ربما صادفنا الكثير من الكتب التي تاخذ طابعًا غريبًا أو غامضًا، أو حتى مُملًا، لكن الكتاب الذي بحوزتنا اليوم لا يمكن تصنيفه سوى أنه كتاب أغرب مما تتصور… كتاب بعنوان “لا شيء تقريبا عن كل شيء تقريبا”!
مؤلف هذا الكتاب هو «جان دورمسون»؛ كاتب حَوْلِيّات وروائي وصحفي فرنسي، ينتمي إلى أسرة فرنسية عريقة تخرج منها العديد من الدبلوماسيين. درس جان الفلسفة، وشغل العديد من المناصب مثل رئيس المجلس الدولي للفلسفة والعلوم الانسانية باليونسكو عام 1992، ومستشارًا في عدة وزارات فرنسية، وعمل كرئيس تحرير صحيفة «لوفيجارو» الفرنسية.
تتميز رواياته بالبعد الكامل عن الحبكة الأدبية للرواية؛ لكنها تقدم للقارئ سردًا حُرًّا قصصيًا للأحداث، وتتمحور حول الشخصيات التي يتناولها.
كتاب لا شيء تقريبا عن كل شيء تقريبا
لا شيء تقريبا عن كل شيء تقريبا ؛ هذا هو عنوان الكتاب الذي صنّفه كاتبه بأنه «رواية» تروي قصة الكون وما يحتويه من مخلوقات وأجرام؛ وما سبقه قبل أن يُوجد هذا الكون، لكنك وبمجرد قراءتك لبضعة صفحات في المقدمة؛ ستدرك أنه أكثر من رواية، أو كتاب تقليدي يروي قصة الكون.
يبدأ الكتاب في تعريف العناصر الأساسية للوجود والتي تتمحور حولها الرواية؛ كالخالق المجهول الذي أطلق عليه اسم «الكائن»، والكون الذي أسماه «الكل»، ثم يبدأ في سرد قصة الكائن والكل والعدم والوجود وعناصر كل شيء في الكون، وفي الأرض هناك كل شيء مُنفرد يُروى بسردٍ يخطف أنفاس القارئ.
الكائن
هذا الكائن الواقع خارج حدود الزمان، حدود المكان والزمان، لا يحق للكائنات الموجودة في نطاق هذا الزمان أن تقول عنه شيئًا.
يوضح الكاتب في هذا الجزء حقيقة أن الخالق المجهول لهذا الكون لا يمكن تصوره بالعقل البسيط الذي مَنحه للبشر والكائنات في الأرض، أو أي شيء واقع في نطاق الزمان والمكان المعهودين، ولا يمكننا الحديث عنه بلغتنا أو بتفكيرنا المعهود، وإنما يصر على أنه يمكننا فقط أن نتحدث إليه، لكن ليس الحديث عنه!
وأيضًا يحاول الكاتب أن يذهب بلغة أدبية إلى تلك الحدود الممنوعة، وإلى حدود هذا الكائن كي يستنبط خيطًا ما علّه يصل إلى الهدف الأزلي الذي لطالما بحثت عنه البشرية من نشأة الكون، والقوانين الفيزيائية التي تحكمه، وسر الوجود على الأرض.
الزمان
لقد بدأ الزمان ولسوف ينتهي، لو لم يكن الزمان قد بدأ، ولم يكن مآلِه إلى الإنتهاء؛ لكان قد أصبح هو نفسه الأبدية، ولكانت عبادته مرخصًا بها.
كعادة الزمان الفيزيائية؛ هو لغز عميق غير مُفسّر ولا معلوم الهيئة ولا القوانين التي تحكم جريانه للمستقبل دائمًا؛ فإن حديث الكاتب عن الزمان هو حديث يقف عنده كافة القرّاء.
يتألف الزمان من ثلاثة أقسام غير متساوية، اثنان منهما في غاية الضخامة، أو بعبارة أخرى لا نهائيين أو غير محددين: الماضي، المستقبل، أما ثالث هذه الأقسام فهو متناهي الصغر إلى درجة اللاوجود وهو الحاضر.
يوضّح الكاتب تحت هذا الموضوع حقيقة الماضي والحاضر والمستقبل، وكيف يؤثر كلاً منهما على الآخر. ويتساءل عن المستقبل الذي لا يستطيع القدوم إلا بتأثير الماضي، وأن الماضي هو الذي يصنع المستقبل.
