع، والقدرة على التفكير والحديث في المسائل العامة، فيوصف هذا الشخص بأنه مثقف. وإذا كان العالم المتخصص يصل إلى هذه الصفة عادة بالدراسة الأكاديمية المنتظمة، والبحث المنهجي المتخصص، فإنَّ المثقف يبني قدراته في الغالب بجهود ذاتية من قراءات ومحاورات مع الآخرين.


ومن الناس من يكون صاحب علم متخصص، ولديه بعض الفكر، وربما بعض الثقافة ، لكنه يوظف ذلك كله في محاولة التأثير في أكبر عدد من الناس، لينقلهم مما هم عليه من حالة فكرية أو سلوكية إلى حالة أخرى يدعو إليها، ويشجع على الالتزام بها، ويمارس من أساليب متنوعة من محاولات التأثير كتابة وخطابة وحديثاً وحواراً، إلخ. وهو يحرص على اللقاء بالناس في أماكن وجودهم وعلى التفاعل المباشر معهم. والصفة التي تغلب على هذا الشخص هي الداعية. فهو يدعو الناس إلى فكر الحزب أو الجماعة التي ينتسب إليها، أو يدعوهم إلى أنماط معينة من السلوك الأخلاقي أو الاجتماعي. ولا يشترط أن يكون الفكر الذي يدعو إليه من إنتاجه، لكنه يتبنّاه ويدعو إليه. وقد تكون القضايا التي يدعو إليها الداعية قضايا جزئية محددة تتناول سلوك الأفراد، وتختص ببعض الفضائل، وتحمل قدراً من الحرارة والرصيد العاطفي. وقد تكون قضايا عامة تختص بالواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، والرغبة في حل المشكلات التي يعاني منها هذا الواقع، والأمل في تغييره نحو الأحسن، وتكون رؤيته التغييرية واضحة ومحددة وجديدة وطموحة، وعندها يطلق على هذا الشخص وصف المصلح.


وتبقى فئة من الناس قي أقلها عدداً بالمقارنة مع الفئات المشار إليها سابقاً، يكون لأحدهم علم متخصص، وربما يكون لديه بعض الثقافة، وبعض الأفكار الإصلاحية، لكنه الذي يتميز به عن غيره هو أنه يقصر اهتمامه على بناء رؤية نظرية للمسائل والقضايا العلمية والعملية. وفي حين يبحث العالم المتخصص في المسائل الجزئية المحددة للعلم، فإن هذا الشخص يعيد وضع الجزئيات في صياغات فكرية كلية، ويطرح أسئلة عامة وينتقد الصياغات الفكرية السائدة، ويكتشف التناقضات الكامنة فيها، ويطرح أنظمة مفاهيمية جديدة، وبدلاً من الحديث من مشكلات مجتمع محدد أو بيئة محددة، فإنه اهتمامه ينصرف إلى المجتمع الإنساني والبيئة الكونية... مثل هذا الشخص يسمى الفيلسوف.


الأشخاص الذين يحملون هذه الأوصاف الذي ذكرناها: العالم-المتخصص، والمثقف، والداعية-المصلح، والفيلسوف، موجودون في كل مجتمع، ولكل منهم موقعه وضرورته. لكن هذه الأوصاف ليس بينها حدود فاصلة ولا تراتبية تفضيلية، ومن السهل أن نميّز أشخاصاً يملكون مستويات متفاوتة من خصائص كل فئة. وثمة أوصاف أخرى ربما تقع ضمن هذه الفئات أو خارجها، فالفني، والباحث، والكاتب، والمحلل، والمستشار، والخبير... صفات تلحق بأي شخص من الفئات المذكورة، أو تميز فئة قائمة بذاتها.


لكن السؤال الذي يلحّ في سياق هذا الحديث يختص بالمفكر، أين يقع المفكر من هذه الأوصاف؟ هل يقع ضمن هذه الفئات، أم يحتل موقعاً متميزاً مختلفاً تماماً عنها؟


أول ما يخطر في البال هو أن المفكر ربما يجمع الكثير من صفات الفئات المذكورة، ولو بدرجات متفاوتة. فكثير ممن أعطيت لهم صفة المفكر بدأوا حياتهم الفكرية علماء متخصصين، لكنهم انتقلوا بعد ذلك من الانشغال بجزئيات التخصص العلمي، إلى القضايا العامة للمجتمع، وبدلاً من الانشغال بالمشكلات الآنية والملحة التي ينشغل بها المثقف في العادة انتقلوا إلى وضع هذه المشكلات ضمن سياقها التاريخي والاجتماعي، لبناء فهم أفضل لها، وللبحث عن معالجات لأسباب المشكلات بدلاً من مظاهرها، ولتكوين رؤية كلية لجهود الإصلاح والتغيير المنشودة، لكن المفكر مع ذلك لا يتخلى عن الاهتمام بالواقع الذي يريد إصلاحه، وعن تقديم صياغات فكرية تشتبك مع الواقع القائم للوصول إلى الطموح المنشود.


ولا يبدو أن ثمة علاقة مباشرة بين الهوية الفكرية للمفكر والتخصص العلمي الذي بدأ تشكله الفكري فيه. لكن المفكر مثقف بالضرورة، ويمكن النظر إلى المشروع الفكري للمفكر على أنه مشروع إصلاحي، وربما يقترب من الفيلسوف في رؤيته الكلية وقدرته على اكتشاف المشكلات القائمة في الصياغات الفكرية والعملية السائدة، وفي بحثه عن حلول لها. كما يقترب من الفيلسوف في درجة القلق التي تنتابه في سعيه الدائم للفهم والتفسير، والنظر إلى الأمور من زوايا مختلفة. وهو بهذا القلق يبتعد عن العالم الذي يقف عن المسائل اليقينية في علمه، وعن الداعية الذي يعرض أفكاره بثقة لا يخالجها شك، وحماس لا ينتابه تردد. لكن المفكر يبتعد عن الفيلسوف في اندماجه المباشر في القضايا العامة للمجتمع.


ونظراً لأن كلاً من الفيلسوف والمفكر في الغالب يبدأ رحلته الفكرية في مجال محدد من العلم المتخصص، فإن طبيعة هذا العلم تؤثر في اللغة التي يضعان بها صياغتهما الفكرية، وفي المنهجية التي يتبعانها في هذه الصياغة. وربما يظهر ذلك واضحاً في الأعمال الفكرية لمفكرين من أمثال: إسماعيل الفاروقي، وأدوارد سعيد، وسيد قطب، وطارق البشري، وعبد الوهاب المسيري.


لقد اتبعنا -فيما سبق- في الحديث عن خصائص المفكر منهجاً نظرياً، تضمن التعرف على الخصائص التي تطلق على فئات من الأشخاص. وربما نصل إلى النتيجة نفسها لو اتبعنا منهجاً آخر، يحدد في البداية عدداً من الأشخاص الذي عرف كل منهم بصفة المفكر، ثم حللنا الخصائص الفكرية والعملية التي يتصف كل منهم بها. ولعل الأخوة والأخوات الحضور يقومون بهذا التمرين، فيحدد كل منهم عدداً ممن يعدهم هو مفكرين ويقوم بعد ذلك باستخلاص خصائص المفكر.


لديك قائمة من أسماء عدد من الأشخاص، حاول أن تصنف هؤلاء الأشخاص ضمن خمس فئات: عالم، مفكر، داعية، مصلح، فيلسوف، مثقف. إذا وجدت صعوبة في التحديد الدقيق للفئة التي ينتسب إليها الشخص، فلا مانع في البداية من أن تصنفه في فئتن أو أكثر، ثم تحاول التدقيق لوضعه في فئة محددة.


حاولنا أن نوضح مضمون الفكر والتفكير والخصائص التي يتصف بها المفكر في سياق الخصائص التي تتصف بها شخصيات آخرى ضمن الحقل الدلالي للخصائص التي تلتقي أو تتقاطع مع قضايا الفكر وخصائص المفكرين. وفي هذا السياق بدأنا في تحديد مجال الاختصاص العلمي وموقع المفكر منه. ولاحظنا أن المفكر ربما يبدأ عمله الفكري بالتبحر في ميدان تخصصه، ثم يتوسع في الإلمام والاهتمام بتخصصات أخرى، ويأخذ في صياغة فهمه لبعص عناصر المعرفة العلمية المتخصصة لتكون مادة ثقافية عامة، ثم يبدأ في عملية الترقي بهذه الثقافة لصياغة مفاهيم ورؤى فكرية تتصف بالتحديد والتركيز والعمق، وتصوغ منها خطاباً فكرياً محدداً يقدم إجابات عن الأسئلة وحلولاً للمشكلات، بصورة تختلف جوهرياً عن ألوان الخطاب السائد.




