مراحل البحث السوسيولوجي
بوابة علم الاجتماع | مدونة متخصصة في علم الاجتماع بوابة علم الاجتماع | مدونة متخصصة في علم الاجتماع

آخر الكتب

random
جاري التحميل ...
random

مراحل البحث السوسيولوجي

مراحل البحث السوسيولوجي

يتجسد البناء التصوري لإشكالية البحث السوسيولوجي من خلال ثلاث مراحل زمنية :
أولا : مرحلة الجرد الشامل :

بادئ ذي بدء ، يتعلق الأمر في هذه المرحلة بمعاينة المشكلة كما هي مطروحة في التساؤل الأولي ، و كما تبدو لنا من خلال القراءات و المقابلات الاستكشافية .
فعمليا ، يتطـلب هذا الإجراء وضع جرد لمختلف الآراء المعتمدة ، و ذلك بتبيان أوجه الإرتباط و التعارض فيما بينها ، و كذلك إبراز الإطار النظري الذي سيستخدم كمرجع بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. إن أي بحث يرتكز على مخطط نظري ، فمثلا المؤلفون الذين يرون أن التسرب المدرسي ناتج عن الوظيفة المحترمة لاختيار و إعادة توجيه الشباب في المجال الاجتماعي ، فإنهم يندرجون ضمن الإطار النظري " للتحليل الوظيفي " ، أما غيرهم الذين يتساءلون عن مقاييس الاختيار و يبينون أن هذا الأخير فيه تفضيل أكبر للطبقات المهيمنة و إعادة لتكريس إمتيازاتها ، فإنهم يرتـكزون على نظرية " إعـادة إنتاج علاقـات الهيمنـة " بينما يرتبط آخرون بأسلوب " التحليل التنظيمي أو الاستراتيجي ".
و لكشف الإشكالية الضمنية للمؤلفين تجدر الإشارة إلى أن ملاحظات القراءة المقتضبة لا تكفي دائما و لا تفي بالغرض ، و لذا ينبغي الرجوع أحيانا إلى النص نفسه.

ثانيا : مرحلة تكوين الإشكالية :

