بوابة علم الاجتماع | مدونة متخصصة في علم الاجتماع بوابة علم الاجتماع | مدونة متخصصة في علم الاجتماع

آخر الكتب

random
جاري التحميل ...
random

العامل الثقافى: إسهام ماركس وخطأ غرامشى

العامل الثقافى: إسهام ماركس وخطأ غرامشى
” ليست الضرورة عمياء إلا ما دامت غير مفهومة. الحرية هي فهم الضرورة“- فريدريك إنجلز
مقدمة
أود أن أبدا بتحذير (
caveat) حول التعامل مع كلمة (خطأ) الواردة فى عنوان هذا المقال الذى يقدم تحليلاً لتعارض نظرة غرامشى لمفهوم "الضرورة-necessity" مع الماركسية. وتعريف غرامشى للمفهوم المتعارض كلياً مع الماركسية هو تعبير عن موقف طبقى محدد. ولكن، إذا وضعنا الغلطات العادية(commonplace) جانباً، فإن مواقف الطبقات الفكرية والسياسية لا تعتبر أخطاء، بل أشياء طبيعية تنسجم مع مصالحها. ولكن لكى نصل لتحديد دقيق لموقف غرامشى الطبقى فقد نحتاج لتحليل شامل لنشاطه السياسى والفكرى خلال كل سنوات حياته؛ وبما أن المقال لا يضطلع بمثل هذا التقصى المستفيض فقد تعمد الكاتب الإكتفاء بإستعمال كلمة خطأ فى العنوان فى وصف مفهوم غرامشى "للضرورة" الجانب الوحيد تحت النظر هنا. وليس الغرض من هذه التوطئة التقليل من مفهوم "الضرورة" التى تحتل أهمية مركزية فى الفكر الماركسى، ولهذا فإن هذا المقال يهدف الى أن عرض غرامشى لها فى تصور مثالى يتناقض تناقضاً جذرياً مع الديالكتيك المادى.
المقال
كارل ماركس هو أول من اشار إلى الهيمنة الفكرية للطبقة الحاكمة على كل المجتمع بقوله : ” إن أفكار الطبقة الحاكمة هى فى كل عصر الافكار الرائجة أيضاً، اى أن الطبقة التى تمثل القوة المادية المسيطرة فى المجتمع هى أيضاً القوة الفكرية السائدة. إن الطبقة التى تملك وسائل الإنتاج المادية تسيطر فى نفس الوقت على وسائط الإنتاج الفكرى، وبالتالى فان أفكار اؤلئك الذين يفتقرون الى تلك الوسائط تخضع، بشكل عام، لهيمنة وجهات نظر تلك الطبقة. وليس الافكار السائدة شيئاً آخر سوى التعبير المثالى (
ideal) عن العلاقات المادية المهيمنة، أى: تلك العلاقات مُعبر عنها كأفكار. وبكلام آخر، فهى أفكار سيطرتها. إن الأفراد الذين تتالف منهم الطبقة الحاكمة ...بقدر ما يسودون كطبقة ويحددون مدى العصر وإتساعه، فمن البديهى أن ينجزوا هذا التحديد بابعاده الكاملة، وهكذا فإنه ضمن أشكال سيطرتهم فإنهم يحكمون كأناس مفكرين أيضاً، كمنتجين للافكار، ويقومون بتنظيم ونشر افكار زمانهم: وبالتالى فإن أفكارهم هى افكار العصر السائدة.“- الآيدولوجية الالمانية.

