بوابة علم الاجتماع | مدونة متخصصة في علم الاجتماع بوابة علم الاجتماع | مدونة متخصصة في علم الاجتماع

آخر الكتب

random
جاري التحميل ...
random

طالب_من_شيعتنا ! - احمد بن عيسى


احمد بن عيسى : https://www.facebook.com/bjhgt
  اجتمع ما يقارب العشرة من الطلبة في محطة الحافلة قرب الجامعة، كانت الساعة تشير إلى الرابعة إلا عشر دقائق، لكن لا أثر للحافلة التي ينبغي أن تقلهم إلى المدينة!
لم ينتظر المراقب تجرُّأ طالب عليه فبادر:
 لا وجود للحافلة اليوم!!

وسكت!
هذا الكلام يعني: اذهبوا إلى المحطة الأخرى، لتستقلوا حافلة أخرى، إلى مدينة أخرى!! ومن ثَمَّ توجهوا إلى بلدتكم في ناقلة أخرى!!!
نكس الطلبة رؤوسهم وانصرفوا دون إزعاج المراقب في عمله!! من بين هؤلاء الطلبة الدارسون في كلية الحقوق!! ومنهم الدارسون في كلية الآداب والعلوم الإنسانية!!
 ولسنا ندري أي حقوق يدرس هؤلاء وأي آداب؟ وحقوقهم تهضم على مرأى من الخزي، وعلى مسمع من الذل!

لم تطل المدة، وكنا ما يقارب الخمسة طالبا في المحطة مرة أخرى!
-أيها المراقب، أين الحافلة؟! صاح "طالب من شيعتنا"!
-لا وجود للحافلة اليوم.
وسكت!
-لماذا؟
-لأن جل الطلبة قد انصرفوا.
-انصرفوا أم أنت الذي صرفهم؟!
-تتهمني بالكذب! تتهمني بالخداع! أنا رجل شريف يمارس مهنة شريفة! بأي ح..
 -اصمت أيها الأبله، تداهنون رؤساءكم على حسابنا دون خجل! تريدون الارتقاء على حساب أكتافنا الضعيفة!! فجرها في وجهه دون أن يرف له جفن.

ذلك أن الطالب في بلدنا الجميل شخص أعزل أمام جبار يمتلك أخطر أنواع الأسلحة وأفتكها، يقذفه بها عند كل مناسبة! وعند أول فرصة.
 إن هذا الجبار يتحربأ كل يوم في لون، إذ هو قد يتقمص شخص الدولة أحيانا أو شركة رأسمالية شجعة تارة، أو صفة مسؤول متعجرف لا هم له إلا أمعاءه مرة!!

طال الجدال وتشعبت أسبابه بين "الطالب من شيعتنا" والمراقب، ظل المسكين وحده في وجه العاصفة!
يرفع عقيرته ويخبره أن للشركة جدولا زمنيا يتوجب عليها الالتزام به في أي ظرف كان، حتى وإن كان في المحطة نصف طالب!
لكن صاحبنا المراقب صخرة صماء من جبل كِلْسِيٍّ في غرب المريخ!! إذ إن الحوار عقيم منذ بدئه! انظر إلى هذا الطرف الضعيف إنه طالب جامعي، يتحدث بلغة المنطق، يحاول إقناعه بما تعهدته الشركة على نفسها من التزامات، لكن توقف وانظر إلى الجهة الأخرى، تلك الحزة الموجودة في الخد الأيسر للمراقب ماذا تكون؟ إنها أثر طعنة سكين معتقة!
ما الذي يعنيه هذا برأيك؟! يعني أن للمراقب ماض دموي، كان في ما مضى أشبه بقاطع طريق جاهلي! إذ ما الذي يمكن أن يعشش داخل تلك الجمجمة غير لغة السب والشتم والحشيش والكوكايين؟!!!
إن عقلية هذه الشركة عقلية فاسدة خبيثة من أصلها، ليس همها عمل المراقب بقدر ما هو همها إدخال الرعب في روع المستفيدين بالدرجة الأولى! يؤرقها أن يطالب كائن ما بحق ما! 
 فقط همها قمع المشاغبين العزل المطالبين بآخر رمق في حقهم الشاحب! أجد هذه العقلية تشبه عقلية التماسيح والعفاريت في كثير من النواحي، إذ المراقبون هنا بزي موحد فاقع اللون، وماض أسود كالح، تماما كما هو الأمر بالنسبة للمسؤولين في الدولة، إذ نجد زيهم أسود كالحا، يعززه ماض فاسد بشع، كله اختلاسات واستنزافات لثروات البلاد والعباد!!!

لم يطق "الطالب من شيعتنا" هذا الجدال العقيم مع تلك الكومة من الجهل المركب، أومأ لنا أن لا جدوى! فانصرفنا إلى المحطة الأخرى.
صعدنا الحافلة، والغصة تملأ القلوب والحناجر.
لا حاجة لوصف الحافلة، إذ هو أمر معلوم من التخلف بالضرورة! في وسطها حيث العمود، يتكئ شاب في مقتل العمر، قدرتُ سنه فكان في حدود نصف العقد الثاني، شاحب اللون أسمره، غارق العينين، حاد الأنف، ناتئة هي عظام خديه، مشغول الفم واليدين! لو جاز تسمية وجوه الناس بأسماء البلدان، لم يكن ليصدق عليه اسم غير المغرب!!
إن المقاعد كلها ممتلئة، حاولنا تناسي الغصة، فأخذنا نتجاذب أطراف الحديث، أو لعله هو الذي كان يتجاذبنا دون أن ندري، سمعت خشخشة مرتفعة أثناء فترة الصمت التي كانت تسود، بعفوية حانت مني نظرة إلى الشاب، الصوت المزعج صادر عنه إذن! تلقائيا نظرت تجاه أرضية الحافلة، ندت عني ابتسامة خلاصتها نيف وعشرون سنة من الخزي المعتق! نظرت إليها فوجدتها تبتسم هي الأخرى!
كانت الأرضية تحت قدميه مفروشة بقشور حبات دوار الشمس!!
-من يقرأ أفكار الآخر؟! قالت والابتسامة ما زالت مرتسمة على محياها.
 -لست أدري، ربما نقرؤها معا، أو كل منا يقرأ ما يدور في جمجمة الآخر في نفس اللحظة!

ما زالت الخشخشة مستعرة!
ابتسامات أخرى..
خشخشة!
ابتسامات!
خشخ...
 ابتس...

-إنها العفوية. قلت دون مبالاة.
- هذه ليست عفوية.
-ماذا تكون إذن؟
 -إنها اللامبالاة.

صادف تصحيحها لحاله هوى في نفسي واقتناعا؛ حيث إنه بالفعل لم تند عن الشاب أية التفاتة رغم أن كلامنا حوله يخترق طبلة مسامعه! كما أنني أدركت في لمحة ذل سر تجرؤِ المراقب علينا دون أن تضطرب له خفقة.
  1. احسنت بالتوفيق عزيزي

    ReplyDelete
  2. احسنت بالتوفيق عزيزي

    ReplyDelete

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

تابعنا على +

من نحن

بوابة علم الاجتماع هي مدونة متخصصة في علم الاجتماع، والأولى من نوعها على المستوى العربي حيث تضم مجموعة من الكتب والمحاضرات وجديد المقالات المتخصصة في علم الاجتماع، ويعمل طاقمها على تجديد محتواها كل ساعة .