يتعلـق الأمر في هذه المرحلة بتكوين الإشكالية و ذلك إما بوضع تصور لإشكالية جديدة ، و إما بإدراج هذا الإنجاز ضمن أحد الأطر النظرية المكتشفة في القراءات السابقة. إن للخطوة المتعلقة باختيار الإطار النظري أهمية كبرى ، و ذلك لما لهذا الإطار النظري من دور مهم سواء في طرح التساؤل الأولي و تحديده ، أو المساهمة في بناء الفروض التي تمكن الباحث لاحقا من صياغة الإجابة المتناسقة مع هذا التساؤل الأولي.
تأخذ هذه المرحلة كل أهميتها حينما يتعلق الأمر بوضع تصور لإشكالية جديدة ، فمثلا يتضح من خلال دراسة " أميل دور كايم
E.Durkheim " للإتحار كيف أنه وضع تصورا لإشكاليته الاجتماعية ، و ساهم بإجابة مكنت من إثراء المعرفة التي كانت لدينا حول هذه المشكلة ، لكن يجب التحلي بالتواضع فإن حدث و تمكنا من إعداد إشكالية جديدة تستخدم سابقاتها و تتعداها فإنه من الأحسن الإتسام باليقظة و الحذر. و ذلك لأنه قبل كل شيء ينبغي القيام باختيارات ، فلا يمكن شرح كل شيء في وقت واحد ، و كذلك فإن كل المداخل المتعلقة بأية مشكلة ليست متسقة فيما بينها ، فقد تكون ثمة رغبة متواترة تدفع إلى جمع كل وجهات النظر المحتملة و دمجها فيما بينها بحجة الوصول إلى الكمال ، غير أن هذا الإجراء غالبا ما يؤول بالبحث إلى الإنزلاق في تأملات غامضة و غير منسجمة.
و في أغلب الأحيان بتعلق الأمر بإدراج مشروع البحث ضمن إطار نظري معد من قبل كما هو الشأن في مثال التسرب المدرسي. ففي هذه الحالة و ضمن المرحلة الزمنية الثانية فإن العمل المزمع إنجازه يقتصر على الإستغلال الجيد لكل الوسائل النظرية المتوفرة ، لذلك فالمسألة إذا تبقى في معرفة نوع الإطار النظري الذي يمكن إدراج العمل ضمنه. إن الموقف المنطقي يتطلب اختيار الإطار النظري الذي يبدو ذا علاقة أكبر بالتساؤل الأول و بالمعلومات المستقاةمن المقابلات الاستكشافية ، و كذا بالبيانات الإحصائية المتوفرة ، ففي ضوء الإشكالية المختارة سيأخذ التساؤل الأولي المعنى الخاص و الدقيق لشكله النهائي ، كما سيتضح التوجه النوعي الذي ستبحث ضمنه الإجابة عن هذا التساؤل . و حينما يكون التساؤل الأولي غير محدد تحديدا دقيقا مسبقا ، فإن الاختيار لإشكالية ما يصبح الفرصة الأخيرة لصياغتها صياغة سليمة ، و غعطائها هذا المعنى الخاص و الدقيق الذي من شأنه أن يجعل البحث هادفا.
إن إعادة صياغة التساؤل الأولي ضمن المفاهيم الخاصة بالمخل المختار ، و كذلك فتح آفاق للإجابة عنه ليست عمليات بسيطة و هينة ، ذلك حتى و إن تعلق الأمر بنظرية معروفة ، فإن إعادة صياغة الإشكالية بطريقة واضحة و منسجمة هو أمر ضروري لأن إهمال هذه العملية من شأنه أن يؤدي غالبا بالباحث المبتدئ إلى الفشل في المرحلة الموالية المتعلقة بالبناء و ستكون فروض هذا البناء متسمة بالسطحية و التفكك و من ثم فإذا كانت مرحلة البناء فاشلة فإن البحث كله سيكون كذلك ، لكن مالمقصود " بالسبب " ؟
نلاحظ بادئ ذي بدء أن كلمة سبب قد استخدمت في المعاني الأكثر تنوعا و تباعدا بعضها عن البعض و من ثم فإن أي استعمال سطحي و بسيط لهذه الكلمة المتعددة الاستخدامات من شأنه أن يؤدي إلى إلتباسات خطيرة مثلما توضحه الأمثلة التالية :
ـ كسل هذا التلميذ هو السبب في فشله.
ـ فقدان الانضباط في مدرسة هو السبب في فشله.
ـ لقد أخفق هذا التلميذ بسبب عدم كفاءة معلمه.
ـ تأثير زملاء السوء كان شؤما عليه.
ـ إن والديه لم يساعداه و يشجعاه بشكل كاف.
ـ لو لم يكن الطقس جميلا جدا لما خرج من البيت للعب ، و هذا سبب إخفاقه.
ـ لو لم يكن تاريخ الإمتحان قد قدم لكان نجاحه مؤكدا.
إن هذا الاشتباه جلي ، و تبعا للحالة ، فإن كلمة " سبب " يمكن أن تعني فعلا " التشجيع " 
" الإشارة " " تبرير " " خلق ظرف " " السماح" المساهمة في ... أو منح الفرصة إلخ ...
ينبغي الإقرار أن البحث الاجتماعي لا يخلو من هذا النوع من الخلط في المفاهيم و المعاني ، و لتفادي ذلك ، فإن البعض من المفكرين و من بينهم " كارل بوبر "
K.Popper " قد بذلوا جهدهم قصد تحديد العلاقة السببية بوضوح و بكيفية يكون معها الحفاظ على المعنى نفسه في مختلف أشكاله و لكن ذلك التحديد يبقى ضيقا جدا ، الأمر الذي يجعل استخدامه صعبا في البحث الاجتماعي ، لأن هذه الظواهر الاجتماعية التي تدرس من قبل هذه الفروع لا تتطور بكيفية آلية. إن فكرة السببية مازالت تشكل بؤرة النقاشات المعرفية الحادة ، بالنسبة لأميل دوركايم و الوضعيين ، فالسبب هو العلة الثابتة و الخارجة عن المعلول ، فهو فعل مادي يمكن معاينته موضوعيا من الخارج ، و من خلال المثال المتعلق بالإنتحار يتضح أن دور كايم كان يبحث عن اسباب الإنتحار في حال تماسك المجتمع معتمدا على قياسها بواسطة علاقات خارجة عن الضمائر الفرديــة. و هنا تجدر الإشارة إلى أن ثمة عددا كبيرا من الباحثين المبتدئين أو غيرهم ، يجدون صعوبات في التفكير بشكل مغاير عن العلاقات السببية ، فالكثير منهم يرى بأن " الفهم " هو دوما كلمة مرادفة لـ " البحث " عن الأسباب ، إن فهم التسرب المدرسي ، الإنتحار ، البطالة ، لا يعني بالنسبة لهم سوى البحث عن الأسباب و هذا بالرغم من وجود مداخل أخرى غالب ما تكون أكثر وضوحا و ملاء مة.