كما يوضح ماركس فى "البيان الشيوعى" العلاقة بين الأفكار ونمط الإنتاج فى كل حقبة تاريخية: ” وهل من حاجة إلى نظر ثاقب لإدراك انه مع تغير اوضاع الناس المعيشية وعلاقاتهم المجتمعية، وحياتهم الإجتماعية، تتغير أيضاً تصوراتهم ومعتقداتهم ومفاهيمهم، وبكلمة: وعيهم. وهل يُبرهِن تاريخ الأفكار على شيء سوى أن الإنتاج الفكري يتحوّل بتحوّل الإنتاج المادي ؟ فالأفكار التي سادت عصرا من العصور، لم تكن قطّ إلاّ افكار الطبقة السائدة. فعندما يتحدث الناس عن أفكار تقود إلى تثوير مجتمع بأسره، فحديثهم يعبر فقط عن حقيقة أن عناصر مجتمع جديد قد تكونت في عقر المجتمع القديم، وأن انحسار الافكار البالية يواكب انحلال الأوضاع المعيشية القديمة. فحينما كان العالم القديم يتهاوى انتصر الدين المسيحي على الأديان القديمة، وحينما غُلبت الأفكار المسيحية على أمرها، في القرن الثامن عشر أمام أفكار التنوير، كان المجتمع الإقطاعي يلفظ أنفاسه الأخيرة في صراعه مع البرجوازية، الثورية آنذاك. ولم تكن أفكار حرية المعتقد والحرية الدينية إلاّ تعبيراً عن نظام المزاحمة الحرة (
laissez faire) في مجال المعرفة.“

ومضت الماركسية تضع دور الأفكار فى تغيير المجتمعات فى مكانها الصحيح. يقول انجلز : ” تبعاً لتفسيرنا المادى للتاريخ، فإننا نعتبر أن العامل النهائى الذى يقود التاريخ هو إنتاج وإعادة إنتاج الحياة الحقيقية. إننا لم نؤكد، لا ماركس ولا أنا، شيئاً آخر. ولكن إذا نسبوا إلينا أن العامل الإقتصادى هو العامل الوحيد الذى يقود كل شيء فيكونوا قد حولوا مقولتنا لجملة جوفاء، مجردة، لا معنى لها. إن الوضع الإقتصادى هو الأساس، ولكن مختلف مقومات البناء الفوقى وهى الأشكال السياسية، الدساتير، الأشكال القانونية، النظريات السياسية والفلسفية والمعتقدات الدينية وتحويلها فيما بعد إلى مذاهب عقائدية تؤثر بدورها على مجرى الصراعات التاريخية. هنالك تفاعل بين كل هذه المقومات ... التى من بينها يبرز العامل الإقتصادى أخيراً كعامل حاسم.“ وهذه المقولة لإنجلز تعنى أن دور العوامل الثقاقية المختلفة يتمظهر فى شكل الصراع السياسى الذى يحسمه فى النهاية العامل الإقتصادى.
إذن الأفكار ليست سلبية (
passive)، أى إنعكاس سلبى للواقع المادى. فالأفكار تعود للتأثير على ذلك الواقع. ولكن هذا التأثير يكون مشروطاً بقابلية العلاقات المادية السائدة لإستيعاب تلك الأفكار، بالإضافة الى وجود عدد كاف من الناس مستعدة عقولهم لقبولها. ولكن الافكار، كما يقول ماركس فى كتاب "العائلة المقدسة" : ” لا يمكن مطلقاً أن تقود الى تجاوز نظام العالم القديم، بل تجاوز أفكار نظام العالم القديم فقط. لا يمكن للأفكار أن تنفذ أى شىء على الاطلاق. ومن أجل تنفيذ الأفكار يحتاج الناس إلى من ينظم قوة عملية.....“، وفى هذا إشارة الى أهمية الممارسة العملية كأداة لمعرفة العالم وتغييره.

