الثلاثاء، 24 مايو 2016

بدون شك أضحت وسائل الإعلام اليوم السمة الجوهرية التي تميز المجتمعات الحديثة، ما جعلها تكون محل دراسة وتمحيص مجموعة من التخصصات، كان علم الاجتماع من أوائل المنظرين لطبيعة هذه الوسائط منذ ظهورها.
هؤلاء أبرز من وضعوا تصورات اجتماعية مبكرة عن الإعلام.
مارشال ماكلوهان: الوسيلة الإعلامية هي الرسالة نفسها
يعد العالم الكندي ماكلوهان من أوائل المنظرين للإعلام، طور أفكاره انطلاقا من رفيق بلده هارولد إينيس، الأخير الذي اعتبر أن وسائل الاتصال والإعلام ليست أمرا جديدا على الحياة البشرية، مستدلا بذلك على الكتابات الهيروغليفية المنقوشة على الحجر في الحضارات القديمة، والتي لا زالت على حالها منذ آلاف السنين، وإنما الجديد حسب نظرته هو التحول النوعي في وسائل الاتصال والتواصل، حيث أصبح للإعلام الجماهيري قدرة هائلة على الانتشار، مما يكسبه قدرا كبيرا من التأثير.
غير أن ماكلوهان لم يكتف فقط بفكرة الاختلاف النوعي لوسائل الاتصال القديمة والجديدة، بل اعتبر أن كل وسيلة إعلامية معينة، تلفاز، إنترنت، إذاعة، صحيفة… هي بحد ذاتها رسالة، إذ أن اختلاف نظام تلقي المضمون من قبل المستقبل من وسيلة لأخرى، يتسبب بدوره في اختلاف استيعاب الفكرة المرسلة، الأمر الذي يؤدي في الأخير إلى اختلاف جوهري في تجارب الحياة العقلية بين أشخاص أو مجتمعات تعتمد على التلفاز أساسا في تلقيهم المعلومات عن أشخاص آخرين يستعملون بدل ذلك الصحيفة أو الإنترنت مثلا.
يورغن هابرماس: الإعلام وصناعة الرأي العام
يشتهر الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني هابرماس بأنه هو من نحت مفهوم “المجال العام”،  ويمثل المجال العام حسبه حلبة النقاش العام التي تدور فيها المساجلات، وتتشكل فيها الآراء والمواقف حول القضايا التي تجسد اهتمامات الناس وهمومهم.
و يرجع هابرماس نشوء المجال العام أول الأمر في الصالونات والمقاهي بلندن وباريس ومدن أوربية أخرى، حيث يلتقى الناس هناك ويناقشون قضايا الساعة من خلال ما يقرؤونه في الملصقات والصحف التي بدأت لتوها آنذاك، وقد أدت تلك المناقشات دورا حيويا في تبلور الديموقراطية في مراحلها الأولى، حيث وفرت مناخا ملائما لتداول الأفكار والآراء حول القضايا السياسية.
لكن، في نظر هابرماس، بعد انتشار وسائل الإعلام الجماهيرية  أوشك النقاش الديموقراطي على الاختناق، وأصبح الإعلام يقوم بدور صناعة الرأي العام عن طريق الاستمالة والتلاعب والسيطرة المفروضة عليه، فغدا النقاش العقلاني المفتوح مهيمن عليه ورهين بالمصالح التجارية والاقتصادية بالدرجة الأولى.
يلتقي هابرماس في أفكاره مع مدرسة فرانكفورت، التي قامت بدراسات مكثفة حول ما أسمته “صناعة الثقافة”، والتي يدخل فيها الصناعات الترويجية والترفيهية التي تقوم بها السينما والتلفاز والصحف… وانتشار هذه النوعية من الصناعات بما تنطوي عليه من منتجات سهلة وتنميط، من شأن ذلك أن يقوض قدرة الأفراد على التفكير النقدي ويساهم في اضمحلال الفنون الإبداعية.
·          
·          
جون تومسون: وسائل الإعلام تثري الحياة الإنسانية
ينتقد تومسون أفكار مدرسة فرانكفورت وهابرماس التي تتسم بالنظرة السلبية تجاه أدوار وسائل الإعلام التي تقوم بها، فوسائل الإعلام الحديثة في رأيه لا تحرمنا من فرصة التفكير النقدي، بل إنها في واقع الأمر تقدم لنا أشكالا كثيرة من المعلومات، التي لم يكن بوسعنا الحصول عليها في الماضي.