رابعاً: علم تاريخ الأفكار
وإذا كان هذا الوصف الإجمالي الموجز لتطور ظهور المفكر وتميزه بالفكر، فإن الساحة التي ينتقل إليها المفكر –ساحة الفكر، تشكلت في التاريخ بصورة تدريجية، ربما تكون معاكسة لاتجاه الوصف السابق. ذلك أن الفكر الإنساني بدأ مجتمعاً لدى فئة قليلة من المفكرين المتميزين عن غيرهم من عامة الناس، وكانوا يعرفون بالحكماء أو الفلاسفة، حيث يتصف هؤلاء بقدر من الموسوعية المعرفية. لكن حركة النمو المتسارعة في حجم المعرفة اقتضت الميل إلى تخصص الفرد في حقول معرفية دون أخرى، ثم استمر هذه الميل إلى التخصص حتى أصبح الفرد متخصصاً في فرع واحد أو في جزء من فرع واحد. وهكذا ظهرت التخصصات المتمايزة، وبدأ يكثر العلماء المتخصصون، ولا يبقى في ساحة الفكر الموسوعي، ساحة الفلسفة والحكمة، إلا القليل من الأفراد.




بماذا نستطيع أن نصف المضمون الفكري المحدد في الفقرتين السابقتين؟ إن هذا المضمون ليس مادة فلكية تصف الأجرام السماوية، ولا مادة طبية تصف طرق تشخيص الأمراض البشرية وعلاجها؛ إنه أقرب إلى التاريخ، لكنه ليس تاريخاً عاماً يشبه ما يدرس في التاريخ عن الشعوب أو البلدان؛ إنه تاريخ للفكر، أو تاريخ للثقافة، وربما يكون تاريخاً للعلم أو تاريخاً للأدب، أو تاريخاً للفلسفة. وبالفعل فقد تمايز هذا التخصص تحت عنوان "تاريخ الأفكار"، وأصبح له برامج علمية متخصصة ضمن الدراسات الجامعية العليا.


وكما أن كل علم من العلوم يتم بناؤه من وحدات أولية، هي حقائق العلم ومفاهيمه وقوانينه ونظرياته، فإنَّ "علم تاريخ الأفكار" يبنى بناءً من وحدات أساسية، يسمونها الوحدات الفكرية، ووظيفة المتخصص في تاريخ الأفكار هي اكتشاف هذه الوحدات الفكرية وما يطرأ من ارتباط أو انفصال فيما بينها، مع ملاحظة أن الوحدات الفكرية تتصف بقدر من الثبات، إلى درجة تمكن الباحثين من استخدامها في صورة وحدات تحليل، في قيام وانهيار الثقافات والحضارات البشرية.


إن دراسة تاريخ الأفكار يحمل افتراضاً يعلي من قيمة الأفكار ويبرز أثرها في التغيرات الكبرى التي تمر بها الشعوب والأمم، وهذه الأفكار التي لها قيمة هي نتاج العقل الذي صاغ الفكرة وعبر عنها بصورة مقنعة ومؤثرة، ولاقت تجاوباً متزايداً من الأفراد والجماعات إيماناً بها ودفاعاً عنها، وتضحية من أجلها.




خامساً: البناء الفكري والمدارس الفكرية
شهد النصف الثاني من القرن العشرين مجموعة من الشخصيات التي اهتمت بالفكر الإسلامي، بعضها كان ضمن الحركات والأحزاب والتنظيمات الإسلامية، وبعضها تعامل مع الفكر الإسلامي من موقف ناقد للتوجهات الفكرية التقليدية سواءً السلفية التراثية أو التجديدية العصرية، واتخذ مساراً متحرراً من هذه التوجهات يجتهد في ممارسة المنهجية التي عرفتها مذاهب الحداثة الغربية، أو مذاهب ما بعد الحداثة، وكانت بعض هذه الممارسات علنية صريحة، وبعضها ضمنية باطنية.


واستخدم مصطلح "المشروع الفكري" لوصف إنتاج الكاتب أو الباحث. فثمة مشروع فكري لمحمد الغزالي، ومشروع فكري لخالد محمد خالد، وفي مرحلة من مراحل تمايز هذين المشروعين قامت معركة فكرية بينهما دارت رحاها على صفحات كتابين، (من هنا نبدأ، ومن هنا نعلم). ومن بعض أساتذة الجامعات الذين يعدون أقرب إلى العلماء في موضوعات اختصاصهم العلمي، من عرف بالفكر أكثر مما عرف بالعلم، وربما يكون سبب ذلك هو طبيعة التخصص الفلسفي، وعرف كل منهم بمشروعه الفكري الذي يميزه، ومن هؤلاء محمد أركون، وحسن حنفي، ومحمد عابد الجابري، وطه عبد الرحمن، وفهمي جدعان. ومن هؤلاء من ترك تخصصه العلمي في الطب أو الهندسة وانشغل بقضايا فكرية أنتج فيها إنتاجات ملموسة أشغل فيها مساحة من الاهتمام الفكري، ومن هؤلاء مالك بن نبي، ومصطفى محمود، ومحمد شحرور.


وبطبيعة الحال كان بعض هؤلاء يتحدث عن نفسه بوصفه صاحب مشروع فكري، وبعضهم يتواضع، فيترك لغيره أو يصفه بهذا الوصف، وبعضهم يغالي في وصف نفسه بأنه رائد مدرسة فكرية لها تلاميذها وأتباعها.


وفي العقود الماضية ظهرت شخصيات متعددة كان لها اهتمام ملحوظ بالشأن الفكري الإسلامي العام، ثم أنشأ بعضهم مؤسسات لتدريب المهتمين بأفكارهم على امتلاك بناء فكري محدد. كما ظهرت اهتمامات بالشأن الفكري عند كثير من الناشطين في العمل الدعوي والخيري-التطوعي، فضلاً عن مواقع إلكترونية عديدة متخصصة في مسائل الفكر والتفكير والتنمية الفكرية، والبرامج التعليمية والتدريبية ذات الصفة الثقافية العامة، أو العلمية –الأكاديمية التي تنتهي بدرجات علمية.


الجزء الأكبر من الحديث فيما سبق تناول الحديث عن الفرد الإنساني من حيث اتصافه بالفكر، ومن ثم يمكن أن نقول إنَّ لدى ذلك الفرد بناءً فكرياً معيناً، أو أنه مفكر. لكن البناء الفكري يمكن أن يكون صفة لمجموعة من الناس يشتركون في أنهم يملكون بناءً فكرياً واحداً، أو ينتمون إلى مدرسة فكرية واحدة. والمدرسة الفكرية قد تكون جمعية إصلاحية، أو حركة دينية، أو حزباً سياسياً، أو جماعة علمية في تخصص معين، وقد تكون تياراً فكرياً واسعاً يشمل قطاعات كبيرة من المجتمع، أو تغلب على المجتمع كله. وقد يغلب على أتباع المدرسة الفكرية منهج محدد في النظر إلى الأمور وممارسة التفكير والبحث والسلوك ضمن هذا المنهج، كما هو الحال في المدرسة الصوفية أو المدرسة السلفية، أو الفلسفية. كما قد تتميز مناهج النظر بين المدارس الفكرية في صورة مذاهب فقهية مختلفة.


وفيما يلي أمثلة على عدد من المدارس الفكرية:


جماعة الإخوان المسلمين


لنجرب تحليل مواصفات مجموعة من الناس يمتازون بقدر كبير من التجانس في البناء الفكري المشترك، إن معظم أفراد جماعة الإخوان المسلمين يشتركون في مجموعة من الأفكار الخاصة بنظرتهم إلى المجتمع، والدولة والتاريخ، والغرب، وفي تحديد نوعية الجهود المطلوبة للإصلاح والتغيير الاجتماعي والسياسي. ولا شك في أن المنهج التربوي للإخوان والثقافة التي يتلقونها من الكتب والجرائد والمجلات والنشرات المعتمدة لديهم، كل ذلك يشكل الأساس لاشتراكم في قدر كبير من البناء الفكري. فالجماعة تعتمد التربية أساساً للإصلاح والتغيير بدءاً من الفرد ثم الأسرة ثم المجتمع ثم الدولة. وتتعاون مع غيرها في مشاريع التربية والإصلاح تحت شعار نتعاون في اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه، وتسلك سبيل التنافس السياسي والحزبي في الوصول إلى مواقع صنع القرار، وتؤمن بالتدرج في تطبيق أحكام الإسلام، وترى أن المجتمعات التي يعيش فيها المسلمون مجتمعات مسلمة أصابها انحراف في كثير من الجوانب وبدرجات متفاوتة. وتدعو إلى استقلال الدول الإسلامية وعدم تبعيتها السياسية أو الاقتصادية للدول الأخرى، ولا مانع من التعاون مع الدول الأخرى على أساس المصالح.