وكمثال لتوضيح عجز القدرة التنفيذية للأفكار، فإن الثورة الفرنسية (سقوط الإقطاعية ) فى القرن الثامن عشر لم تتسبب فيها أفكار فلسفة الأنوار إذ أن مسببات الثورة كانت متجذرة فى الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية فى فرنسا ومستوى تطور تناقضاتها آنذاك....وكل ما فعلته فلسفة الأنوار هو تهيئة الناس للقيام بالثورة بتسهيل مهمة إدراك "الضرورة". و"الضرورة" هى المفتاح فى عملية التغيير؛ فالنظام القديم يسقط ويفسح المجال لشكل جديد من الحكم عندما تنعدم فيه أى نافذة لتطوير القوى المنتجة واصبح غير قادر على الحكم بعكس التصور المثالى المطلق لمفهوم "الضرورة"، الذى يربطها بحرية الإرادة والاختيار لدى الفرد، فالمادية تنظر لها وفق شروط ومحددات يفرضها العالم الواقعى.
إن فكرالأنوار نفسه ما هو إلا إنعكاس للواقع الإجتماعى-الإقتصادى فى أوربا آنذاك . فمادية القرن الثامن عشر لم تكن الأداة التى قضت على الإقطاعية، بل تجاوزت الافكار المثالية وغيبيات القرن السابق ولم تكن نفسها إلا نتاجاً للحياة المادية السائدة. قدم ماركس، فى "العائلة المقدسة"، شرحاً لهذه العلاقة بقوله: ” إن سقوط ميتافيزيقا القرن السابع عشر يمكن أن يفسر بالنظرية المادية للقرن الثامن عشر فقط بقدر ما تفسر تلك الحركة النظرية نفسها بالطبيعة العملية للحياة الفرنسية آنذاك. فحينها إتجهت تلك الحياة إلى الحاضر المباشر والمصالح الدنيوية والعالم الأرضى. إن النشاط العملى المادى لتلك الحياة المعادى للميتافيزيقا واللاهوت تطلب أن تقابله نظريات معادية للميتافيزيقا واللاهوت....“
إذن " الضرورة الإقتصادية" هى ما يحدد التغيير. ولكن الأنظمة لا تتغير بصورة ميكانيكية كالثعبان يغير جلده إذ أن الصراع الطبقى، وهو صراع سياسى، هو الرافعة وراء التغيير. وهنا يأتى دور الممارسة العملية: العامل الذاتى او الفاعلية الإنسانية ”
human agency.“
وأهمية العامل الذاتى تتجذر فى المادية الجدلية التى تميزت عن كل المادية القديمة، وبخاصة فى شكلها الاعلى الذى مثلته فلسفة لودفيغ فيورباخ، بتبنيها المنطق الديالكتيكى (خلافاً للمنهج الميتافيزيقي) وإعتبار أن وعى الناس لا يتم يتم بصورة ميكانيكية أو جبرية. فالمادية القديمة لأنها ميكانيكية فصلت الواقع عن دور النشاط الإنسانى وبالتالى إعتبرت أن المجتمع ينقسم إلى قسمين، قسم تمثله نخبة تعمل بالتربية الخاصة بإحداث التغيير فى أحوال المجتمع وقسم ثانى يتكون من جمهور الجهلة السلبى الذى عليه الإذعان لمشيئة المربين؛ ولكن هذه النظرية للمادية القديمة التى تقر بان الناس هم نتاج الظروف ” تنسى أن الناس هم من يغير الظروف وأن المربي هو نفسه بحاجة للتربية..“ وإن ” مطابقة تغيُّر الظروف للنشاط الإنساني أو تطوير الذات مسألة لا يمكن تصورها اوفهمها فهما عقلانيا إلا بوصفها عملا ثوريا .“ - ماركس "أطروحات حول فيورباخ".
وهكذا فإن فيورباخ لم يصل إطلاقاً للإنسان الحقيقى لانه، كما ذكر ماركس فى مؤلف "الآيدولوجية الألمانية"، ” كان يرى الإنسان موضوعاً للحواس (