على سبيل المثال؛ إذا كنت حزينًا من أجل شيءٍ ما؛ فإن قراراتك التي ستتخذها مستقبلًا سيكون لحزنك تاثيرًا كبيرًا عليها. وكذلك الحال إذا كنت سعيدًا، أو مهما كانت ظروفك في الماضي، فإن أثرها سيصل إلى مستقبلك الذي سيرسمه كلاًّ من ماضيك وحاضرك.
الفضاءات الكُبرى
الكل لا يوجد إلا لوجود بشر يتفكرون فيه.
يتساءل الكاتب عن عدة أسئلة في هذا الجزء، وهو إمكانية وجود حياة أخرى تختلف عن البشر في الكون أم لا؟ وما دمنا لا نعلم عنها شيئًا؛ فالأفضل أن نلتزم الصمت كونها تقع في مرتبة الأبدية؛ أي شيء لا يمكن إدراكه!
التساؤل الآخر هو: هل الكائن (الخالق) قد استطاع الظهور بهيئته في مجموعات شمسية بعيدة عنا، وظهر بأشكال نعجز نحن «البشر والحياة» عن تصورها؟
التساؤل الثالث هو؛ هل هناك عوالم أخرى خارج نطاق حدود الزمان والمكان المعروفين لدينا، ولديهم قوانينهم الفيزيائية الخاصة؟
ظل الله
الضوء هو ظل الله، هو شيء يبلغ من العظمة والجمال قدرًا يجعل بوسع المرء أن يستغرق أيامه في عبادته.
يتحدث الكاتب عن الضوء هنا بأنه نجم الكون، وبغيابه تغيب معه كافة ملامح الحياة، وأن حدث فلكي مثل كسوف الشمس؛ قد مثّل الرعب الحقيقي لحضارات قديمة جعتلهم يقدسون نجم درب التبانة، وأن هناك دماءً سُفكت لأناس قدموا كقرابين للشمس على مذابح معابد هذه الحضارات.
يتحدث أيضًا عن أن الشمس هي مفتاح الحياة في اليابسة وفي عمق البحار، وأن الأعماق السحيقة من المحيطات تبدو كأماكن رعب في غياب هذا الضوء.
ويتحدث الكاتب عن أن الضوء انتشر في الزمان، لكن روعة الضوء وعظمته تكمن في أن الفيزيائيين تمكنوا من حل لغز الضوء؛ وأنه مكوّن من جسميات وموجات، بعكس الزمان الذي لا يزال لغزًا.
الإنسان
الإنسان ملك الخلق، يحضر مُتاخرًا في هذا الكون، ويتقوقع طويلًا في كوكب مُنَمْنِمْ ظهر فيه لأول مرة منذ ثلاثة أو أربعة ملايين عام.
هذا الموضوع ناقشه الكاتب بشكل مذهل يجعلك كقارئ تقف مُتسائلًا أمام كل كلمة تصادفها.
أما الكاتب فيتساءل عمن ذا الذي يشك في أن ظهور الحياة وما يتبعها من ميلاد الإنسان يمثل الحدث الأكبر في هذا الكون، ومنذ بداية الخليقة وتقاطع ملايين السنين الضوئية وملايين آلاف السنين؟
ومن هؤلاء البشر وماذا يفعلون ولماذا؟ ذلك لأنهم لم يكونوا أول من سكن الأرض، وإنما سبقتهم حيواتٍ كثيرة شملت مخلوقات فاقتهم في الحجم، وأخرى تتعايش معهم، وآخرين لا يستطيعون رؤيتها!
التفكير
الأفكار والذكريات والتخيل والمشاعر والمشروعات والأهواء، وكل أمر مذهل غالبًا ومجنون قليلًا؛ يحدث في رأسٍ مسكين مُثبّت رأسيًا عن طريق العنق فوق جسم إنسان هو أمر غير قابل للتصديق، لا يصدق ومألوف للغاية؛ نحن مكتوب علينا التفكير، كما هو مكتوب علينا الزمن والحرية.
في هذا الجزء يتعمق الكاتب في الإنسان، وفي أكثر ما يميّزه عن المخلوقات الأخرى؛ وهو التفكير. ويقارن الكاتب ميلاد الفكر بميلاد ثلاثة بدايات شهيرة في الكون والتي صحبتها كوارث حقيقية؛ حيث كان الإنفجار العظيم في البداية، ثم ظهور الشمس والقمر في السماوات، والحياة التي انبثقت من المادة.
الفكر الذي يُصرح الكاتب بأنه ذلك الشيء الذي اطلق عليه الفلاسفة اسم الضمير. ويتابع الكاتب موضوع الفكر لدى الإنسان، وكيف بدأ يتفكّر في كافة الأشياء حوله منذ أن وجد على الأرض.