حزب التحرير الإسلامي


وصورة البناء الفكري المشترك لدى حزب التحرير الإسلامي أكثر وضوحاً مما هي عند الإخوان، حيث يرى الحزب أنّ قضيته الأساسية للمسلمين هي إقامة الخلافة الإسلامية عن طريق إنشاء تكتل سياسي، يقوم بالصراع الفكري، ومقارعة الحكام . فالحزب لا يعترف بشرعية نظم الحكم القائمة في البلاد الإسلامية ويعدها نظماً كافرة ومجتمعات المسلمين هي دار كفر، ولا يؤمن بالنظم الديمقراطية وسيلة إلى الإصلاح، ويعد التثقيف السياسي والصراع الفكري والكفاح السياسي ومقارعة الحكام وعدم مشاركتهم في الحكم وعدم مساعدتهم في الإصلاح الاقتصادي أو الاجتماعي أو التعليمي أو الخلقي...ولا يجوز تطبيق الأحكام بالتدرج بل يجب تطبيقها جميعها دفعة واحدة أساساً للتغيير، وينتظر وصول الصراع السياسي إلى درجة من التوتر تؤدي إلى قيام سلطة سياسية باتخاذ قرار في اعتماد نظام الحكم الإسلامي وإعادة الخلافة الإسلامية (الأفكار والمشاعر والنظم)


مدرسة فرانكفورت في الفلسفة


وهي الأساس لمعظم النظريات والاتجاهات النقدية لما بعد الحداثة، وخاصة في الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس والانثروبولوجيا وحتى في الأدب والفن والموسيقى، وتقوم فلسفتها على نظرية نقدية للمجتمع معيارية تحاول النظرية النقدية فهم وتشخيص أسباب الأوضاع السيئة في الواقع الاجتماعي.


مدرسة شيكاغو في الاقتصاد


تشير إلى المنهج الذي اعتمده أعضاء قسم الاقتصاد في جامعة شيكاغو معظم القرن العشرين، وتتبنى المدرسة نمطاً محدداً في الاقتصاد يوصف بأنه نموذج كلاسيكي جديد في الليبرالية، لا سيما فيما يختص باقتصاد "السوق الحر" يختلف نسبياً عن النمط المغرق في المنهج الرياضي الشكلي، ويتجاوز فكرة التوازن العقلاني العام نحو تحليل توازن جزئي قائم على النتائج. وتعتمد المدرسة مبدأ تقليل الضرائب وتنظيم القطاع الخاص، وتختلف عن اقتصاد السوق الحر الخالص، بدعمها لدور الحكومة في تنظيم السياسية المالية.


مدرسة فيينا الوضعية


وقد أسسها مجموعة من العلماء والفلاسفة الألمان والإنجليز بزعامة كارناب، وذلك في الربع الثاني من القرن العشرين، وتعتمد الفلسفة الوضعية المنطقية التي أسسها أوجست كونت ويعتقدون بأن قضايا كل العلوم البشرية غير المنطق لا بد أن تؤيَّد بالحس و التجربة. ولكن القضايا المنطقية ـ التي تحدد طريقة تفكير البشر و تعصمه عن الخطأ في الفكر ـ هي القضايا و الأصول العلمية الوحيدة التي لا يجب أن تثب بالحس و الخبرة لانها تعملنا طريقة التفكير الصحيح. وتستبعد المدرسة الميتافيزيقا من مجالات الاهتمام العلمي والفلسفي، وقد عانت المدرسة من ضربات قوية على يد الجيل الثاني من فلاسفة العلم من أمثال توماس كوهن وويلارد فان أورمان كواين.


مدرسة إسلامية المعرفة


ويتبناها المعهد العالمي للفكر الإسلامي وعدد من المؤسسات الأخرى في العالم الإسلامي، وترى أن مشكلة الأمة الإسلامية حالياً هي مشكلة فكرية تنعكس على سائر المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الأخرى، وأن مصدر هذه المشكلة هو النظام التعليمي الذي يجعل المعرفة التي يتم تعليمها في مؤسسات التعليم المدرسية والجامعية، مجردة من الأساس الديني والقيمي، وأن التعليم الديني حين يقدم في هذه المؤسسات يتم بصورة مجردة عن المعرفة المعاصرة. وترى مدرسة إسلامية المعرفة ضرورة إصلاح الفكر الإسلامي، بإعمال التجديد والاجتهاد في القرآن والسنة وتنقية التراث مما لحق به من قصور وجمود لا يزال يشكل أزمة في العقل المسلم المعاصر، وفي الوقت نفسه ترى المدرسة دراسة العلوم الإنسانية والاجتماعية المعاصرة دراسة تحليلية نقدية، تخلصها مما لحق بها من مشكلات معرفية ومنهجية من جهة وتعمل الرؤية الإسلامية في صياغاتها النظرية والفلسفية. ونظراً لأن واحدة من مشكلات العلوم الاجتماعية في الغرب هي محاولات إخضاعها للمنهجية العلمية الصارمة التي لا تؤمن إلا بالخبرة الحسية، فإن الرؤية الإسلامية التي تعتمد التكامل بين الخبرة العقلية والحسية في فهم النصوص الدينية من جهة وفهم وقائع العالم الطبيعية وطبائع النفس الإنسانية والمجتمع الإنساني، سوف لن تقدم المعرفة البشرية للمسلمين بصورة مناسب وحسب، وإنما تسهم في حل مشكلات فلسفة العلم ونظرية المعرفة في العالم الغربي نفسه.


وتتميز المدرسة الفكرية غالباً بوجود عدد من الرواد التي يرجع إلى كتاباتهم في توضيح مقولات هذه المدرسة، ووجود جمعية مهنية أو علمية تضم المنخرطين بهذه المدرسة والقريبين منهم، وتعقد الجمعية عادة مؤتمراتها الدورية التي تعمل رؤيتها في بحث القضايا التي تراها مجال الاهتمام في الدراسة والبحث والمناقشة، ووجود دور نشر ودوريات ثقافية أو علمية تنشر الأدبيات التي يتم إنتاجها ضمن هذه المدرسة.


فالبناء الفكري إذن هو مجموعة الأفكار (المعتقدات) والآمال (المشاعر) التي تشكل رؤية الإنسان الفرد لنفسه لمجتمعه ولتاريخ هذا المجتمع وحاضره ومستقبله ولواقع العالم من حوله وتاريخ هذا العالم، ولمنهج التغيير المطلوب لإصلاح الواقع في مجتمعه وحل مشكلاته.


صحيح أن الأفكار والآمال في المدرسة الفكرية الواحدة قد لا تكون متطابقة تماماً، نظراً للاختلاف الفطرية بين الأفراد وتميز كل منهم عن الآخر، لكن القدر المشترك بينهم مجموعة الأفراد في المدرسة الواحدة تكفي لجعلهم مجموعة واحدة متميزة عن الأفراد في خارج المجموعة أو عن المجموعات الأخرى.


ويتم الحديث أحياناً عن النخبة في المجتمع، حيث إن كل مجتمع يمكن أن نميز فيه بين النخبة والعامة، وأحياناً يلزم التمييز بين النخب، فنقول النخبة السياسية، أو النخبة الاقتصادية أو النخبة الفكرية. وفي هذه الحالة فإن النخبة الفكرية في المجتمع لا يشترك أفرادها بالضرورة في بناء فكري موحد، بل يمكن أن نميز في داخل النخب مثلاً بين مدرسة فكرية إسلامية، ومدرسة فكرية علمانية، لكن الذي تشترك فيه هذه المدارس في أنها تحمل أفكاراً تميزهم عن العامة الذين يصعب أن نقول إن العامة تمتلك بناءً فكرياً محدداً.