أما بالنسبة لماكس فيبر و أصحاب مدخل الفهم مثلا ، فهم يرون بأن تفسير ظاهرة اجتماعية ما إنما يكمن أساسا في المعنى الذي يعطيه الأفراد لأفعالهم و هذا هو الذي يتم البحث عنه في شعور الأشخاص ، فهو داخلي و للكشف عن هذا المعنى ، ينبغي الإستناد إلى الآراء الفردية و البحث عن المبادئ و القيم التي توجه السلوكات. إذا السلـوكات الإنسانيـة في الواقع هي مقصـودة و مستلهمة بوعي أو بغير وعي من مجموعة من التمثيلات الذهنية التي لا يمكن خارجا عنها فهم هذه السلوكات ، لذلك لذلك فنظرة معينة على العالم ، إلى المجتمع أو الحياة ، الأمل في امتياز منتظر ، أو الإحساس بمضايقة ما ، تحديد رهانات صراع ما أو كذلك الصورة التي هي لدينا عن الفاعلين الآخرين ، كل ذلك بمثابة عناصر يمكن أن تدخل في تفسير الفعل الإنساني.
ها نحن إذن أمام إشكاليتين إضافيتين بإمكانهما كذلك إستلهام اختبار التسرب المدرسي ، هاتان الإشكاليتان تنتميان إلى نظريتين مختلفتين من حيث أنهما تعنيان هذه المرة بالمنهج و ليس بموضوع البحث ، و في هذا المعنى فإنهما تجمعان ما سبق ذكره من قبل . الوضعيون يرون وجوب دراسة الظواهر الاجتماعية مثلما تدرس الظواهر الطبيعية و شرحها بالبحث عن أسبابها في الأفعال المادية السابقة الثابتة و الخارجة عن الظاهرة المقصود شرحها ، ضمن وجهة النظر هذه ، فإنه لفهم التسرب المدرسي ينبغي مثلا فحص الظروف الاجتماعية و الاقتصادية للوسط العائلي ، و كذا كفاءة المدرسين و ظروف التعليم ، و من كل هذه العناصر الخارجة عن ضمير الفاعلين يمكن الكشف عما يشكل العلة أو مجموعة العلل الثابتة و كيفية الترابط فيما بينها.
أما بالنسبة لماكس فيبر و أتباع علم الاجتماع ، الفهم ، فيرون أن المدخل الوضعي غير كاف لفهم خصوصية الظواهر الاجتماعية على اعتبار أن هذه الأخيرة تعد في نظرهم نتاج للعقل الإنساني ، فلها معنى بالنسبة للفاعلين و من ثم فإن هذا المعنى هو الذي ينبغي إكتشافه ليتم تفسيرها. ضمن وجهة النظر هذه ، و لفهم التسرب المدرسي مثلا ، ينبغي الرجوع إلى القواعد و المعايير التي استنبطها المعلمون و التي تتحكم في قراراتهم و تعبر عن القيم التي تعطى معنى لما يفعلونه. 
من الملاحظ فإن هذين التصورين يلتقيان مع بعض المداخل أو الإشكاليات الأخرى و بناء عليه ، فإن اختيار إشكالية ما معناه في الحال نفسها تحديد موضوع البحث تحديدا دقيقا ( مثل التسرب المدرسي بالمعنى ذاته ، أو عمليات الاختيار الاجتماعي ، أو محتويات الدروس و بعدها الايديولوجي مثلا ). و كذا تبني مدخل معين لهذا الموضوع ( تحليل الأسباب ، تحليل الوظائف أو تحليل القيم الضمنية ...).
و من جراء تقاطع هذين المخططين ، فإنهما ينتجان إمكانات متعددة لتصور سؤال ، كما تسمحان بتبيين مداخل أخرى مغايرة للمدخل الذي يرتكز على البحث في الأسباب فقط.
لنكتفي هنا بهذا القدر من النقاش النظري ، فالمهم ليس هو الانحياز إلى تصور نظري ما أو إلى آخر ، و لكن المفيد هو إظهار ما ينجر عن الاختيار لإشكالية ما ، أي بلورة فائدة هذا الخيار بكل وضوح و كذا إبراز الضرورة بدقة لاختيار إحداها دون الأخرى. فلهذا كله يمكن للباحث أن يضع حدا للغموض و الأوهام و بناء عليه ، نعود إلى موضوعنا ، و نلاحظ ماديا كيف نختار إشكاليتنا ، و مثلما أشرنا إليه سابقا فإن الاختيار يتم بصفة عادية ، وفقا للتوجيه المرسوم من قبل التساؤل الأولي ، و المعلومات المشتقة من المقابلات الاستكشافية و كذا الإحصاءات ، و لنفترض أن التساؤل الأولي كان محددا من قبل كما يلي : »كيف يفسر التسرب المدرسـي الكبير الـذي يـحدث لدى أطفال الفئات الاجتماعية الأقل تفضيلا ؟ « و لنفترض كذلك أن الإحصاءات و المقابلات الاستكشافية تؤكد ذلك من حيث أن هذه الفئة تمثل فعلا نسبة عالية للإخفاق المدرسي قياسا بغيرها ، فالنظرية الوظيفية الممحورة على وظيفة الاختيار ، و نظرية إعادة إنتاج العلاقات المسيطرة التي تتساءل عن مقاييس هذا الاختيار ، تعتبران أولويا بمثابة النظريتين الإثنتين اللتين تشكلان أطر نظرية ملائمة لصياغة الإشكالية.
و إذا نحن أخذنا مثلا بالنظرية الأخيرة كإشكالية ، فهذا معناه أننا سنبحث عن إجابة لمشكل التسرب المدرسي انطلاقا من الفرضية العامة التي بمقتضاها أن المقاييس و المعايير و المبادئ التي تحكم هذا الاختيار كلها خاصة بثقافة الطبقة المسيطرة و أنها تحرم أطفال الفئات الأقل تفضيلا. 
أما المفاهيم التي يمكن توظيفها هنا هي: 
التقسيم الاجتماعي للعمل ، الطبقات الاجتماعية ، الإيديولوجية ، المظهر الخارجي ، الإرث الثقافي ، إلخ ...
ثالثا : مرحلـة توضيـح الإشكاليـة:

