سوسيولوجيا الدين والسياسة عند ماكس فيبر
بوابة علم الاجتماع | مدونة متخصصة في علم الاجتماع بوابة علم الاجتماع | مدونة متخصصة في علم الاجتماع

آخر الكتب

random
جاري التحميل ...
random

سوسيولوجيا الدين والسياسة عند ماكس فيبر

بحث معمّق للدكتورة إكرام عدنني:سوسيولوجيا الدين والسياسة عند ماكس فيبر

يهتم عالم الاجتماع ماكس فيبر بالجانب المنهجي للعلوم الاجتماعية، حيث طور العديد من المفاهيم والآليات المتميزة والتي أصبحت من ركائز الاجتماع الحديث، ومن أجل الوصول إلى الدقة المعرفية التي يتطلبها كل بحث علمي، ذلك ان هدف العلم والسوسيولوجيا ليس هو ترجمة الوقائع الاجتماعية في حدّ ذاته، ولكن الهدف هو إعادة البناء بالاعتماد على منهجية محددة، من أجل التمكّن من فهمه وتفسيره فالفهمية هي لحظة مهمة في التغيير، فهي لا تهدف إلى فهم علاقات وسيرورات الأفراد بشكل إبداعي بسيط فحسب، ولكن يجعل هذه العلاقات مفهومة وواضحة داخل إطار معرفي وعقلاني.
حاول ماكس فيبر من خلال آلياته المنهجية أن يجعل من السوسيولوجيا علماً فهمياً وتجريبياً يهتم بالفعل والفاعل الاجتماعي.
كثيرة هي القضايا الفكرية التي اهتم بها ماكس فيبر وكانت تجلب اهتمام المفكرين والمثقفين المعاصرين في ما يتعلق بالتاريخ، والعلاقة السببية بين الأحداث، وإذا ما كان مسار التاريخ عشوائياً اعتباطياً أم هو مسار انمائي، إلى دراسته لسوسيولوجيا السياسة والأديان والسيطرة البيروقراطية.
يبدو ماكس فيبر مفكراً حاضراً في مواجهة العالم الحديث وله تأثيره المقيم والقوي على تطور علم الاجتماع. وكانت لماكس فيبر مواقف متميزة من السياسة، حيث توصل إلى قناعات عن طريق العقل، وهي ان إرادة السيطرة والغلبة هي التي يمكن على أساسها دراسة الواقع وفهمه. كما كان يؤمن أن جميع الحضارات بنيت على أساس صراع متواصل بين أفرادها وفئات اجتماعية متمايزة القدرات والكفاءات، وهذا ما كان يترجمه في دعوته إلى الدولة الوطنية القوية.
الدكتورة إكرام عدنني خاضت مقاربة سوسيولوجيا الدين والسياسة عند ماكس فيبر في إصدار حديث عن «منتدى المعارف».
تم تقسيم الكتاب إلى قسمين: القسم الأول حول الإطار المنهجي لسوسيولوجيا فيبر، والذي تم خلاله الاهتمام بالتعريف وإبراز المنهجية الفيبرية من خلال السوسيولوجيا الفهمية ودراسة الفردانية المنهجية.
أما القسم الثاني فتم تخصيصه لسوسيولوجيا السياسة والأديان عند ماكس وذلك من أجل التعرف إلى الأبعاد السياسية والدينية في فكره وفي قضايا مهمة كالاقتصاد والمجتمع والأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية.
اعتبر هابر ماس «إن ماكس فيبر يعد الوحيد من بين المفكرين الكلاسيكيين الذين حاولوا تجاوز المبادئ الأولية لفلسفة التاريخ، وأيضاً الفرضيات الأساسية للتطويرية، حيث كان يريد أن يبرز كيف ان الحداثة التي تميز الغرب، وخاصة أوروبا، هي نتيجة لمسلسل العقلانية؟!