سادساً: البناء الفكري للمجتمع والأمة
كما أن الله سبحانه خلق كل فرد إنساني بصورة تميزه عن الفرد الآخر، رغم وجود الكثير من الصفات المشتركة بين الأفراد، فكذلك جعل الله الناس قبائل وشعوباً، تختلف فيما بينها في اللغة واللون والدين والتقاليد. والمجتمعات البشرية الحالية تتمثل في كيانات سياسية تسمى دولاً: لها حدودها الجغرافية والسياسية، وخصائصها ومقوماتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والدينية، ولها ثقافاتها وعاداتها في المأكل والملبس والمشرب. وقد يتميز في المجتمع الكبير للدولة، مجتمعات فرعية تتميز على أساس البيئة الحضارية- بادية وحضر، أو الطبقة الاقتصادية – أغنياء وفقراء، أو فئات عمل ومهن- نقابات مهنية، إلخ.


وتحرص المجتمعات عادة على المحافظة على هويتها الفكرية والثقافية من خلال عدد من الأساليب والوسائل والإجراءات، منها:


1. برامج التربية والتنشئة الأسرية التي يتعلم فيه الفرد اللغة الأم، وكثيراً من القيم والأعراف الاجتماعية.


2. برامج التعليم العام التي يتعلم فيها الفرد أساسيات العلم والمعرفة عن تاريخ بلده، وجغرافيته، وأنظمته، والحقوق والواجبات التي يجب أن تقوم بين أفراد المجتمع وفئاته.


3. مؤسسات المجتمع الرسمية أو الأهلية، الذي يكون لها اهتمامات خاصة في مجال ثقافي أو سياسي أو اجتماعي، ولكنها مع ذلك تسهم في بناء الهوية الوطنية لأبناء المجتمع، بما فيها من عناصر فكرية وثقافية. ومن هذه المؤسسات على سبيل المثال: الأحزاب السياسية، والجمعيات والنقابات المهنية، والمنظمات الشبابية والرياضية، والمكتبات العامة، وغيرها.


4. التشريعات والقوانين التي على الفرد أن يلتزم بها، بصورة تحقق تماسك المجتمع، وتحافظ على مصالحه، والعقوبات التي يمكن أن يتعرض لها الفرد إذا خالف هذه الأنظمة والقوانين.


مثل هذه الأساليب والوسائل تشترك في صياغة عقول الأفراد في المجتمع ونفسياتهم، وأنماط السلوك لديهم، بصورة تستطيع أن تميز هوية الفرد وانتماءه إلى مجتمعه. فالبناء الفكري لمجتمع ما يتحدد بمجموع الأفكار والمشاعر وأنماط السلوك المشتركة بين أفراد ذلك المجتمع، وتكون مختلفة عنها في مجتمع آخر، وبذلك يكون للمجتمع الآخر بناء فكري آخر.


وفي مجال الحديث عن البناء الفكري للأمة يلزمنا أن نلاحظ أنّ مفهوم الأمة لم يَعدْ مفهوماً منضبطاً في أصوله ودلالاته اللغوية أو الدينية، فالمجتمع من الناس داخل الدولة يمكن أن يسمّي نفسه أمَّة، ويحاول أن يعيد بناء تراثه وأصوله التاريخية ما يسوغ به هذه التسمية. وقد بدأت هذه الظاهرة تغزو المجتمعات البشرية بعد تفكك المجتمع الأوروبي وبناء الدولة الوطنية ضمن حدود سياسية لم تكن معروفة في السابق في عهد الامبراطوريات، ونظم الحكم الدينية. ثم انتقلت هذه الظاهرة إلى القارات الأخرى بعد تقسيم تركة الاستعمار إلى دول، أو دويلات، لكل منها حدود سياسية، وعَلَمٌ ذو ألوان، ونشيدٌ وطني، ونظامُ حكم. ولا شك أن رسم هذه الحدود سواءً في أوروبا أو آسيا أو إفريقيا لم يكن على أساس التمايز والنقاء العرقي أو اللغوي أو الديني، ومع ذلك فقد أصبح كل مجتمع أمة قائمة بذاتها.


إن مفهوم الأمة في الإسلام مفهوم ديني متعدد الجوانب، يمكن أن يتحدد في شخص واحد يقوم مقام أمة في حملها للرسالة الدينية ﭽﭥ ﭧ ﭨ ﭩ ﭬ ﭭ ﭯﭼ (النحل: ١٢٠)، أو جماعة من الناس تقوم بمهمة دينية محددة، ﭽ ﮗ ﮘ ﮙ ﮛ ﮜ ﮝ ﭼ (آل عمران: ١٠٤)، أو أتباع محمد صلى الله عليه وسلم: ﭽ ﭟ ﭠ ﭡ ﭣ ﭤ ﭥ ﭧ ﭨ ﭩﭼ (آل عمران: ١١٠)، أو مجموع أتباع الأنبياء الذين جاءوا برسالة التوحيد: ﭽﭝ ﭟ ﭠ ﭡ ﭣ ﭤﭼ (الأنبياء: 92) أو المجموع البشري بكل تنوعاته: ﭽ ﭑ ﭓ ﭔ ﭕ ﭗﭘ ﭙ ﭛ ﭜ ﭼ (هود: ١١٨).


وعندما نتحدث عن الأمة الإسلامية في دلالاتها المحددة في القرآن الكريم والحديث النبوي والتراث الإسلامي، التي عرفت في تاريخها معاني الوحدة التماسك والتكافل والتناصر، ثم عرفت في واقعها المعاصر التمزق إلى دول ومجتمعات، وإلى طوائف ومذاهب، وإلى أعراق ولغات...، فإنَّ علينا أن نتخيل معنى البناء الفكري للأمة في حالتيها المشار إليهما.


فالأمة الإسلامية الواحدة، كما يريدها دينها الواحد، تتوحد في عقيدتها، وعباداتها، وتتوحد في شعائرها ومشاعرها، وفي أحكامها وأنظمتها الشرعية، وتتوحد في آمالها وآلامها، "كالجسد الواحد"، ومن ثـمّ فلا شك في أنّها تملك من وحدة البناء الفكري، ما يميز أي مجتمع من مجتمعاتها وأي فرد من أفرادها بهويته وانتمائه إلى هذه الأمة. لكن الأمة الممزقة إلى مجتمعات ودول، مختلفةٍ في ولاءاتها، متخاصمةٍ على حدودها، متنافسةٍ على مصالحها، لم تنجح في أن يجمعها جامع، ويجتهد كل جزء منها في التميز على الأجزاء الأخرى ولو في مجال "التطاول في البنيان"!


وبقدر ما تشترك مجتمعات الأمة في أساليب التنشئة، وبرامج التعليم، وإقامة المؤسسات العامة والخاصة، وأنظمة الحياة، بقدر ما يتوحد بناؤها الفكري.


سابعاً: عناصر البناء الفكري الإسلامي وطرق بنائه وأدواته
يبحث الشباب المسلم الذي يريد أن يسير في طريق البناء الفكري عن مصادر البيانات والمعلومات والمعارف يلزم أن يقرأها. وقد يكون من المفيد في البداية التأكيد على أهمية التمييز بين أنواع مختلفة من مصادر البيانات المتاحة الآن سواءً كانت الكتب، أو المجلات والدوريات أو المواقع الإلكترونية، ومنها:


1. مصادر بيانات المعرفة المتخصصة في مجال التخصص العلمي، ويتوقع أن يواصل كل شخص القراءة والاطلاع في مجال تخصصه، ليتابع الجديد فيه.


2. مصادر بيانات في ثقافة التخصص مما يعد امتداداً لموضوع الاختصاص، لكنه أقرب إلى التبسيط لغير المتخصص، وأقرب إلى مجالات التطبيق العملي الذي يستقطب اهتمام العامة من الناس. مثال كتب الثقافة الطبية، والثقافة التكنولوجية، والثقافة اللغوية... إلخ.


3. مصادر بيانات في الثقافة العامة ولا تصنف هذه المصادر عادة ضمن تخصص محدد، لكنها تتضمن بيانات ومعلومات وحقائق ومفاهيم تتطلبها الحياة الثقافية العامة ومتابعة القضايا التي تكون مثارة في الإعلام ومنابر التوجيه، وتشغل مساحات ليست قليلة من اهتمام الناس والرأي العام، وتستهدف توسيع دائرة اطلاع الفرد، وإذا كان لا بد من تصنيفها إلى مجالات معرفية فسنجد إنها تنتمي إلى تنوع واسع من هذه المجالات مثل التاريخ والجغرافيا والسياسة والاقتصاد والإعلام والفن والسير الذاتية للمشاهير، وغير ذلك. ولا يبذل القارئ لهذه المصادر جهداً كبيراً في البحث عنها، لكنه يستفيد منها حيثما أتيحت له.