object of senses) ولم ينظر له على أنه كيان نشط فى تغيير الواقع المادى (sensuous activity) “- بمعنى أن صلة الإنسان بالعالم الخارجى تاتى فى شكل نشاط حسى وتاملى لا فى صورة نشاط عملى. وهكذا إنطلق فيورباخ من الإنسان المجرد خارج وسطه الإجتماعى؛ وبالتالى فهو إنسان لا تاريخى ومنظور له بمعزل عن نشاطه العملى. وبذلك إنتهى فيورباخ لنفس المستوى الذى وصل له ماديو القرن الثامن عشر وتحولت مفاهيمه إلى مفاهيم مثالية أساسها أن الإنسان بقوة خياله يمكنه تجاوز الواقع الحياتى الملموس ويتحول إلى كائن حكيم يقف فوق العالم وبالتالى فإن هذه النزعة الروحية الجديدة سوف تدفع الناس وتحفزهم إلى العيش فى ترابط وإتحاد جماعى.
وهكذا بعكس التصور الإرادى المثالى الذاتى الذى يعتبر تحول الضرورة الى الحرية تحققه الإرادة البشرية وحدها والقَدَريَّة التى تعتبر أن تغير وتحول كل شيء يتوقف كلياً على الضرورة، فإن المادية الجدلية ترفض الفصل الميتافيزيقى بين الضرورة والحرية لهذين التصورين، وتنادى بأن الحرية لا يمكن أن تتعدى الضرورة بل المطلوب هو معرفة قوانينها وإخضاع وتخصيص (
appropriation) الإنسان لهذه القوانين لخدمة أهدافه.
إذا إنتقلنا لغرامشى، فسنجد أن نظرته لمفهوم "الضرورة" مغايرة تماماً لما تقدم.
يقول غرامشى فى " دفاتر السجن" ” ان تغيير التوازن فى المجتمع لا يحدث نتيجة أسباب مباشرة ميكانيكة مثل إفقار الفئة الإجتماعية التى تريد كسر التوازن. إنه يحدث فى إطار صراعات توجد فى مستوى أعلى من الواقع الإقتصادى المباشر، صراعات تتعلق بالإمتيازات الطبقية وشهوة الحكم والسلطة.....إن الصعوبات الإقتصادية كمسبب لضرورة ظهور واقع جديد هى مسألة جزئية ضمن الصورة الكلية لعلاقات القوة فى جميع المستويات.....وعليه يمكن القول أن تلك العلاقات هى الأرضية االتى يتم فيها الإنتقال من الواقع الإقتصادى المباشر إلى علاقات ذات طابع سياسى.“ فغرامشى يؤكد هنا ان السياسة هى التعبير عن مقومات البناء الفوقى مفارقاً المبدأ الماركسى: ”السياسة هى التعبيرالمكثف عن الاقتصاد.“ ومقومات البناء الفوقى عند غرامشى تشتمل على البناء التحتى (العلاقات الإقتصادية) كما يتضح من الفقرة التالية.
ويمضى غرامشى ويقلب بدرجة مقدارها مائة وثمانين درجة مبدأ "الضرورة" التى يمثل إدراكها مدخلاً لتحرر العمال يتحقق فى مجال العلاقات الإنتاجية والطبقية السائدة فى المجتمع، وليس نتيجة لوجهة نظر هذا المثقف أو ذاك. فالتغيير موضوعى وحالة الإنتقال من نظام لآخر لا تنفذه الأفكار التى يقتصر دورها بعد تجاوزها "أفكار نظام العالم القديم" على التنوير الذى يؤدى لوعى الضرورة، والمبدأ اللينينى ” لا حركة ثورية بدون نظرية ثورية“ يقدم تلخيصاً لهذه الفكرة. فغرامشى يذكر فى الدفاتر ان النقد ” فى شكل التطهر الفكرى يمكن أن يستخدم للإشارة إلى الإنتقال من المضمار الإقتصادى الصرف الى اللحظة السياسية الأخلاقية، أى البسط الأعلى للبنية التحتية على البنية الفوقية فى عقول الناس. وهذا يعنى الإنتقال من الموضوعى الى الذاتى ومن الضرورة الى الحرية.“ ويعتبر غرامشى أن تحول (