أهمية مفهوم ماكس للعقلانية انه يقوم على بيئة كاملة من العلاقات بين المجتمع والدين والاقتصاد والوعي الإنساني و»لا سحرية العالم» (متأثراً بنيتشه).
أحد الأسئلة الإشكالية التي طرحها ماكس فيبر لماذا برز النظام الرأسمالي داخل المجتمع الغربي وليس في أي مكان آخر في العالم؟
ماكس فيبر، مفكر بارز، صاحب أفكار ومفاهيم وطروحات غاية في الأهمية، والدراسة مهمة لفكر متميز بالبحث العلمي والفهم التفسيري والإسناد السببي وأهمية المعنى والدقة العلمية أو الموضوعية العلمية والحياد القيمي.
قد يؤخذ على دراسات ماكس فيبر انها على عكس دراسات دوركهايم وسان سيمون وبارتيو، لم تكن تهدف إلى إصلاح المجتمع أو تغييره، وتصب في رؤية محافظة تقبل بالنظام القائم. ولكن بالتأكيد الحديث في مواضيع محددة من مثل العقلانية والبيروقراطية والكاريزمية والرأسمالية والفردانية والطبيعة الوسطى وسياسة القوة واحتكار الدولة للعنف الشرعي وغيرها من دراسات ماكس فيبر نجد في داخلها اجابات للعديد من المشاكل المعاصرة، وتسمح بنقاشات منفتحة وأحياناً تناقضات مع ايمانه في الدين والسياسة والقيادة وما يسميه العقلانية اللازمة لنشوء الرأسمالية، ورؤيته إلى اليهودية، أو رؤيته إلى المجتمعات الإسلامية كأن تتعارض مع العقلانية اللازمة لنشوء الرأسمالية أو للعقد الاجتماعي ككل في خضم كبير من التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية التي غيرت الكثير من أشكال التنظيم الاجتماعي والسياسي والديني التي ساهمت في تكوين وتشكل السوسيولوجيا «الفيبرية» تظاهرة فكرية مهمة وطليعية في القرن العشرين.
فيما يلي جزء من الفصل الأول حول «مفهوم الفردانية المنهجية الفيبرية» ونظرة ماكس فيبر إلى الفعل الاجتماعي واهتمامه بالإنسان الحديث ومبادئ الكرامة الإنسانية ودور الفرد في المجتمع:
(...) لقد جاء انشغال فيبر بالفرد والفردانية من انشغاله الدائم كما سبق القول بالإنسان الحديث وبقدراته على التكيّف مع المجتمع الذي أصبح يعيش فيه، والمليء بالتفاعلات الجديدة التي لم يعايشها غيره، وكان دائم التساؤل عن قدرة هذا الفرد على تجاوز هذه التحديات؟ خاصة وأنه لاحظ وجود هوة كبيرة بين التطور الكبير للبيروقراطية ولمسلسل المأسسة الذي أصبح سائداً في المجتمعات الحديثة، وقدرة أفعال الأفراد والمجموعات الاجتماعية في التفاعل مع هذا التطور، خاصة وأن حياة الأفراد لا زالت تحكمها التقاليد والأعراف ويحكمها كثير من الصفات الطبيعية التي تصدر عن الفرد بالفطرة.
ولذلك رأى فيبر أنه من الممكن أن نفكر ونتحدث عن الأفراد بمعزل عن الدولة التي تحكمها بهم علاقة أمر وطاعة.
رأى ماكس فيبر أن وجود الافراد يتطلب وجود دولة، وذلك لأنها هي التي تضمن له المصالح المادية، فهي التي تحمي المؤسسات، الملكيات الخاصة، وايضاً النظام العام وذلك عن طريق القواعد القانونية التي يخضع لها المجتمع كلّه، والدولة تكون مجبرة على تحقيق كل ذلك، فإذا كنا نجزم بأن هدف الدولة هو بإسعاد المواطنين، فإذا لم يحسوا بالسعادة داخل الدولة فهذا يعني ان حاجياتهم لم تشبع، وبالتالي فالدولة هي المسؤولة عن هذا الإحساس، وكل تقصير قد يؤدي إلى وجود خلل، أما إذا استطاعت الحفاظ على ذلك، فهذا يعني أنها لا تزال مرتكزة على أساس متين.