4. مصادر بيانات فكرية، وهي مصادر تنتسب في الغالب إلى مدارس فكرية محددة، أو تقدم تحليلات نقدية للمصادر الخاصة بهذ المدارس. وتتداخل هذه المصادر مع مصادر الثقافة العامة لكنها أكثر تحقيقاً وتحديداً وعمقاً، ويسعى القارئ إليها سعياً حثيثاً، ويجتهد في البحث عنها، والتفاعل معها، ولا يكتفي بالاطلاع العابر عليها، وإنّما يجتهد في تتبع الأفكار ويتفحص أدلتها ويقارنها بغيرها، وقد يتبنّاها ويصبح داعية إليها، مدافعاً عنها، أو يرفضها ويجتهد في نقدها أو نقضها.


البناء الفكري سوف يتعمد على المصادر المتنوعة التي تمت الإشارة إليها، ولكن الكتب والبحوث والحوارات التي تفيد في البناء الفكري سوف تركز في السياق الإسلامي على إعادة بناء رؤية كلية للعالم تمكن الإنسان من إدراك وفهم القضايا والموضوعات المثارة في الفكر المعاصر ضمن هذه الرؤية، بصورة تتصف بالوضوح بالتكامل والانسجام. لا سيما الموضوعات التي يكثر حولها الجدل وتتفاوت فيها آراء عامة الناس، والمثقفين منهم على وجه الخصوص، وربما النخب الفكرية كذلك. ومن هذه الموضوعات:


1. مفهوم الهوية الإسلامية للفرد والمجتمع والأمة، وعلاقة هذه الهوية بالهويات والانتماءات الفرعية الأخرى مثل الوطنية والقومية والعشائرية والمذهبية...إلخ.


2. موقع الدين في الدولة الحديثة وحكمه في أنواع المشاركة السياسية ومستوياتها.


3. الفهم الإسلامي الإجمالي للآخر غير الإسلامي في داخل المجتمع المسلم وخارجه وأحكام العلاقات الدولية مع الدول والمنظمات العالمية، وتحرير مفاهيم الجهاد والتحالف والتعايش.


4. قضايا المرأة وحقوقها وواجباتها وعملها.


5. قضايا الاقتصاد والتنمية والبنوك


وهذه أمثلة على القضايا وليس حصراً كاملاً لها. لكن الذي يلزم ملاحظته أنَّ البناء الفكري لا بد أن يشكِّل لدى الفرد والجماعة رؤيةً كلية تعينه على فهم هذه القضايا والموضوعات وأمثالها واتخاذ موقف إسلامي تجاهها. والرؤية الكلية التي تلزم للبناء الفكري يلزمها ثلاثة أنواع من الزاد الفكري هي::


النوع الأول: كتابات في الفكر الإصلاحي والنهضوي، وتعالج هذه الكتابات قضايا الفكر والبناء الفكري والتفكير وأنواعه ومستوياته، ودراسات في تاريخ الحضارات الإنسانية وشروط قيام الحضارات وأسباب انهيارها، وما يرافق ذلك من صور الصراع الفكري، أو الاقتراض الثقافي والحضاري. ومن الكتابات التي تقع ضمن هذه الفئة علوم متفرعة عن التاريخ مثل علوم: فلسفة التاريخ وتاريخ الأفكار. والمهم في هذه الدراسات هو ملاحظة البعد الفلسفي للتاريخ وامتداداته في الحاضر والمستقبل وتشكيله للأساس العملي للتفكير الاستراتيجي المستقبلي.


النوع الثاني: مداخل العلوم الاجتماعية والإنسانية، وليس المقصود من أدبيات هذه المداخل في هذا السياق المعرفة المتخصصة في علم الاجتماع وعلم الاقتصاد وعلم السياسة وعلم الاتصال وغيرها، وإنما يكفي فيها الإلمام بالمفاهيم والقوانين والنظريات والتطبيقات العملية، واستحضار ذلك في عند التفكير في المشكلات المثارة لفهمها والمشاركة في اقتراح الحلول الممكنة لها. ولعل أهم العلوم التي يلزم الإلمام بمداخلها هي علم الاجتماع وعلم السياسة، وعلم الإعلام.


النوع الثالث: أدبيات ومداخل في علوم التغيير ونقصد بها هنا على وجه التحديد الإدارة والمنهجية وعلم النفس. ويتضمن علم الإدارة تطبيقاته في إدارة الوقت وإدارة الذات وإدارة الجماعات، ويتضمن علم المنهجية تطبيقاته في التفكير والبحث والسلوك، والتكامل المنهجي والمدارس المنهجية. أما علم النفس فيتضمن قضاياه الأساسية في التعلم والنمو والتغيير.


إنَّ علينا أن نلاحظ أنَّ الطرق التي يتم بها البناء الفكري طرق مختلفة، ومن المهم أن نحرص على أن تتراكم فعاليات هذه الطرق وتتآزر آثارها. فمن مسؤولية الفرد أن يكون واعياً على التفاعل الفطري بين عمليات التطبُّع، والتنشئة الاجتماعية، ومن مسؤوليته توظيف التعليم القصدي، والتزكية النفسية بتصفية النية، وحسن الاتباع، وصناعة الإبداع. ومن مسؤولية الأسرة والجماعة والتنظيم أن يتعزز لدي هذه الجهات من هذا الوعي وهذا التوظيف ما يكفي لتحقيق البناء الفكري وتوفير البيئة الملائمة لظهور آثاره ونتائجه المنشودة.


أما أدوات البناء الفكري ووسائله فهي كذلك عديدة، ونشير في هذا المقام إلى القراءة، التي تعدّ النشاط الأساسي لتغذية العقل البشري، والوسيلة الأكثر أهمية للتعلم والتشكيل الثقافي والفكري للفرد، ولا نقصد بها قراءة الهواية والتسلية، وإما القراءة القاصدة، الهادفة، المبرمجة، القراءة بأنواعها ومهاراتها، القراءة المتأنية، المتدبرة، المتفكرة، المتذكرة، القراءة الكلية والقراءة النقدية، القراءة التي تضع جزئيات النص المقروءة ضمن إطاره المرجعي وتضع الإطار المرجعي للنص ضمن النظام المعرفي الذي ينتسب إليه، وهكذا.


ويمكن استكمال أهداف القراءة لنص معين وتحقيق الفائدة من قراءته، عندما يُقرأ معه ما يرتبط به من نصوص أخرى من مصادر المعرفة المشار إليها سابقاً، فتحدث عمليات عديدة من التذكر، والتفكر، والموازنة، والمقارنة، والتكامل. وعندها يضيف القارئ إلى بنائه الفكري فكرة أو جملة من الأفكار، ولو انتقل القارئ من القراءة إلى الكتابة فإنه يكون قد قيَّد الأفكار وضبطها ونظمها، وأصبحت إنتاجاً معرفياً مكتوباً ومادة للقراءة له ولغيره من القراء. وكثير من الإبداع في صياغة الأفكار وكتابتها إنما يتم بعد قراءات متعددة، يكتشف فيها القارئ –الكاتب الخطأ أو القصور أو التهافت فيما يقرأ، فيقدم الكاتب صياغة أخرى تؤدي مهمة التصويب أو التكميل، أو يقوم بالنقض الكلي للفكرة المقروءة ويقدم فكرة جديدة تماماً.


إن سعة الاطلاع عن طريق القراءة تمكن القارئ من مناقشة الأفكار التي يقرأها مع الآخرين، فيكون في هذه المناقشات تفاكر وتذاكر، يؤدي إلى مزيد من الفهم عند المشاركين في التفاكر والتذاكر، وربما يتحول التفاكر والتذاكر إلى مادة مكتوبة، تجد من يقبل على قراءتها. وهكذا أيضاً –بالقراءة والكتابة- تتبلور الأفكار التي تكون موضوعاً للمحاضرات والندوات والمؤتمرات، وتكون كذلك مشاريع البحوث والدراسات، التي يرافقها الكثير من القراءة قبل الكتابة وهكذا تتواصل عملية الإنتاج الفكري بالقراءة والكتابة. وهكذا تتواصل عمليات البناء الفكري.