الكل
الكل يختلط مع الكائن (الخالق)، ويختلط مع العدم.
هنا يصل الكاتب إلى عمق كتابته، حيث يُقسم الكل الذي كان بمثابة الكون كله إلى قسمين:
الأول؛ هو الكل – الكون – الذي نعرفه بنجومه وكواكبه، وشمسه ومجراته، وكوكب الأرض وما يحتويه من مخلوقات كافة.
الثاني؛ هو الكل – الكون – الذي لا نعرفه ولا نتصوره. الكل المجهول الذي يوجد خلف الكل الذي يقع فيه كوكبنا، ويختلط فيه العدم والكائن؛ والذي يُفضل أن نلتزم الصمت بخصوصه، حيث تتضارب الاعتقادات والعقول في حديث كهذا.
لكن إذا ما تحدثنا عن الكل المجهول؛ فإذا كان موجودًا، يجب أن لانغفله حيث أنه هو الكل الذي بفضله وجد أو انبثق منه الكل (الكون) الذي نعيش فيه!
كل شيء حسن
حين يحين وقت المحنة الأخيرة التي نطلق عليها اسم الموت؛ والتي بسببها سنرحل نهائيًا عن خشبة المسرح التي صعدنا عليها، لن يسلم أيٌّ منا من الألم. لقد رأى كل إنسان الحائط الذي يطوّق قدره، الحياة قاسية وكذلك البشر، العالم لا يعطي الكثيرين إلا الدموع.
هذا الجزء من الكتاب سوف يصل بك لأكثر من اعتقادك بأنك بشر تعيش وتتعايش يوميًا في حياة رتيبة روتينية، حيث يتناوله الكاتب بطريقة فلسفية في عمق النفس البشرية، وما يفعله البشر في هذا العالم، وماذا سيحل بهم بعد انتقالهم لعالم غير مُتدارك؟
يختتم الكاتب الرواية بعدة أسطر تحمل عنوان «مناجاة الكائن (الخالق)»، هذه السطور ربما تلخص قصة الكل وما فيه من مخلوقات، لكن الحديث موجهة للبشر الذين يحاولون الوصول للحقيقة المُطلقة والصريحة عن كل شيء في كونهم؛ ليذكّرهم – الكائن – بأن جميع ما حولهم من مخلوقات مرئية أو غير مرئية، ووجودهم نفسه هو نتيجة لوجوده كخالق مجهول الوصف.
وأنه وبالرغم من روعة البشر في بحثهم عن أجوبة لملايين الأسئلة لديهم، فإنهم في الحقيقة لا يعرفون شيئًا تقريبًا عن كل شيء موجود تقريبًا، وعن الكل، وعن الكائن، وأنه وبرغم ما وصلوا إليه من معرفة؛ فإنهم لا يعلمون شيئًا حرفيًا!
أخيرًا.. هذه النقاط البسيطة التي ذكرتها؛ هي ليست جميع ما ذكره «جان دورمسون» في روايته، بل هناك تفاصيل كثيرة يتناولها بنفس الطريقة السردية، والمتتالية، والمحيّرة أيضًا.
يبحث في أشياء أخرى مثل: الجواد، الكلب، الهر، النمو، الاعتقاد، الحب، الرغبة، السلطة، النوم، الشك وغيرها من التفاصيل التي يمكن أن تتواجد حولك.!
كافة الأشياء والكلمات؛ ستقف أمامها كثيرًا، ستزداد نبضات قلبك، ستُذهَل كلما تعمقت في صفحات الكتاب أكثر فأكثر، لاشيء سوى الدهشة.
ومن وجهة نظري الشخصية؛ هو كتاب أو رواية لكل شيء تقريبًا، حيث تُصنّف كرواية أدبية؛ لكنها مفتاح للعلوم والفلسفة بشكلٍ صريح.
فإذا كنت قارئًا أدبيًا فذًا ولا تعرف عن العلوم سوى القليل، فإن كلمات مثل الذرات والجسيمات والجيولوجيا والديناصورات والإنفجار العظيم، والنجوم النيوترونية والإشعاعات؛ ستفتح لك المجال في البحث في العلوم والفلسفة للبحث عن تفاصيل أكثر ربما ستأخذك إلى أبعد مما كنت تتصور.

هل صادف أن قرأت كتاب لا شيء تقريبا عن كل شيء تقريبا من قبل أم مازلت لم تقرأه بعد؟ اخبرنا رأيك عنه في التعليقات
المصدر من هنا  
مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ بوابة علم الاجتماع | مدونة متخصصة في علم الاجتماع 2018 ©