بالنسبة إلى ماكس فيبر، إذاً فالدولة أداة لتسيير النشاطات الإنسانية وبالتالي فالدولة هي التي تخلق القانون الذي يخضع له الأفراد، وهنا يطرح التساؤل الآتي: أليس هذا من شأنه أن يسقط فيبر في المبادئ الليبرالية وخاصة مبادئ الكرامة (Dignité) ، والمساواة التي يضمنها القانون والتي نجد جذورها تمتد منذ القدم؟
إن ماكس فيبر معروف عنه أنه كان يعادي الليبرالية بكل مكوناتها، وربما استند في ذلك إلى أفكار هيغل الذي كان يرفض النظرية التعاقدية (La Théorie contractualiste) وكان يميز بين المواطن والبورجوازي، وهو التمييز الليبرالي الذي لا نجده إلا مع القرن التاسع عشر، ولعل هذا ما دفع بالمفكرين إلى اعتبار المواقف الهيغلية المعادية لليبرالية أنها ساهمت في تراجع فلسفي للفكر الليبرالي.
إن ماكس فيبر الذي تحدث عن كرامة الفرد داخل المجتمع كان يؤمن أن الليبرالية وإن كانت تدعو إلى حقوق الفرد في المساواة والكرامة، إلا أنها في الوقت نفسه قد تحط من قيمته، وتجعل منه عبداً لغيره من الافراد، وهي الفكرة نفسها التي نجدها عند كارل شميت الذي ذهب إلى أبعد من ذلك، واعتبر أن الليبرالية قامت بتشويه وإفساد مجموعة من المفاهيم السياسية.
لكن شميت وإن كان ينتقد الفردانية الليبرالية، إلا أنه وعلى خلاف فيبر كان يقترح نموذجاً مثالياً للعلاقة التعاقدية بين الأفراد والتي من شأنها أن تلحق الإنسان بوجوده الحقيقي.
لم يهتم فيبر إذاً بالمبادئ الليبرالية ولم يؤمن بصدقيتها، وجاء اهتمامه بها لاهتمامه بالفرد داخل المجتمع، بالتالي ففكره في الفردانية لا علاقة له بإعلان حقوق الإنسان، وإنما بالمؤسسات التي يوجد داخلها الفرد، فالفرد لا يمكن دراسته إلا من خلال المؤسسات التي يوجد بداخلها، والتي تحكمه وتحكم أنشطته، والتي استخلص من خلالها فيبر عدداً من المفاهيم كالدولة، والتجمع، والفيودالية، والتي تعبر بالضرورة عن تواجد تفاعل بين الأفراد داخلها، وبالتالي فالفرد لا يمكن دراسته بمعزل عن الجماعة.
ومن أجل فهم وضع الأفراد داخل المجتمع، يميز فيبر بين ثلاثة أشكال اجتماعية: الطبقة الاجتماعية، وجماعة الأطر (Groupe de Statut) والأحزاب السياسية، وهذه النماذج ربط فيبر تواجدها بالنظام الاقتصادي والسياسي والاجتماعي.
انطلق فيبر في دراسته لمفهوم الطبقة من الدراسة الاقتصادية الماركسية التي ترى أن الطبقة لا يمكن فهمها إلا من خلال التعارض بين رأس المال والعمل، فوجود هذا التعارض يؤدي إلى وجودها، ولكن استمراريته وشدة احتدامه سيؤدي بلا شك إلى إلغائها، وهذا هو القدر المحتوم والتطور الموضوعي لمسار التاريخ.
