الأساليب في البحث الاجتماعي

من أجل التعرف على جوانب الظواهر الاجتماعية وتفسيرها, يحاول علماء الاجتماع جمع العديد من البيانات المتاحة عن هذه الظواهر. ولهذا يلجأ الباحثون إلى العديد من الطرق الخاصة بجمع البيانات والتي تتنوع من تدوين الملاحظات أو فحص الوثائق والسجلات أو تسجيل المقابلات إلى استخدام الاستبيان أو الاستمارة. وتنظيم هذه البيانات في شكل جدول أو رسوم بيانية أو رموز إحصائية أو في شكل قصص تفسيرية. وأيا كان الشكل الذي تنظم فيه هذه البيانات فإن البيانات يجب أن تظهر في شكل مكتوب لدعم أو تحصين الفروض وتعطي تفسير للظاهرة محل الدراسة.(جلبي,522:1983).


فهناك أسلوبان متمايزان في البحث الاجتماعي, يختار الباحث منهما ما يراه مناسباً لبحثه من الناحية العلمية. هذان الأسلوبان هما الأسلوب الكمي والأسلوب الكيفي. ويمكن في بعض البحوث ونظراً للاعتبارات تتعلق بها وبظروفها الجمع بين الأسلوبين. حتى تتم الفائدة بالحصول على ميزة كل منهما. ولكن هذا الجمع لا يصنع أسلوباً ثالثاً, لأنه ليس مزجا ينتج عنه أسلوب يختلف تماماً عن الأسلوب الكيفي وعن الأسلوب الكمي. وكما أنه من الخطأ اعتبار الاتجاه منهجا, كما هو شائع بينهم.(الساعاتي,162:1982).


والخطأ الأفدح أن يتراءى لبعض الباحثين, أن يزعموا أنهم يبتكرون أسلوباً جديدا للبحث, إذا جمعوا بين الأسلوب الكيفي والأسلوب الكمي في أسلوب ثالث يسمونه الأسلوب التكاملي, أو المنهج التكاملي على حد تعبيرهم. والمعروف أن التكاملية تعني تركيز البحث العلمي الاجتماعي في المظاهر السلوكية والاجتماعية والثقافية والأساسية, وذلك بقصد فهم جميع المسائل الهامة المتعلقة بماذا, وكيف , ولماذا , عن الإنسان, والسلوك البشري, والحياة الاجتماعية الثقافية في مظهريها البنائي والفعلي, أي النشيط. فالتكاملية نوع من التناول العلمي للواقع الكلي والصحيح للطبيعة الحقيقية للبشر, والواقع الاجتماعي الثقافي. وهي التي تؤدي إلى صياغة النظريات الاجتماعية الكبرى. وهكذا يتضح أن التناول التكاملي ليس منهجاً وليس أسلوباً علمياً في البحث, كيفيا كان أو كمياً. والصحيح أن يقال إن بعض البحوث الاجتماعية يمكن تناولها على أساس تكاملي, باستخدام أحد الأسلوبين الكيفي أو الكمي, أو باستخدام الأسلوبين معاً , وذلك وفق متطلبات كل بحث.(الساعاتي,162:1982).