mutation) البنية التحتية يتسبب فيه نخبة من المثقفين العضويين تكون مهمتهم إيجاد صلة عضوية بين الكتلتين التحتية والفوقية. ونتيجة لتبلور البنية التحتية فى البنية الفوقية يمضى قائلا ” لم يعد توالد الفكر والأفكار، فيما يخص حيز الحرية، يحدث فى مضمار التناقضات والصراع.“ هذه المقولة تقلل من مسألة "الحتمية" التى تعنى، إنطلاقاً من المادية الجدلية، وجود شروط مسبقة تحدد حدوث الظواهر الإجتماعية. فوفق المادية الجدلية فأن الناس هم صانعوا التاريخ ولكنهم لا يصنعونه " على هواهم" وهذا عكس الإرادية التى ترى أن الناس قادرون على تحديد مصيرهم حسب مشيئتهم والقَدَريَّة التى تسلب الإنسان القدرة على التصرف بحرية.
غرامشى كتب دفاتر السجن خلال الفترة 1929-1935 ونشرت فى الخمسينات وترجمت الى الإنجليزية فى السبعينات من القرن الماضى. ولم يذكر غرامشى الغرض المحدد من الدفاتر. والشيء الملاحظ أن "دفاتر السجن" لم تجد الإهتمام بها ونكتها إلا مؤخراً وأغلب من جذبتهم افكاره هم المنحازون الى أن الثقافة هى مصدر البنى السياسية والقانونية .....الخ، وهذا ليس غريباً لأن خلاصة أفكار غرامشى هى إستبدال الضرورة بالمثقف العضوى والكتلة التاريخية. وهذه الخلاصة حماها غرامشى بتفاصيل دقيقة (
minutiae) شملتها أكثر من ثلاثين دفتراً! وإن إهمال غرامشى " للضرورة" هو بمثابة نكران حقيقة أن الطبيعة والمجتمع يسيران وفق قوانين باطنية عامة. فالصراع فى الراسمالية يحركه تناقض جوهرى(عدائى فى النهاية) فى المصالح الإقتصادية بين رأس المال والعمل المأجور يجد تعبيره فى السياسة والثقافة؛ فالراسمالية تخضع النشاط السياسى والعمل الفكرى لتكريس سيطرتها. وهكذا فإن الافكار السائدة في أى مجتمع هي افكار الطبقة الحاكمة، وعليه فإن "الضرورة" لا تكون فى إطار البناء الفوقى، بل فى الواقع الإجتماعى/ الإقتصادى. وإدراك "الضرورة" يتحقق بالنقد الثورى الذى يعتمد على افكار " تتجاوز الافكار القديمة" لإحداث التغيير بالقضاء على الواقع الإجتماعى/الإقتصادى الذى يكرس العلاقات التى تعيق تقدم المجتمع.
لمَّح غرامشى فى الدفاتر إلى انه يسعى لتطوير مفهوم لينين لدور المثقف فى التغيير؛ ولكن الإختلاف بين الرجلين فى هذا المضمار جوهرى. فلينين لم يعتبر الثقافة غير أنها تخدم الهدف السياسى المتعلق بالتغيير، فهو لم يدعو لضرورة وجود المثقف العضوى، كما فعل غرامشى، الذى تكون مهمته قلب الكتلة الثقافية المحافظة التى تخدم الطبقة السائدة، بل المثقف الذى يفهم أن التغيير من مرحلة لأخرى هو، فى التحليل النهائى، نتاج الظروف الإقتصادية. فالذى يحدد طبيعة أى تشكيلة إجتماعية/ إقتصادية هو قوى الإنتاج التى يكون تطورها عبر الزمن متوقفاً على الثورة التى تحدث التغيير فى علاقات الإنتاج. فعندما تصل قوى الإنتاج ” إلى درجة معينة من تطورها تدخل فى صراع مع علاقات الإنتاج، أى علاقات الملكية بالتعبير القانونى، التى تعمل فى نطاقها حتى ذلك الحين......فعلاقات الإنتاج تتحول من أشكال تعمل على تطور قوى الإنتاج الى أغلال تقيد تطورها ....حينها يبدأ عصر من الثورة الإجتماعية، وبتغير الأساس الإقتصادى يتغير البناء الفوقى الهائل “- ماركس "الآيدولوجية الالمانية".