وعلى العكس من ذلك درس فيبر مفهوم الطبقة على مدى التاريخ وليس فقط في العصر الحديث، فالرأسمالية بالنسبة إليه موجودة منذ القدم، فالفترة التي كانت تعرف أشكالاً غير منظمة من التصرفات والسلوكيات الاجتماعية كالنهب والسرقة والحروب هي شكل من أشكال النشاط غير العقلاني تحولت مع التطور الاقتصادي للأفراد إلى تصرفات عقلانية تحكمها قوانين.
مؤسسة الطبقة إذاً وعلى عكس ما جاء به ماركس هي عند فيبر شكل متميز من الترسبات (Stratification) الاجتماعية، وهي تضم أفراداً لهم الحظ المتساوي في الانتماء إليها لتوفرهم على أملاك وحياة مادية محددة. ومن أجل تحديد الطبقة والتمييز بين كل واحدة على حدة اعتمد فيبر على الملكية الاقتصادية وعلى طريقة توزيع سلطة بالملكية المادية.
وميز فيبر بين قسمين من الطبقة الاقتصادية، قسم يملك الثروات وقسم يحتكر إدارة المرافق (كما هو الشأن مثلاً بالنسبة إلى التجّار وعمال البنوك...)، والقسم الثاني هم الذين لهم الحظ الأوفر في الدخول إلى السلطة.
وبين الطبقتين أضاف فيبر طبقة أخرى سمّاها الطبقة المتوسطة (La Class Moyenne) وقد تعرف هذه الطبقات عدم توازن وصراع وتنافس من أجل السلطة أو من أجل الحظوة الاجتماعية، وهو ما قد يؤثر على حركة المجتمع كلّه بل وحتى على القرار السياسي داخل الدولة.
اعتبر فيبر أن وضع الفرد في طبقة اقتصادية عالية أو رفيعة يسمح له أن يكون له جاه ومكانة عالية وقد يستطيع من خلال وضعه المالي الجيد أن تكون له حظوة سياسية، لكنه لاحظ أن الثروة ليست المحدد الوحيد للتموقع الطبقي داخل المجتمع، ولذلك أضاف أبعاداً ثقافية واجتماعية كالتعليم، والمعرفة، والخبرة، والشرف، وهو ما يضفي على مفهوم الطبقة بعداً أوسع، ما يسمح بوجود مجموعات داخل الطبقة تضع الفئات ذات المكانة أو الوجاهة الاقتصادية أو الاجتماعية في مكانة أسمى وتتدرج إلى أن تصل إلى أدنى الهرم الاجتماعي.
على العكس من فيبر، فإن شومبيتر (Schumpeter) اعتبر أن الطبقة هي مجرد تجمع لأفراد لهم الوضعية الاجتماعية نفسها وأكد الوحدة التي تجمع كل طبقة، فالأفراد داخل الطبقة لهم دور محدد ويعيشون بطريقة متشابهة، ومن أجل فهم الظاهرة الاجتماعية يجب فهم كيفية تكوّن الطبقات، والخلية الأساسية التي يمكن من خلالها فهم الطبقة هي العائلة وليس الفرد كما هو الشأن عند فيبر.
من خلال التعريف الذي أعطاه شومبيتر للطبقة يبدو أنه لم يميز بين الطبقة والتجمع والمجموعة المهنية وغيرها من التجمعات التي لها دور محدد داخل المجتمع وتشكل وحدة تضم أفراداً يتصرفون بطريقة متشابهة ولهم دور محدد.
بالنسبة إلى جماعة الأطر (Le Groupe de Statut) فهي تتميز عن غيرها من الجماعات الأخرى من خلال الشرف الاجتماعي الذي يناله الفرد من خلال محددات معينة كالولادة، والوظيفة، والتعليم.
أما الأحزاب السياسية فهي بالنسبة إلى فيبر تتجمع في شكل مؤسساتي من أجل مصالح اقتصادية واجتماعية معينة، لكنها قد تتجمع بناء على مرتكزات دينية وأخلاقية.