نلاحظ هنا أنّ القراءة وسيلة من وسائل البناء الفكري، وهي أساس لمعظم الوسائل الآخرى التي أشير إليها بإيجاز، من تفكر وتفاكر وتذكر وتذاكر، ومحاضرة وندوة ومؤتمر، وبحث ودراسة.


ثامناً: الفكر واللغة
إنَّ كاتب هذه السطور يكتبها بعد أن فكر في أهمية تضمين بحثه شيئاً عن العلاقة بين التفكير واللغة، وفكَّر في أن يكون حجم المادة المكتوبة لا يزيد عن عشر البحث كلِّه، وفكَّر في أنَّ أدبيات علم النفس مصدر أساسي في الحديث عن هذه العلاقة... إلخ، وعندما كتب عناصر هذه المادة فكَّر في ضروة أن تكون متسلسة: بداية مناسبة ونهاية ومناسبة. وربَّما تذكّر موضوعاً استمع إليه من أحد الإذاعات وهو في سيارته، وربَّما قرأ مرجعاً من مكتبته في الموضوع، وربَّما تحدّث مع أحد زملائه عن أهمية الموضوع، وربَّما تصفّح بعض المواقع الإلكترونية ليقرأ بعض ما قد تحتويه عن العلاقة بين التفكير واللغة، وها هو الآن يكتب ما استطاع جمعه وتنظيمه من أفكار في الموضوع. إنَّ الاستماع والكلام والقراءة والكتابة هي مهارات اللغة الأربع، فهل يمكننا أن نتخيل كاتباً كتب شيئاً عن الفكر، دون أن يفكر فيه، أي دون أن يمرَّ تفكيره في واحد أو اكثر من مهارات اللغة المشار إليها؟


ويرتب اللغويون هذه المهارات الأربع بالترتيب المشار إليه من حيث بناء هذه المهارات وتطورها عند الإنسان، في بنائه لجهازه اللغوي والفكري. ولا خلاف على أن الاستماع والقراءة وسليتان لتطوير البنية الفكرية عند الإنسان، لكننا لا نعرف عن وجود هذه البنية إلا عندما يتحدث الإنسان أو عندما يكتب. ولكن السمع كما يقول ابن خلدون "أبو الملكات اللسانية" . ولذلك فقد تقدم ذكر السمع على البصر في القرآن الكريم في معظم الآيات التي تجمع بينهما.


ومع الاتفاق على أنَّ اللغة هي القالب الذي ينصبّ فيه الفكر، والفكر هو المضمون الذي يحتويه ذلك القالب اللغوي، وأنّ المضمون يأخذ شكل القالب ويتحدد بحدوده في وضوحه وجودته أو غموضه ورداءته، مع ذلك فإنَّ مما لا شك فيه أن علاقة اللغة بالفكر علاقة جدلية، فمقدار غنى أحدهما يكون إغناء الآخر.


إنّ موضوع العلاقة بين الفكر واللغة هو أحد موضوعات علم النفس. وتتوزع نظريات علم النفس في تطوره في العالم الغربي، على عدد كبير من المدارس والفلسفات، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: مدارس التحليل النفسي، والتحليل الاجتماعي، والمدراس السلوكية، والمدارس المعرفية البنائية، والمدارس المعرفية الثقافية، والمدارس النفسية الوجودية، والمدارس المعرفية المعلوماتية، إلخ. ولكل مدرسة نفسية تفسيرها للعلاقة بين الفكر واللغة، ولو رجع القارئ إلى مرجع مناسب عن هذه المدارس لوجد أن كل مدرسة لها تفرعاتها، وكل فرع منها يعرف باسم عالم من العلماء الغربيين، وسوف يجد غياباً مذهلاً للمدرسة الإسلامية في علم النفس. والاطلاع على المقولات الإجمالية لهذه النظريات قد يكون مفيداً إذا أمكن وضعها في البنية الفكرية المستقرة للإنسان المسلم، القادر على التعامل معها بنظرة تحليلية نقدية، وفق منهجية التكامل المعرفي التي يستمدها من رؤية العالم الإسلامية، وهذا ما قام به عالم النفس الإسلامي "مالك بدري" في عدد من دراساته في علم النفس، وممارساته في العلاج النفسي. وهو في موضوع العلاقة بين اللغة والفكر لا يختلف كثيراً مع علماء النفس الآخرين في التأكيد على وجود رابطة قوية بين الفكر الإنساني واللغة؛ ذلك: "أن اللغة عند الإنسان ليست وسيلة للتخاطب والاتصال فحسب، بل هي في الحقيقة النظام الأساسي الذي يستخدمه الإنسان في التفكير."


واللغات عند ابن خلدون ملكات صناعية؛ أي يجرى بناؤها وتعلمها بالاكتساب، والملكات تتحقق للإنسان بتكرار قيامه بالفعل حتى تصبح الملكة صفة راسخة، يقول: "اعلم أنَّ اللغات كلها ملكات شبيهة بالصناعة، إذ هي ملكات في اللسان للعبارة عن المعاني، وجودتها وقصورها بحسب تمام الملكة أو نقصانها. والملكات لا تحصل إلا بتكرار الأفعال، لأنَّ الفعل يقع أولاً وتعود منه للذات صفة، ثم تكرر فتكون حالاً، ومعنى الحال أنَّها صفة غير راسخة، ثم يزيد التكرار فتكون ملكة؛ أي صفة راسخة."


ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية أن اللغة العربية لا ترتبط بالفكر والعقل فحسب، وإنما ترتبط بالدين والخلق كذلك: يقول: "اعلم أنَّ اعتياد اللغة يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيراً قوياً بيّناً ويؤثر أيضاً في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ومشابهتهم تزيد العقل والدين والخلق، وأيضاً فإنَّ نفس اللغة العربية من الدين ومعرفتها فرض واجب؛ فإنَّ فهم الكتاب والسنة فرض ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب." ويقول في موقع آخر: "فإنّ اللسان العربي شعار الإسلام وأهله، واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميّزون "


ويُعلى ابن خلدون من شأن الكتابة، فيشير أولاً في فصل بعنوان: "فصل في الإشارة إلى أمهات الصنائع" إلى أن الكتابة من الصناعات الشريفة. والصنائع عند ابن خلدون هي المهن والأعمال التي يقوم بها النوع الإنساني على أساس التخصص الذي يؤدي إلى التكامل في بناء العمران البشري. فمن الصنائع ما هو ضروري في العمران مثل الفلاحة والبناء والخياطة والنجارة، ومنها الشريفة بالموضوع مثل الكتابة والوراقة، ثم يقول: "وأما الكتابة وما يتبعها من الوراقة فهي حافظة على الإنسان حاجته ومقيدة لها عن النسيان، ومبلغة ضمائر النفس إلى البعيد الغائب، ومخلدة نائج الأفكار والعلوم في الصحف، ورافعة رتب الوجود للمعاني..."


ويتوسع ابن خلدون في بيان ذلك في فصل آخر بعنوان: "فصل في أن الصنائع تكسب صاحبها عقلاً وخصوصاً الكتابة والحساب"، يقول: "فوجب لذلك أن يكون كل نوع من العلم والنظر يفيد عقلاً فريداً... وهذه كلها قوانين تنتظر علوما، فيحصل منها زيادة عقل... والكتابة من بين الصنائع أكثر إفادة لذلك، لأنها تشتمل على العلوم والأنظار بخلاف الصنائع (الأخرى). وبيانه أن في الكتابة انتقالاً من الحروف إلى الكلمات اللفظية في الخيال، ومن الكلمات اللفظية في الخيال إلى المعاني التي في النفس، وذلك دائماً، فيحصل لها ملكة الانتقال من الأدلة إلى المدلولات، وهو معنى النظر العقلي الذي يكسب العلوم المجهولة، فيكسب بذلك ملكة من التعقل تكون زيادة عقل، ويحصل به قوة وكَيْس في الأمور..."


يرى ابن خلدون أن ضعف الخبرة اللغوية في دلالة العبارة المكتوبة على الألفاظ المنطوقة ودلالة هذه على المعاني المطلوبة، وقوانين المنطق في ترتيب المعاني في القوالب المعروفة، ربما يوقف الذهن عن وضوح الأفكار وطلاقة التعبير عنها. وذلك لما يترتب على ذلك الضعف من حجب الألفاظ وشغب الجدل. ولذلك فإنه ينصح من يجد نفسه في مثل هذه الحالة أن يطّرح ذلك كله، ويخلص إلى فضاء الفكر الطبيعي الذي فطر الله الإنسان عليه، ويسرّح نظره فيه ويفرغ ذهنه له، كما فعل أكابر النظار، وأن يطلب فتح الله عليه بالظفر في مطلوبه من الفكر، وبعد ذلك يستطيع الإنسان في رأي ابن خلدون أن يرجع إلى قوالب الأدلة المنطقية وقوانين اللغة، ويبرزه إلى عالم الخطاب والمشافهة.


