بوابة علم الاجتماع | مدونة متخصصة في علم الاجتماع بوابة علم الاجتماع | مدونة متخصصة في علم الاجتماع

آخر الكتب

random
جاري التحميل ...
random

قراءة في سوسيولوجية النوع الاجتماعي. 8 مارس في المغرب: مطمح الانعتاق أم واقع اضطهاد


     قراءة في سوسيولوجية  النوع الاجتماعي
                                8 مارس في المغرب :مطمح الانعتاق  أم واقع اضطهاد
                                                                  بقلم الأستاذ إبراهيم السهلي

    بات من الواقعي اليوم أن نعيد تصالحنا مع ذاتنا الاجتماعية، ونعيد طرح قضية النوع الاجتماعي على النقاش الفكري الحر، بعيدا عن التحديدات القانونية  والمقاربات الحقوقية ما دامت هذه المقاربات عاجزة عن الحد من الظاهرة أو التقليل من حدتها ، ماعدا أن الظاهرة أخذت أشكال جديدة ، محافظة على جوهرها واستبدلت القناع الذي تتبدى لنا من خلاله، فما زال هناك اضطهاد وعنف وتمييز يمارس على النوع الاجتماعي، الشيء الذي بين قصور المقاربات القانونية و الحقوقية، فاستدعى الأمر إعادة فتح نقاش فكري ذو أبعاد سوسيولوجية وتربوية، لإعادة التأسيس لأرضية صلبة من أجل خلخة المنظومة الفكرية للمجتمع ذات العقلية الذكورية، وما تتضمنه من  ممارسات دونية وطبقية على النوع الاجتماعي .

   صحيح أن الأمم المتحدة  أقرت يوم 8 مارس يوم للاحتفال بالمرأة، وهو إقرار تحقق بفضل نمو الوعي لذا هذه الفئة، عبر عنه الحراك الاجتماعي للحركات النسائية العالمية، التي أظهرت  نضج وعيها بقضيتها كانسان إلى جانب الرجل، بغض النظر عن الاختلاف الجنسي من أجل تكريس ثقافة المساواة مع الرجل. رغم أن الإقرار بيوم واحد من منظمة دولية ترعى صون حقوق الإنسان، يعتبر في حد ذاته تكريس لثقافة الدونية وإقرار لها، بل متنفس لخلق خطابات وهمية لدى النوع الاجتماعي في المجتمعات الشبه حداثية ذات البنية الثقافية الهشة للنوع الاجتماعي كما هو الحال في المجتمعات العربية. فيعد الثامن من مارس من كل سنة، يوما يشهد نشاطا لا مثيل له من طرف هيئات تتبنى قضية النساء وتنشط الجمعيات، وتنجز التقارير الإعلامية، ويسيل مداد أقلام لا تشتغل إلا في مثل هذه المناسبات، فتجد غالبيتهم يلهث نحو الحديث عن المرأة و الانجازات التي حققها المجتمع المدني والفاعلين الحقوقيين، من الوقوف إلى جانب نساء معنفات، ومؤازرتهن في المحاكم وتوجيهن نحو السلطة و القضاء ... وتدون شهاداتهن وتسجل، وتتم استضافتهن في مؤتمرات وبرامج إعلامية للحديث عن لحظة عنف عاشتها المرأة سواء داخل البيت أو خارجه. غير أن الملاحظ فإن معظم الحالات التي يـستشهد بها هي حالات لنساء عاشوا عنف زوجي من داخل الأسرة،  تحكي فيه المرأة عن مشاهد هوليودية عاشتها داخل البيت.

   إن المتمعن لحيثيات احتفالات الثامن من مارس يظهر له أنها احتفالات تكرس كل أشكال الدونية والطبقية ضد النوع الاجتماعي، وتتضمن نوعا من التشيئ للمرأة، تتحول فيه من إنسان إلى بضاعة إعلامية لتسويق خطاب المساواة، ومادة دسمة لنشاط جمعيات وحقوقيون لا يظهرن إلا في مثل هذه المناسبات، وبين واقع تعرف فيه المرأة كل أشكال الاضطهاد والدونية بعيد عن خطابات الصورة والإعلام، وهنا يظهر البون الشاسع بين واقع مجتمع باتريركي يرفض كل حديث عن المساواة مع المرأة، وهنا يعاد الحديث عن السياق التاريخي الذي  جاءت فيه احتفالات الثامن من مارس. فبين أنه يعبر عن نمو وعي المرأة بقضيتها ومقاومتها لكل أشكال الدونية وهي حاجة فرضتها ظرفية تاريخية راهنة لدور الذي أضحت تلعبه المرأة في المجتمع خاصة بعد الحرب العالمية الثانية ، والتغييرات الكبيرة التي حدثت في بنية المجتمعات الغربية الرأسمالية، فبمؤازاة ذلك تشكل لذا المرأة وعي بأهمية دورها إلى جانب الرجل في المجتمع، فتمخض عن ذلك إقرار الدساتير بجملة من الحقوق للمرأة التي كانت نتيجة لمخاض فكري عميق في بنية المجتمع و نمط تفكير الرجل لحقيق مطمح المساواة معه .