الأسلوب الكيفي في البحث الاجتماعي

يعني الأسلوب الكيفي في البحث العلمي في إطار المنهج التجريبي, التركيز في معالجة التجارب الواقعة والأحداث الجارية, سواء في الماضي أو الحاضر, على ما يدركه الباحث منها ويفهمه, ويستطيع تصنيفه, ولمح العلاقات التي يمكن ملاحظتها ملاحظة عقلية. وهذا الأسلوب هو الذي اعتمد عليه كبار المنظرين في العلوم الاجتماعية, وهدوا به إلى صياغة نظريات ووضع قوانين اجتماعية استقروها من العديد من الوقائع والأحداث التي وقعت في الماضي أو الحاضر على شكل تجارب طبيعية, أي لم تتدخل فيها الصنعة البشرية. وقد يكون وقوعها في مجتمع واحد, فيكون التنظير الاجتماعي في الغالب, في إطار الثقافة السائدة فيه؛ أو يكون وقوع هذه الأحداث والوقائع في عدة مجتمعات تربطها ببعضها بعض روابط قومية, فيكون التنظير في هذه الحالة في إطار الثقافة الشاملة في هذه المجتمعات. وهنا تصبح مساحة مجالات البحث البشري والمكاني والزمني شاسعة جدا؛ وما على الباحث إلا أن يلتقط ما يتعلق ببحثه من بيانات اجتماعية , بالقدر الذي يكفيه إدراكاً وفهما واستلالاً أو استنباطاً. والذي يحدث تماما هو أن الباحث يعيش بفكره وسط جميع الصور الاجتماعية التي تكون قد امتلأت بها حافظته, ويعايش بذهنه ما بينها من تفاعلات متبادلة, تؤدي إلى نتائج ذات صورة اجتماعية ثانوية مترتبة عليها, ثم يلمح بعقلة العلاقات الظاهرة والباطنه, ويستشف بذكائه الاجتماعي وحدسه المعرفي مختلف المفهومات وشتى الفروض, التي تجعل تفسير ما يلمح وما يستشف طيعا, وتؤدي به إلى تحقيق أهدافه من بحثه. هذه العملية الفكرية الكبرى وما تتضمنه من عمليات ذهنية تبين مدى صعوبة الأسلوب الكيفي, وتكشف سر ما نجده من اختلاف بين العلماء في القدرة على التنظير السليم.


كما أن الأهمية البالغة للطريقة التاريخية كمصدر عام فسيح, ولطريقة دراسة الحالة كمصدر خاص محدود, بالنسبة للباحث الذي يستخدم الأسلوب الكيفي. فحقائق الماضي هي الميدان المشترك بين التاريخ من جهة وعلم الاجتماع من جهة أخرى. حيث يمثل تاريخ أو دراسة الحالة الخبرات والتجارب القيم والأفكار, سواء التراثي منها أو الملتقط بالممارسة الشخصية, التي يتمسك بها الشخص أو مجموعة أو هيئة, كما يفسرها كل من الثلاثة, وهي عرض أمين مخلص(ويفترض أن يكون صادقا) لخبرات صاحب الحالة قيد البحث وتجاربه وتفسيراته للعالم الذي يعيش فيه. والباحث الاجتماعي الذي يستخدم طريقة تاريخ أو دراسة الحالة, يصبح مؤرخا للحياة الاجتماعية, سواء أكانت حياة شخص واحد أم عدة أشخاص في مواقف بعينها. ولكنه لا يكون مؤرخاً بمعنى الكلمة؛ لأنه انتقائي يركز على التفاصيل التي تشكل صورة اجتماعية كاملة التركيب لهذه المواقف وللمجال المباشر لصاحب الحالة وللمحيط العام. وهذه التفاصيل لا يدركها جيداً في جزئياتها وفي هيكلها الكلي إلا الباحث الاجتماعي المتخصص.


وليكن مفهوماً أن الأسلوب الكيفي في البحث الاجتماعي يعتمد على الملاحظة بنوعيها الحسية والعقلية. فأما الملاحظة الحسية فهي تلك التي تستخدم للتعرف على مايجري في الحياة اليومية, سواء كانت في الماضي أو الحاضر. وتوجد نتائجها مسجلة في كتب التاريخ وفي ذاكرة المسنين الذين يحكونها للخلف المعني بتحصيلها, أو يسجلها الباحثون آنيا بواسطة أدوات التسجيل. وأما الملاحظة العقلية فهي التي تعتمد على قواعد التفكير العلمي, وتمكن من استنباط الفروض واستقراء النظريات واستخراج القوانين, وكذلك التحقق من مدى صحتها أو خطئها. وهذا النوع من الملاحظة هو الأساس النظري , الذي يفيد لمح العلاقات بين الوقائع في مجملها وفي تفصيلها , والربط بين المطرد والمتشابه منها والتعرف الحدسي على الأسباب والكشف ألاستبصاري عن كنه الأمور مما يتبدى من مجرياتها.