وربما يؤخذ من كلام ابن خلدون السابق أن المؤلف إذا أراد أن يكتب عن فكرة محددة، وردت إلى خاطره، ووجد أن قدرته اللغوية لا تسعفه في بيانها على الوجه الذي يريده، فإنَّ عليه أن لا يدع الفكرة تضيع منه، بل يقتنص اللحظة، ويعبر عن الفكرة بأية صورة متيسرة له، ثم ينظر في صياغتها بلغة أفضل. وبعض المؤلفين يستعينون بآخرين من تلاميذهم، أو يستأجرون كتاباً يعينونهم، فيتحدث المؤلف إلى التلميذ أو الكاتب المساعد، الذي يلتقط الفكرة ويكتبها. وأكثر دور النشر اليوم تستعين بمحررين يضبطون اللغة ويجودونها. وربما تقع بين المحرر والمؤلف محاورة للتأكد من سلامة العبارة في الدلالة على الفكرة المقصودة.


اللغة العربية عند المهتمين بالفكر ليست موضوع اختصاص، وإنما هي وسيلة تواصل وتعبير وتفكير. وبقدر ما يملك الفرد من مفردات اللغة وتراكيبها ونصوصها المنظومة شعراً أو نثراً، يكون لديه المرونة في صياغة أفكاره والتعبير عنها بوضوح، ونفاذ حجة، وقوة تأثير. ومن الاهتمام باللغة العربية تفعيل قواعدها، لا سيّما القواعد التي لا يهتم بها الكثيرون حتى أكثر المتخصصين في اللغة، مثل قواعد النحت والاشتقاق. فبعض الأفكار الجديدة تحتاج إلى نحت مفردة لغوية جديدة أو اشتقاق تركيب لغوي جديد، وربما تصبح المفردة أو التركيب "بصمة" تميّز من نَحَتَها أو اشّتَقّها. وبعض الأفكار والمعاني تستقر في عقل السامع أو القارئ بصورة محببة إلى النفس، عندما تصاغ بطريقة موزونة يسهل حفظها وتذكرها بنصها، على صورة بيت أو بيتين من الشعر.


ويكتسب الإنسان الكثير من عناصر الملكة اللغوية من البيئة الاجتماعية الغنية التي ينشأ فيها. ولكن وعيه على ضرورة النمو والترقي في اكتساب هذه العناصر، يزيد في إمكانية استفادته من تلك البيئة، ويحفزه على استخدام وسائل متعددة في تحقيق هذا النمو والترقي. ويبقى مع ذلك أن تعلّم القرآن الكريم تلاوة وحفظاً يعدّ من أفضل الطرق والوسائل لتقويم اللسان وضبط الألفاظ وإغناء الأفكار.


إنَّ تعلُّم اللغة الأجنبية، أو اللغات الأجنبية، أمر مهم ومفيد في توسيع ثقافة الإنسان المفكر أو الذي يتحدث بالفكر، ولصفي الدين الحلّي بيتان جميلان:


بقــدرِ لغـاتِ المـرءِ يكـثرُ نفعهُ ... فـتلكَ لـهُ عندَ الملماتِ أعْوانُ


تَهافَتْ على حِفْظِ اللّغاتِ مُجاهداً... فكلُّ لِسانٍ في الحَقيقَةِ إنْسانُ


ومع ذلك فإنّ كثرة استخدام المصطلح الأجنبي في الحديث، لا سيما الشفاهي ليس أمراً محموداً، ويعد عجز الشخص عن التعبير بالعربية عن الفكرة ولجوئه إلى المصطلح الأجنبي نقصاً غير لائق في حقه.


والتفاعل الفكري بين الناس يلزمه استعمال وسائله المختلفة التي تؤدي كل وسيلة دوراً لا تؤديه الوسيلة الأخرى. فهذا التفاعل مثلاً لا يكفي فيه الاقتصار على المشافهة وإلقاء المحاضرات، ولا يكفي فيه الاقتصار على الكتابة وتبادل النصوص المكتوبة، فالمشافهة والمكاتبة أمران متكاملان، لأنَّ كلاً مهما يؤدي دوراً مختلفاً عن الآخر. وتشير دراسات علم اللغة التطبيقي وعلم اللغة الاجتماعي إلى أنَّ أصل جميع اللغات هو الخطاب الشفاهي. ومع أنَّ الأعراق البشرية طورت آلاف اللغات، فإنّ القليل منها هو الذي بقي، لأنَّ اللغات التي اختفت لم تكتب أبداً. وتقرر هذه الدراسات أن "الأصل الشفاهي للغة سمة لاصقة بها... والكتابة تعطي اللهجة قوة تند عن تلك التي تكون لأي لهجة شفاهية خالصة."


فاللغة الشفاهية تؤدي مهمة مختلفة عن لغة الكتابة، فالأولى تمكن المتحدث من سحب المستمع إلى الخارج ليكون واحداً في الجماعة أو الجمهور، يحرك فيهم أفكاراً مشتركة، ويثير فيهم مشاعر مشتركة، ويكون الحديث أو الخطبة عاملاً من عوامل توحيد وعيهم وإدراكهم للموضوع الذي يجري الحديث عنه، وهو أمر يحرص عليه المفكر. أما المادة المكتوبة فإنها تستدعي أن يتوجه الفرد إلى قراءتها بمفرده، فتكون القراءة نشاطاً داخلياً يجذب القارئ إلى نفسه، ليتفحص وضوح الفكرة التي يقرأها، ويقيم حواراً داخلياً بين مضمونها والمضامين الفكرية ذات العلاقة بها، حين يستدعي هذه المضامين من ذاكرته وبنيته الفكرية السابقة، وهو أمر يحرص عليه المؤلف حين يكتب، على أمل أن يقوم الناس بقراءة أفكاره المكتوبة.


وإذا كانت المشافهة أقرب إلى الفطرة والطبيعة البشرية البسيطة، عندما نقارنها بالكتابة التي تطورت فيما بعد نتيجة تراكم الخبرة البشرية، واكتسابها ل "تكنولوجيات" لاحقة، فإن ذلك لا يقلل من أهمية الكتابة وقيمتها، ذلك أن: "... الكتابة بالغة القيمة إلى حد بعيد، وأساسية حقاً لتحقيق الإمكانات الإنسانية الداخلية الكاملة، وليست التكنولوجيات مجرد عوامل مساعدة خارجية، بل هي تحولات داخلية للوعي، وتكون كذلك كأكثر ما تكون عندما تؤثر في الكلمة، ويمكن أن ترفع هذه التحولات من روح الإنسان المعنوية، وتزيد الكتابة من حدة الوعي. والغربة عن الوسط الطبيعي يمكن أن تنفعنا، بل هي في الحقيقة جوهرية للحياة الإنسانية التامة من جهات عديدة، ونحن لكي نحيا ونتفاهم أصلاً، لا نحتاج إلى القرب فحسب، بل نحتاج إلى البعد كذلك."


وتظهر قيمة الكتابة في أثرها الباقي مع الزمن، وتمنعها عن استمرار التأثير حتى لم تم نقض محتواها، وتفنيده تماماً: " لكن المؤلف لا يمكن الوصول إليه في أي كتاب، فليس ثمة طريقة مباشرة لدحض نص، فحتى بعد التفنيد الكلي والمدمر لأفكار الكتاب، يظل النص يقول ما قاله من قبل تماماً. وهذا أحد الأسباب لشيوع عبارة "الكتاب يقول"، بمعنى أن القول صحيح، وهو أيضاً أحد الأسباب التي من أجلها أحرقت الكتب، والنص الذي يقول ما يعرف العالم كلّه أنه باطل، سيظل يقول هذا البطلان إلى الأبد ما بقي النص، فالنصوص عصيّة بطبيعتها."