إن الجماعة الاجتماعية (Le Groupe Sociale) بالنسبة إلى فيبر هي المكان الذي يتم فيه تجمع وتقسيم القيم، المعايير وكذا التصرفات وهو ما يميزه عن غيره من الجماعات الأخرى، واختيار قيمة معينة من طرف الفرد غالباً ما يتم من خلال انتمائه إلى جماعة معينة.
القيم إذاً قادرة على توجيه فعل الأفراد إذا كان ينتمي إلى جماعة اجتماعية محددة أو كان يخضع إلى مؤسسة ما، وهذه نقطة مهمة لتعريف الفرد سوسيولوجياً، وذلك لأن التفاعل بين الأفراد هو تفاعل بين دوافعهم الذاتية والقيم التي يؤمنون بها، ولعل هذا ما جعل فيبر يتحدث عن التوافق المعياري بين الأفراد الذي تحكمه إلى جانب القيم، المصلحة الفردية، وهو ما يدخل في إطار نظرية المجتمع كلّه، بالتالي فلا يمكن دراسة الفرد من دون المجتمع، كما إن هذا الأخير لا يمكن أن يتكون من دون أفراد، ومن هنا تنطلق مجموعة من العلاقات الجدلية بين الفرد والمؤسسة، الفاعل والنظام، الفرد وغيره من الأفراد، وهو ما كان موضوع التعارض بين اتجاه الفردانية المنهجية الفيبرية واتجاه الشمولية، حيث كان يطرح التساؤل هل يجب الانطلاق من الفرد لدراسة المجتمع أو العكس تجب دراسة المجتمع من أجل فهم الأفعال الفردية؟ هل الفرد كائن نشيط (Actif) أم هو كائن سلبي (Passif)؟
خلال القرن الثامن عشر، ظهر اتجاه في السوسيولوجيا عارض الفردانية والاتجاه الفرداني. وفي بداية القرن العشرين تولى عدد من المفكرين الدفاع عن المفهوم الفرداني، ومن أبرزهم فيبر وباريتو وآرون على عكس دوركهايم وبودون في فرنسا اللذين اعتبرا أن المجتمع هو أساس الفردانية.
ولقد أثر فيبر في جيل كامل من المفكرين في هذا المجال كما هو الشأن بالنسبة إلى مدرسة فرانكفورت ومن جهته فهوركايمر أحد أبرز روّاد هذه المدرسة كان من دعاة الفردانية واستمد دراساته المبكرة من إيمانويل كانط (1) إزاء أهمية الفردية بوصفه قيمة لا ينبغي طمسها على الإطلاق تحت متطلبات الجماعة (2).
وهناك من اعتبر أن فيبر هو رائد الاتجاه الفرداني في العصر الحديث، خاصة وأنه اهتم بشكل كبير بالفرد وبدور الفرد داخل المجتمع، حيث اعتبر إن جميع البنيات الاجتماعية كالدولة، التعاونية، وغيرها من التجمعات ليست سوى شكل من أشكال تطور النشاطات الخاصة بالفرد (3)، ولذلك اعتمد في دراساته على الفردانية المنهجية التي تهتم أساساً بالفاعلين وبقدرتهم على التأثير في محيطهم الاجتماعي وإنتاج معنى لواقعهم الذي يعيشون فيه وبالتالي فالافراد وليس المؤسسات هي التي يمكن من خلالها دراسة الواقع الاجتماعي، ثم إننا لن نتمكن من دراسة الواقع الاجتماعي إذا اعتبرنا أن الأفراد وليس المؤسسات هي التي تخضع لقوانين علمية، بل يجب أن يحضر الوعي الاجتماعي للفرد في دراسة تصرفاته وتفاعلاته.
تؤمن سوسيولوجيا فيبر بأن الفرد على وعدي بأفعاله الاجتماعية، فالافراد بالنسبة إليه داخل المجتمع هم أفراد حضاريين، موهوبون لهم كامل الإرادة في اتخاذ مواقفهم بكل وعي وفي اتجاه العالم الخارجي (4)، وهذه المواقف تحمل معنى مهماً يدخل في اختمام السوسيولوجي، فدراسة المؤسسات من دون الأخذ بعين الاعتبار أفراد المجموعة بوصفهم مسؤولين عن إنتاج أفعال وسلوكات داخلها لا يمكن أن تأخذ بها السوسيولوجيا (5).