وهكذا لان لينين مادى فإنه يعتبر المثقف هو من يعى أولاً، أن الإنسان ينتقل من حيز الضرورة الى حيز الحرية عنما يكون مدركاً لطبيعة المرحلة التى يعيشها وتناقضاتها وبالتالى مستشرفاً لملامح المرحلة التى تعقبها، وثانياً، أن التغيير الجذرى للقاعدة الإقتصادية هو ما يؤدى إلى تحول كامل فى الأنظمة السياسية والثقافية والفنية...الخ، وليس العكس.
نقطة اخيرة نختتم بها رأينا فى تصور غرامشى حول "الضرورة" وبالتالى التغيير، هى أن نظرية غرامشى محورها التجربة الشيوعية الأوربية (
Europe- centric)، وليس هذا فى حد ذاته مشكلة، ولكن المشكلة فى إهماله لطبيعة الدولة فى الغرب ونزوعها، بحكم "الضرورة الإقتصادية"، منذ نهاية القرن التاسع عشر فى التوسع ذو الطابع الإمبريالى (المختلف عن نظام السيطرة الإستعمارية القديمة). فمنذ ذلك التاريخ أصبح التاريخ تاريخاً عالمياً. وقد أدى هذا الى ظهور أنظمة كمبرادورية تابعة فى الدول الطرفية تتمتع بدعم النظام الإمبريالى العالمى الذى، حماية لمصالحه، يطلق يدها فى حكم شعوبها باقصى درجات البطش وسلبها أبسط الحقوق السياسية والإقتصادية. وعليه فإن المسالة الرئسية فى البلدان الطرفية هى تحرير الدولة من قبضة التبعية، ومن العبث فى هذه الحالة التعويل الصبيانى على تربية مثقفين عضويين يقودون معركة مواقع للهيمنة على البناء الفوقى للدولة؛ إن هذا التصور لا يمكن أن يكون بديلاً للتثقيف التنويرى الداعى للقيام بالثورة التى تستهدف جهاز الدولة البيروقراطى الذى تقف وراءه طبقة الكومبرادور وإقامة سلطة وطنية/ديمقراطية محله. والثورة فى هذه الحالة ملاحة فى بحار صعبة تتطلب النشاط السياسى الذكى الذى مهما تقلب فى التكتيكات لا يغيب الهدف النهائى عنه مطلقاً.
والتجارب التى مرت بها الأحزاب الشيوعية فى بعض الدول الطرفية تقف شاهدا على خطورة تحقيق التغيير الهادف للسيطرة على جهاز الدولة عبر مختلف السياسات التى تعطى الأولولية للعامل الثقافى على المادى؛ والتجربة الأندونيسية هى الأكثر ماساوية فى هذا المضمار:
إعتبر الحزب الشيوعى الأندونيسى أن قوته تكمن فى تعظيم الكثافة العددية لعضويتة (قدرت عضويته بعشرين مليون شخص فى 1965). إخترع الحزب نظرية الوجهين للسلطة السياسية (
theory of two aspects in state power)، وهذه النظرية، بإختصار، غير علمية وذاتية (بعيدة كل البعد عن النظرية الماركسية- اللينينية حول الدولة) إعتبرت أن للدولة الأندونيسية الكومبرادورية وجهان: وجه مناصر للشعب (pro-people) وآخر معاد له (anti-people)؛ وعليه فإن مهمة الحزب إحداث التغيير فى جهاز الدولة بتنمية الجانب الداعم للشعب. نتيجة لهذا الوهم، الذى اسقط مفهوم الدولة كجهاز طبقى معادى للشعب، قتلت السلطة عندما حانت لها الفرصة ثمانمائة ألف من اعضاء الحزب الشيوعى الأندونيسى وانصارهم خلال الفترة 1965-1968، بمساعدة التنظيمات الإسلامية وتحت الإشراف الأمريكى، فى أسوا إبادة جماعية سياسية (politicide) فى القرن العشرين.


التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

تابعنا على +

من نحن

بوابة علم الاجتماع هي مدونة متخصصة في علم الاجتماع، والأولى من نوعها على المستوى العربي حيث تضم مجموعة من الكتب والمحاضرات وجديد المقالات المتخصصة في علم الاجتماع، ويعمل طاقمها على تجديد محتواها كل ساعة .