وإذا كانت الفلسفة صورة متقدمة من إنجازات الفكر البشري، فإنها أبعد ما تكن عن العقل الشفاهي. إن "الفلسفة إذا تأملت في طبيعتها، فإن عليها أن تفسر كون التفكير الفلسفي لا يمكن أن يتم بوساطة التعقل الإنسان وحده، بل بوساطة العقل الإنساني الذي ألف تكنولوجية الكتابة التي استوعبها استيعاباً عميقاً... والكتابة تفتح أمام الكلمة وأمام الوجود الإنساني إمكانات لا يمكن أن تحتلها من دون الكتابة."


وقد تطورت تكنولوجيات المشافهة والمكاتبة فأصبحت متاحة للاستماع والقراءة في أي وقت وبصورة متكررة، بل وتكنولوجيات وأساليب جديدة تماماً، تتيح للمستمع أو القارئ أن يتفاعل من المواد المسموعة والمقروءة، فيطلب التوضيح، أو يلجأ إلى المناقشة والموافقة أو الاعتراض، وقد تم ذلك كله مع تطور أساليب النشر الإلكتروني للمحاضرات والخطب، وللمقالات والكتب. وأصبحت هذه الفرص متاحة للناس عبر شبكات دولية يدخل إليها الملايين في كل لحظة. لقد نقل التسجيل الإلكتروني أساليب التفاعل الفكري بالمشافهة والكتابة إلى عصر جديد يتمكن فيه صاحب الفكر أن يتواصل مع أعداد كبيرة جداً من الناس، فيستمع ويتحدث ويتحاور ويقرأ ويكتب. وليس ثمّة شك في أن على المهتم بالتفاعل الفكري، مثقفاً كان أو مفكراً أو داعية أو مصلحاً، أن يلج هذه الساحات المفتوحة ويكون له فيها نصيب، تأثراً وتأثيراً.


تاسعاً: مراكز إنتاج الفكر، ومختبرات الأفكار.
سبق أن أشرنا إلى "المدارس الفكرية" في الفلسفة أو الاقتصاد أو السياسة، وقد تشكل كثير من هذه المدارس في بداية أمرها من "صالونات فكرية" تجمع عدداً من المهتمين بموضوع معين، ويبرز منهم من يصوغ "مشروعاً فكرياً" تلتقي عليه "الجماعة العلمية" أو "الجماعة الفكرية" وتتحاور فيه. ومعظم المدارس الفكرية الغربية التي عرفت فيما بعد كانت قد بدأت بهذه الطريقة.


لكن نشوء الدول القومية في الغرب وتضارب المصالح فيما بينها، استدعى من الحكومات أن تبذل جهوداً كبيرة في اتخاذ القرارات المناسبة سواءً على المستوى المحلي أو الإقليمي أو الدولي. وأعضاء الحكومة في العادة ليس لديهم الاختصاص الكافي، ولا الوقت اللازم للتفكير في كل مسألة تعرض لهم، وما أكثر هذه المسائل! فالحكومات تذهب وتأتي بالانتخاب، وحظوظها في إقناع الناخبين مرهونة بقراراتها التي تحل المشكلات، ولا تثير مشكلات أخرى. وهذا يجعل الحكومة ملزمة باعتمادها قرارات مبينة على أسس معرفية راسخة، يعينها في تطويرها فريق من الباحثين المبدعين الذين تتكامل في جماعتهم التخصصات الفنية، والخبرات العملية، والرؤى الاستراتيجية، الضرورية للمشكلة التي تكون موضع البحث، وهذه هي مهمة مراكز البحوث.


لقد أصبحت مراكز البحوث والدراسات الملحقة برئاسة الحكومة أو الوزارات ظاهرة أساسية في معظم دول العالم. وبعض هذه المراكز هي وحدات ضمن الهيكل الرسمي لمؤسسات الدولة، تقوم بالدراسات المتخصصة في الشؤون الخاصة بكل وزارة، وتتلقى موازنتها المالية ضمن موازنة وزاراتها. وتكون مهمة هذه المراكز أقرب إلى توفير البيانات والمعلومات الأساسية والتقارير الدورية، ويمكنها أن تقدم أفكاراً جديدة لتطوير أداء الوزارة المعنية. وأعمال هذه الوحدات مبرمجة في العادة بصورة تقليدية رتيبة. لكن هناك مراكز أخرى تهتم بدراسات أوسع نطاقاً وتتعلق بالسياسات العامة والرؤى الاستراتيجية والقضايا الكبيرة. وتجربة الدول الغربية في هذا النوع من المراكز هي إعطاء الحرية الفكرية لهذه المراكز، وتمكينها من أن تكون أكثر استقلالاً عن مؤسسات الحكومة، فقد تكون تابعة للأحزاب المتنافسة، أو للجامعات أو مستقلة تماماً، وتنال من الدعم المالي الشيء الكثير، ويكون استقلالها أساساً لحريتها في البحث والدراسة، وإعطائها الوقت الكافي والمال اللازم للبحث والدراسة، دون ضغط القضايا الراهنة والمشكلات المستعجلة.


مراكز البحث هذه تنتج أفكاراً استراتيجية كبيرة، في مسائل السياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية والمشكلات البيئية، وصراع المصالح والحروب الفكرية. وثمة جهات متعددة تشترى خبرات هذه المراكز حين تلجأ إليها لتقديم توصياتها لصناع القرار سواءً في الحكومات أو الأحزاب المتنافسة، أو الشركات الكبرى.


إن استقلالية هذه المراكز البحثية عن السلطة العلمية الجامعية، وعن السلطة العملية السياسية تجعلها أقدر على الجمع بين مختلف أشكال المعرفة ذات العلاقة المباشرة وغير المباشرة بموضوع البحث، وتحليل المشكلات المعقدة بمنهجية تكاملية تتسم بالحرية والخروج عن الأطر البيروقراطية، والانطلاق في تخيل البدائل والاحتمالات "السيناريوهات" وما يترتب على كل منها.


لقد أصبحت مراكز البحث مجالا رحباً لتحركات بعض المفكرين ذوي التوجهات الإيديولوجية المغامرة، الذي ارتبطت أحلامهم مع مصالح شركات كبرى. إن بعض هؤلاء المفكرين اتسعت أحلامهم لتغيير صورة العالم، من خلال إقناع المسؤولين باتخاذ قرارات سياسية وعسكرية ذات انعكاسات على العالم كله. لقد ظهرت في السنوات العشر الماضية مئات الكتب والمقالات في الغرب، تتحدث عن نتائج الأفكار التدميرية التي طورها فريق من الباحثين الذين عرفوا بالمحافظين الجدد، ضمن مشروع بحثي سمي "مشروع للقرن الأمريكي الجديد." تشكل هذا الفريق عام 1997م، بدعم من شركات صنع السلاح في أمريكا، وقدموا مخططاً للرئيس كلنتون عام 1998م، للسيطرة على العالم تحت ذرائع الحرب الوقائية، بدءاً من احتلال العراق والسيطرة طويلة المدى على جميع منابع النفظ في منطقة الشرق الأوسط. وفي اللحظة التي استلم فيها بوش الإبن الرئاسة الأمريكية بدأ مباشرة بتنفيذ تلك الخطة، وعين معظم أعضاء ذلك الفريق البحثي في مواقع صنع القرار في أمريكا، لا سيما سياسات الحرب والدفاع والاقتصاد والعلاقات الدولية.


إن المثال المشار إليه ليس المثال الوحيد عن مراكز الفكر التي تنتج أفكاراً شيطانية من النوع المشار إليه. والتنافس على المصالح والنفوذ بين أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، كشف عن كثير من الخبايا الفكرية لدى الطرفين التي يتم صنعها في مراكز الفكر التي تعد أدمغة لحرب الأفكار كما عبر عنها أحد الكتب الصادرة في فرنسا.


لكن مراكز الفكر ليست كلها من النوع المشار إليه، فهناك مئات من مراكز الفكر في الغرب تحاول صناعة "أبنية فكرية" استراتيجية لخدمة هذا العالم وتمكينه من مواجهة التحديات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية.


وإذا كان وجود المراكز الفكرية يمثل ظاهرة غنى في البناء الفكري في أي مجتمع، فإن مجتمعات العالم الإسلامي مجتمعات فقيرة فكرياً إلى حد كبير.


 م.ص. http://iiitjordan.org/

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

تابعنا على +

من نحن

بوابة علم الاجتماع هي مدونة متخصصة في علم الاجتماع، والأولى من نوعها على المستوى العربي حيث تضم مجموعة من الكتب والمحاضرات وجديد المقالات المتخصصة في علم الاجتماع، ويعمل طاقمها على تجديد محتواها كل ساعة .