كما يرفض تومسون التعامل مع المتلقين كمستقبلين سلبيين لرسائل الإعلام، يقول في هذا السياق “إن الأفراد يناقشون رسائل وسائل الإعلام منذ استقبالهم لها، ويحولونها فور ذلك خلال سردهم وإعادة سردهم لها وتفسيرها وإعادة تفسيرها، والتعقيب عليها والسخرية منها أيضا”. وامتلاكنا ، حسب تومسون،  لهذه الرسائل وإدماجها في حياتنا يجعلنا قادرين على تنمية مهاراتنا ومخزوننا المعرفي وإعادة تشكيله، وكذا اختبار مشاعرنا وأذواقنا، وتوسيع آفاق تجربتنا الحياتية.
و خلافا لنظرة هابرماس حول أن وسائل الإعلام تقوض النقاش العام، يذهب جون تومسون إلى أنها تقوم بتوسيع دائرة القضايا العامة وإثرائها، وجعل النقاش بين الناس أكثر ديمقراطية وليس مقتصرا على فئة بحد ذاتها.
جان بودريار: عالم الواقع المفرط
تأثر المفكر الفرنسي المعاصر جان بودريار بأفكار ماكلوهان، حيث يرى أن انتشار وسائل الإعلام الحديثة، لاسيما الإلكترونية منها مثل التلفاز، أدى إلى تغيرات عميقة في طبيعة حياتنا، حيث إن التلفاز لا يعرض لنا العالم أو يعكسه أو يمثله، بل إنه أصبح بصورة متزايدة يحدد لنا ويعيد تعريف ماهية العالم الذي نعيش فيه.
إن ما يعرضه التلفاز من حروب ومجاعات وأحداث وقصص، ليس الواقع الحقيقي كما هو، وإنما ينقل لنا التلفاز ما يسميه بودريار “الواقع المفرط”، الذي يتجسد في ما نشاهده من صور وأحاديث وتعليقات التي يتم انتقاؤها دون القدرة على نقل الصورة الكاملة و”المتواضعة” للحدث.
و بالتالي، حسب بودريار، فإن الناس في عالمنا اليوم الذي تنتشر فيه وسائل الإعلام بقوة لا يعيشون الواقع بقدر ما هم يعيشون الصور والمشاهد التي تبثها وسائل الإعلام المحيطة بهم من كل جانب، هذا الواقع “الافتراضي” الجديد يبني نظامه الخاص بحيث تكتسب أحداثه معانٍ ودلالات من أحداث أخرى قد تكون تم استقاؤها هي أيضا من التلفاز، ليصبح المرء يعيش عوالم متداخلة في عقله متبادلة التأثير بين الحياة الواقعية والحياة  الافتراضية.
وجه جون تومسون أيضا نقدا لبودريار، حيث اعتبر أن تلقي رسائل وسائل الإعلام ما هو إلا شكل من أشكال التفاعلات الأخرى المسيطرة على حياتنا، مثل “التفاعل الوجاهي” الذي نقوم به بشكل مباشر في حياتنا اليومية، و”التفاعل بالوسائط” الذي يتميز بامتداده في الزمان والمكان مثل التواصل عبر الهاتف أو الرسائل الورقية والإلكترونية.

كانت هذه أبرز الوجوه في علم الاجتماع التي نظرت لوسائل الإعلام منذ بدايات نشأتها، أما حديثا فيتناول الباحثون في علم الاجتماع قضايا مرتبطة بالإعلام بشكل مستفيض ومفصل، نظرا لما أصبح للإعلام من أهمية في عصرنا هذا، فنجد موضوعات مثل علاقة الإعلام بالسلطة والسياسة، وآثار وسائل الإعلام الجديدة على حياتنا، وصناعة الرأي العام، وعلاقة المال بالإعلام، وتقنيات الإعلام في التأثير على المتلقين، وغيرها من الموضوعات.
المصدر : www.sasapost.com
مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ بوابة علم الاجتماع | مدونة متخصصة في علم الاجتماع 2018 ©