إن توضيح الإشكالية معناه دقة التحديد للطريقة الشخصية في طرح المشكل. 
و الإجابة عنه ذلك حتى و إن كان يدرج ضمن إطار نظري يتم اختياره بوضوح و حينما نكون بصدد مرحلة توضيح الإشكالية توضيحا معمقا ، فقد لا نمتلك أحيانا كل الوسائل النظرية الضرورية ، الأمر الذي يستدعي على أقل تقدير إجراء قراءات مكملة ، فمثلا و من خلال المثال السابق ، قد يـكون مفيدا القيـام بقراءة المفاهيم التي أصبحت شائعـة في الحديث العـادي ، و تحديدها تحديدا دقيقا ، و من هنا تظهر ضرورة الدروس النظرية ، المتبعة بالموازاة للتكوين المنهجي و تنال الأطر التصورية المجردة كل الأهمية.
إن توضيح الإشكالية معناه الوصف الدقيق للإطار النظري الذي يندرج ضمنه المسعى الشخصي للباحث ، أي تحديد المفاهيم الأساسية و الإرتباطات الموجودة فيما بينها ، و كذلك رسم البناء المفاهيمي المتضمن لاختيار المقترحات ، و التي بدورها سيتم إعدادها لاحقا كإجابة على التساؤل الأولي. فمن هنا يتم وضع المخطط الذي يبنى عليه نموذج التحليل ( و هي مرحلة لاحقة من البحث ) و كذلك رسم الخطوط العريضة لهذا البناء الذي يسمى أحيانا بالفرضية العامة أو الموجهة. لكن نقول من الآن أن الإشكالية لا يمكن أن تبلغ الغاية فعلا إلا ببناء نموذج التحليل ، و صفوة القول .. فإن الإشكالية هي الإطار النظري الشخصي ، الذي من خلاله يتم طرح المشـكل و تتحدد الإجابـة عنه لاحقا.. و إن كلا من التساؤل الأولي ، و الإستكشاف و الإشكالية يمثل الخطوات الثلاث الأولى من مخطط البحث و التي يسودها تفاعل جلي فيما بينها. و تلناول عملية إعداد الإشكالية أهمية كبرى خصوصا حينما يتعلق الأمر بطرح إشكالية جديدة و مع ذلك فالإشكالية في حد ذاتها تبقى خطوة ضرورية حتى و إن كان موضوعها يندرج ضمن إطار نظري موجود من قبل.

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

تابعنا على +

من نحن

بوابة علم الاجتماع هي مدونة متخصصة في علم الاجتماع، والأولى من نوعها على المستوى العربي حيث تضم مجموعة من الكتب والمحاضرات وجديد المقالات المتخصصة في علم الاجتماع، ويعمل طاقمها على تجديد محتواها كل ساعة .