كما تهتم المنهجية الفيبرية بالفردانية وبالأفراد وبقدراتهم على التأثير على محيطهم الاجتماعي وعلى الطريقة التي يتم بها خلق المعنى لواقعهم الاجتماعي. ولقد اعتمدت في ذلك على الدوافع الذاتية للأفراد.
أدى الاهتمام الفيبري بهذه الدوافع الى رفض الاهتمام بالمعايير الاجتماعية وبالبنيات الاجتماعية في شموليتها، وعلى عكس المدرسة العضوية (Organiciste) والوظيفية، فبالنسبة إليه النظريات العضوية هي نظريات فعالة ومهمة، ولكن عندما تهتم بالمجتمع على أساس أنه كل عضوي وليس بالأفراد فهي تصبح بذلك قليلة الأهمية.
ولتفسير هذه الفكرة، يقول فيبر إن الخضوع للسلطة مثلاً يكون انطلاقاً من دوافع ذاتية قد تكون عاطفية وجدانية تجاه مالك السلطة، وقد تكون عقلانية بالقيم تعتمد على إيمان الأفراد بقيم معينة، وقد تكون عقلانية غائية، حيث تكون مصلحة الفرد هي التي دفعت به الى الخضوع أو قبول السلطة، وقد تكون دوافع تقليدية تجعل الأفراد يؤمنون بالسلطة لإيمانهم بالتقاليد التي تعوّدوا عليها منذ القدم(6)، هذا التفاعل بين الأفراد ودوافعهم الذاتية هو الذي ينتج لنا أفعالاً اجتماعية وعلاقات تستحق الدراسة سوسيولوجيا.
إن الفرد عند فيبر هو إذاً كائن نشيط له أسبقية في الدراسة على المجتمع المكوّن بدوره من عدد من الأفراد، أما المعايير والقيم فهي آليات متاحة للفرد الذي يحتفظ دائماً بهامش كبير من الحرية من أجل أداء أدواره، وهو يعتمد في إنتاج ذلك على مصلحته الخاصة.
لقد ذهب ريمون آرون، في اتجاه فيبر نفسه واعتبر أن الفردانية المنهجية تنبني على عدد من المرتكزات:
ـ الواقع أو الحقيقة التي يتكوّن منها موضوع العلوم الإنسانية لا يتحقق إلا من خلال الأفراد ومن خلال سلوكياتهم وتصرفاتهم.
ـ المجموعات الاجتماعية (Les Ensembles sociaux) ليست حقيقة في حد ذاتها ولكنها بنيات اجتماعية.
ـ جميع الدراسات التي تحاول دراسة الظواهر الاجتماعية هي دراسات حول النشاطات الفردية(7).
اعتبر آرون إذاً أن الواقع الذي يشكل موضوع العلوم الإنسانية والعلوم الأخلاقية (Morales) مكوّن من آراء وتصرفات فردية، كما يعتبر أن التوضيحات والتفسيرات النهائية (Explications ultimes) هي دائماً تفسيرات لتصرفات الأفراد.
اعتبر فيبر وكما هو الشأن عند آرون أن الفردانية المنهجية جاءت للتمييز بين الفرد والجماعة، وذلك من أجل تكوين منهجية يمكن من خلالها فهم النشاط الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية كلّها انطلاقاً من الفرد، فإذا أخذنا مثلاً ظاهرة زيادة الأسعار التي تؤدي الى ضعف الطلب هذه الوضعية تفسير بحسب الفردانية المنهجية من خلال الفرد المستهلك الذي أراد أن يحافظ على قدراته الشرائية، لذلك فهو يفضل شراء سلعة مشابهة بثمن أقل أو الاستغناء كلياً عن هذه السلعة، وتكون تصرفاته اتجاه هذه الوضعية خاضعة لمعايير وقيم محددتين يؤمن بهما.