   لقد كان للحراك النسائي في الغرب أثر على المجتمعات العربية منها المجتمع المغربي، فقد أخذ الرواد الأوائل لسوسيولوجية الوطنية على عاتقهم فتح نقاش سوسيولوجي لمشكلة اجتماعية متجذرة في بنية المجتمع المغربي كمجتمع ذكوري يؤمن بأولوية الرجل وينبذ كل حديث عن المساواة مع المرأة، لأن المرأة في هذه المجتمعات تدخل من باب الملكية، الأمر الذي يعطي للرجل الحق في تعنيف زوجته ... تكثر هذه الممارسات اتجاه النوع الاجتماعي وهي ممارسات ثقافية في بنية المجتمع الذي ذئب على تفضيل الذكر على الأنثى، بدأ من طقوس احتفالات الأسرة بالمولود الذكر تختلف عن عقيقة الأنثى وصولا إلى اعتبارها موضوع إشباع رغبات جنسية، هذه الممارسات الثقافية امتداد لعقلية باتريركية متوارثة داخل المجتمع، لهذا قامت الباحثة السوسيولوجية فاطمة المرنيسي بتحليل بعض الممارسات الثقافية داخل المجتمع لتوضح واقع الاضطهاد الذي تعاني منه المرأة اجتماعيا وثقافيا ، فوقفت عند الحكاية الشعبية كتجسيد للفعل الثقافي كفعل شفهي، فانطلقت من جملة من الحكايات الشعبية، كحكاية  " الأمير وبنت النجار " و حكاية "  ألف ليلة وليلة " أو حكاية  " كيد النسا كيد الرجال " وهو العمل الذي أكمله أستاذ السوسيولوجية أحمد  الشراك من خلال تقديمه قراءة سوسيولوجية للموروث الثقافي الشفهي وتفكيك مضامين الحكاية الشعبية لواقع الدونية وتحمله من دونية اتجاه النوع الاجتماعي في  الذاكرة الثقافية الشعبية، لذا انتهى الأستاذ احمد الشراك إلى أن مناقشة أطروحة النوع الاجتماعي يمكن فهمها من خلال ثلاث معادلات سوسيولوجية :
المعادلة الأولى : الرجل + المرأة =  تفوق الرجل
هو تفوق تجسد تاريخيا لحظة الانتقال من المجتمعات الأميسية إلى المجتمعات الأبيسية، تمت تغذيته بطقوس وممارسات ثقافية وعقائدية، فأعطي للرجل دور القيادة كونه لامتلاكه القوة الاقتصادية والفيزيائية، جعل المرأة في وضع دوني من الرجل فسيقت حولها خطابات ونسجت حكايات جعلت بعض القبائل تعتبرها مصدر شؤم وجب التخلص منها كما هي عادات العرب قبل الإسلام ، فمن الوأد إلى الجواري و السبايا  لحقت بالمرأة ويلات من الدونية والطبقية في العديد من الممارسات الثقافية
المعادلة الثانية : الرجل + المرأة=  تفوق المرأة
   في ظل الممارسات الدونية على المرأة ينبع تفوقها على الرجل، وهذا ما تحدثت عنه الباحة فاطمة المرنيسي أثناء تحليلها للحكاية الشعبية " كيد النسا كيد الرجال " فأسبقية كيد النسا على كيد الرجال هو دليل على تفوق المرأة على الرجل، وهي نفس الملاحظة في حكاية " ألف ليلة وليلة " فقدرة شهرزاد على وقف نرجسية الملك شهريار في العبث بجسد أنثى كل ليلة وفجرا يستبيح ذمها، وجعله الملك يكف عن القتل نتيجة لدهاء المرأة في المتن الحكائي للحكايات التي كانت ترويها على مسامع الملك شهريار حتى طلوع الفجر.
الرجل  + المرأة =  المساواة
   هي مطلب النوع الاجتماعي في المجتمعات المعاصرة ، فتحقيق المساواة رهين بتغيير البنية الثقافية [عقلية الرجل الذكورية ] لذا الرجل ونظرته للمرأة وهو الأمر الذي تحقق في المجتمعات الغربية، بفضل الوعي الذي تتشكل لذا هذه الفئة، وهو وعي قادته حركات نسائية انتزعت حقوق تم الإقرار بها في دساتيرهذه الدول وتبنتها الأمم المتحدة فأقرت يوم الثامن من مارس يوم لمناهضة كل أشكال الاضطهاد ضد المرأة، واحتفاء بنضالها، لكن الحديث عن أطروحة المساواة في المجتمعات التقليدية كالمجتمع المغربي بعقليته الذكورية أمر صعب، رغم المجهودات التي ححقها المجتمع المذني وتم رفع اللبس عن وضعية المرأة في المجتمع ،لنبد كل أشكال الاضطهاد الذي تعاني منه ، يضاف إلى ذلك جهل النوع الاجتماعي بقضيته ، وهو جهل موجه بفعل ثقافي موروث، لدا فأطروحة المساواة في المجتمعات الذكورية  لا زال يلفها الكثير من الغموض وتتطلب مقاربات مختلفة لتغيير البنية الفعل الثقافي للرجل مادامت المقاربة القانونية قاصرة عن محاصرة الظاهرة .
تحميل المقال : اضغط هنا 
لنشر مقالاتكم على البوابة المرجو ارسالها الى البريد التالي : bisociology@gmail.com



التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

تابعنا على +

من نحن

بوابة علم الاجتماع هي مدونة متخصصة في علم الاجتماع، والأولى من نوعها على المستوى العربي حيث تضم مجموعة من الكتب والمحاضرات وجديد المقالات المتخصصة في علم الاجتماع، ويعمل طاقمها على تجديد محتواها كل ساعة .