الأسلوب الكمي في البحث الاجتماعي

لا بد أن نذكر قبل الشروع بالأسلوب الكمي في البحث الاجتماعي إلى أن الأسلوب الكيفي كما ذكرنا سابقاً يعنى لمعالجة معطيات جمعها المعنيون بالتاريخ والتوثيق ثم تركوها لمن يرغب في الإفادة منها. ومن بينهم المعنيون بالبحث العلمي. أما الأسلوب الكمي فيستخدم لمعالجة بيانات أعطيت في الماضي أو تعطي في الحاضر, بناء على طلب المعنيين بالحصول عليها لمعالجتها, وثانياً إجابة عن أسئلة محددة توجه إليهم, أما بواسطة الباحثين الاجتماعيين أنفسهم أو من يساعدهم, عن طريق استبارهم شخصياً في المقابلات تحدد أوقاتها معهم من قبل, وفي هذه الحالة يعتمد المستبرون على صحائف استبيان, تحتوى كل منها على عدة أسئلة توجهها الباحث إلى كل مبحوث من الأفراد المختارين للبحث. ولكن ليس معنى ذلك أن صحيفة الاستخبار لا تختلف في كثير أو قليل عن صحيفة الاستبيان. فهناك في الواقع اختلاف كبير . ولكن تشابههما في أن كلا منهما بعد إجابة أسئلتها تحتوي على البيانات المطلوبة.

الجمع بين الأسلوبين الكمي والكيفي


تعد بيانات الأسلوب الكمي غير كافية وحدها لفهم بعض الظواهر الاجتماعية او جوانب معية منها كالموافق والاراء والقيم الاجتماعية فهي لا تعطي فهما متعمقاً فقد تنبه بعض الباحثون إلى ضرورة الإستعانه بالاسلوب الكيفي الى جانب الاسلوب الكمي وذلك لانه يشمل زيادة لتوضيح الرؤية وتعميق النظرة الشمولية الأمر الذي يساعد على دقة التحليل وضبط التفسيرات, وكما ذكرنا سابقاً بأن الجمع بين الاسلوبين الكمي والكيفي لا يعد في البحث الاجتماعي منهجاً تكاملين كما ذهب إليه البعض.

التحيز إلى أحد الأسلوبين الكمي أو الكيفي
يتعالى أصحاب المنهج الكيفي في البحث على زملائهم أًصحاب الأسلوب الكمي , والذين بدورهم يتيهون عليهم بأسلوبهم وتفنينياته الإحصائية وما اخترع لها من حاسب آلي ومعداد عجيب الإنجاز. ولكن الأمر لن يقف عند هذا الحد وذلك لأن العلماء الغربيين قد بلغوا في انقسامهم إلى كيفيين وكميين حد التعصب. ونسح الباحثون العرب على منوالهم, كما هي عادة من ينقلون بدون إعمال فكر في ميدان علمي ركيزته النظر والتبصر والفهم والتفكير العميق. هذا فضلا عن خطئهم جميعاً في اعتبار الأسلوب ف ي البحث الاجتماعي منهجاً , وقد دفعهم التعصب إلى نقد بعضهم بعضاً.
فيرى جورج لمبرج وعدد من العلماء الاجتماعيين بأن الذين يستخدمون الاسلوب الكمي في بحوثهم هم وخدهم العلميون الذين يستطيعون اثراء العلوم الاجتماعية بما يقدمون به من عديد البحوث التي يجزمون بأنها قد مكنتهم من صياغة نظريات اجتماعية مدعومة بضبط الكم ودقته, بواسطة قياس الثبات والصدق في بياناتها الرقمية, وذلك على النقيض من أولئك الذين يعتمدون على الحدس والاستبصار في فهم الظواهر الاجتماعية واستقراء قوانين ونظريات اجتماعية من وقائعها المتشابهة والمتكررة, رأسيا عبر الزمن, وأفقياً في حقبة أو عصر واحد وعلى رأس هذا الفريق "بترم سوروكن".


تصنيف مناهج البحث الاجتماعي وفقاً للأسلوب الكمي أو الكيفي


الاسلوب الكمي
1)المسح الاجتماعي.
2) المنهج الاحصائي.
3) المنهج التجريبي.


الأسلوب الكيفي
1)المنهج التاريخي.
2)منهج دراسة الحالة.
3)المنهج الوصفي.


مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ بوابة علم الاجتماع | مدونة متخصصة في علم الاجتماع 2018 ©