من خلال هذا يبدو أن الفردانية المنهجية عند ماكس فيبر لا تهتم إلا بتصرفات الفاعلين الفرديين من دون الاهتمام بالمفاهيم الجماعية، وهي ترتكز أساساً على التصرفات العقلانية، وهذا ما تؤكده الرسالة التي بعث فيها فيبر الى لايفمان (Liefmann) قبل وفاته بقليل يقول له فيها أنه إذا أصبح سوسيولوجياً فبالأساس ليضع حداً للدراسات التي ترتكز على المفاهيم الجماعية، ولأن السوسيولوجيا لا يمكنها أن تتبع إلا حركة فرد أو عدد محدد من الأفراد، وهو ما يجعلها لا تتبع إلا مناهج فردانية(8).
أما بودون، قد قام بالتمييز بين ثلاثة أشكال من الفردانية:
ـ الفردانية العلمية؛ وهي فردانية وقائع (Individualisme de Fait)، تحدد ممارسات عقلانية وتمثيلات اجتماعية، تجعل من الفرد وكأن له وجود مستقل ويجب عليه أن يؤكده أو يطوّره لكي يتواجد اجتماعياً، ومن خلال هذه الفردية يستطيع السوسيولوجي تشخيص وجود الفرد داخل المجتمع.
ـ الفردانية الأخلاقية؛ وهي تذهب في ما يذهب إليه الاتجاه الذي رأى وحتى اختيار القيم، وهي بذلك تعارض الجماعية (Collectivisme).
ـ الفردانية المنهجية؛ وهي التي تبحث عن تفسير الظاهرة الاجتماعية من خلال الفرد الذي ينتمي الى مجتمع فرداني وهي بذلك تعارض الشمولية(9).
لقد بلور بودون نسقاً معقداً من المفاهيم حول الفردانية، وهو الى جانب فيبر يهتم بالتصرفات العقلانية ولم يحصرها في النموذج الاقتصادي، فالفعل هو عقلاني ما دام الفاعل يقوم بحركات عقلانية، لكن بودون ذهب الى أبعد من ذلك، حيث وسع مفهوم العقلانية وأدخل في إطارها عدداً من الأفعال الاجتماعية التي يعتبرها فيبر عاطفية وجدانية أو تقليدية، وهذا ما يجعل سوسيولوجيا فيبر أكثر ثراء وفردانيته المنهجية أكثر تعقيداً خاصة في ما يتعلق بموقفه من الشمولية.
رأى فيبر أن الدراسات التي ترتكز على المفاهيم الجماعية هي الدراسات الشمولية التي ترى أن الظواهر الاجتماعية لا يمكن تفسيرها إلا من خلال الظواهر الفوق فردية (Supra Individuelles)؛ فبالنسبة الى مؤيدي هذا الاتجاه الكل (مؤسسات مجتمع) له خصوصية مميزة من الأدوات المكونة لها، وهو ما يؤدي دائماً الى القيام بدراسة عامة.
اعتبرت الشمولية إذاً أن الفرد كائناً عديم النشاط (Passif)، وأن المجتمع هو أساس وجود الفرد وهو بمثابة إكراه يخضع له الأفراد (Contrainte qui assujettit les individus)، وبالتالي فهي تعطي الأسبقية في الدراسة للمجتمع الذي يفرض قيماً ومعايير على الأفراد الذين يخضعون لها، وينتجون تصرفات تبعاً للقيم التي فرضت عليهم.
يعد دوركهايم المثال الأبرز للاتجاه الشمولي؛ فبالنسبة إليه المجتمع هو كل (Un Holon) فوق الأفراد وهو الذي يحركهم، وبذلك يكون المجتمع هو الإطار الذي يشمل الأفراد، أما الوعي الذي يتحلى به الأفراد والذي يقول به فيبر فهو عند دوركهايم ليس سوى جزء من الوعي الجماعي للمجتمع، وهذا ما يجعل الفعل الاجتماعي ينتج خارج الفرد (Extérieur à lindividu)، لأنه يخضع لإكراه المجتمع.
الأفراد إذاً بحسب التوجه الدوركهايمي ليسوا سوى أعضاء يجتمعون داخل مؤسسات مختلفة، وبذلك تكون السوسيولوجيا علماً لمؤسسات محددة.
بحسب دوركهايم، العقود الفردية لا يمكن أن تفسر إلا إذا درسنا المجتمع والمعايير الاجتماعية التي يفرضها أعضاؤه، فالتربية التي يتلقاها الفرد تؤثر على تصرفاته، وسلوكه، وطريقة تفكيره، وهو ما يشكل ثقافة تسمح بتفسير معتقداته وتصرفاته، وهنا نستحضر ماركس والمادية التاريخية التي يعتبر بعضهم أنها تدخله في اتجاه الشمولية، خصوصاً عندما يقول أن الأفراد لا يختارون أن يكونوا بورجوازيين ولا بروليتاريين، وتصرفاتهم تحكمها انتماءاتهم الاجتماعية أي انتماءاتهم الى طبقة معينة.
انطلق دوركهايم إذاً في دراسته السوسيولوجية من المجتمع وبنياته وعلى العكس من ذلك ذهب فيبر من الفاعل وحركته، وبالتالي فالنسق المفاهيمي الفيبري يختلف عن الدوركهايمي، فهذا الأخير اعتمد على منهج تاريخاني (Historiciste)، حاول من خلاله التمييز بين المجتمع البدائي (Archaïque) والمجتمعات الحديثة من خلال النموذج الواقعي (Le Type reel)(10).
في حين تبنى فيبر منهجية خاصة بعلوم الثقافة وحاول من خلال النموذج المثالي دراسة المعنى والأسباب السوسيوتاريخية للحداثة الغربية من خلال الفردانية.
ومع كل تلك الاختلافات، فإن دوركهايم كما هو الشأن عند ماركس فيبر، انكبت دراستهما على موضوع واحد، وهو قدر الإنسان الحديث الذي أصبح يعيش مصاعب كثيرة وتطورات جديدة أنتجها التطور الذي ساد جميع مناحي الحياة الاجتماعية في العصر الحديث.
الى جانب دوركهايم، اعتبر بعض المفكرين أن الفردانية المنهجية ليست المنهج الأمثل للدراسات السوسيولوجية فـ»لوي دومون» (Louis Dumont)، الذي ميّز بين مجتمعات ذات سيطرة فردانية ومجتمعات ذات سيطرة شمولية، رأى أن الفردانية العقلانية في شكلها غير قادرة على جعل طريقة عيش وسير مجتمع الهنود الحمر مثلاً مفهومة وواضحة(11).

لكن فيبر وإن كان قد اعتمد على الفردانية المنهجية، إلا أنه أكد أن السوسيولوجيا لا يمكنها أن تنكر أو تهمل الفكر الجماعي (La Pensée collective)، حيث يوجِد مكاناً داخلها للشمولية، فالأفراد يوجهون تصرفاتهم انطلاقاً من بنيات جماعية، وتشكل علاقة بيئية مهمة للدراسة والتحليل، ومع ذلك فالبنيات الجماعية والمفاهيم الشمولية تحجم النشاط الفردي، وبالتالي الفعل الفردي مع أن المكوّن الأساس للجماعة هو الفرد.
 : http://www.almustaqbal.com/

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

تابعنا على +

من نحن

بوابة علم الاجتماع هي مدونة متخصصة في علم الاجتماع، والأولى من نوعها على المستوى العربي حيث تضم مجموعة من الكتب والمحاضرات وجديد المقالات المتخصصة في علم الاجتماع، ويعمل طاقمها على تجديد محتواها كل ساعة .