الثلاثاء، 19 يوليو 2016
قبل أن أبدأ، أود أن أذكر بألا حياة لمن لا غاية له، يعيش في سبيل تحقيقها، و مستعد لإفناء عمره إكراما لها، و الأصل في المسلمين أن يكون هم الأمة، هو الواصل المجمع بينهم، فإن ظلم أحدهم في الشام، انتفض المسلمون في كل بقاع العالم الواسع نصرة له و دفاعا عنه.. لأن صحة الجسد لا تكتمل إلا بسلامة جميع أعضائه، و لأن تراص البنيان لا يكون إلا بتماسك مختلف مكوناته و ترابطها المتقن..
إن النسبية في دنيا الإنسان قانون من قوانين الحياة، يختلف في مجالاتها مع غيره حسب العقلية و المعتقد.. فتتفاوت الدرجات و تنجلي الأفكار المحركة و القيم المدعاة بوضوح أمام زيغ الأدوات.
من الطبيعي إذا أن يختلف تصور النسبية عند الملحد،الذي يؤمن بنسبية الأشياء المطلقة، و مستعد للشك في أحق الأمور و جعلها قابلة للدحض ما لم تصدقها التجربة، و إن كان ذلك على حساب ذاته و كينونته، في تجاهل تاملكل ما لا تدركه الحواس، مقارنة مع تصور المسلم الذييؤمن بحقيقة المعتقد الديني المطلقة، و بنسبية ما دون ذلك.. فيؤقلم نفسه بين شرعية الثابت و طبيعة المتغير، و تراه فيما بينهما متذبذبا بإيجاب.. يؤكد هذا و ينفي ذاك اعتمادا على أسس قد تبدو لغير المعتنقين هراءو خربشة، لكنها بالنسبة له بوصلة موجهة، و إطار محدد، لا يستقيم إيمانه إلا بتصديقها، و العمل على الوصل بين المادة و الروح، و فهم الجلي و المخفي و ربطهما به و بحقه في التواجد.. لكن الأساس الذي يجمع بين الطرفين في ذكر المصطلح موجود و ثابت، و ثبوته في وجود المجهول الذي نؤول إلى الشك في صحته ما لم يرد بخصوصه حجةو لا أثر.
أما في واقعنا المعاصر، فقد أضحى كل مجهول مشكوك فيه يرد رد البشاعة إلى الانتماء لطائفة من طوائف المسلمين، دون تبين أو ذكر مبرر، حتى اقترن اللفظ، الذي اختاره عملاء الغرب لقبا لكل من فجر نفسه، أو ما يخصه وسط العامة، بالإسلام و المسلمين ، و تبعهم في ذلك الوصف الساذج حكام العرب المساكين.. فصار الدين السمح دين الارهابيين.. و سلمنا لهم باللفظ،و انقاد الجمع يفكر و يبرر حتى أظهروا موطن الضعف لمن بيدهم قوة الأمر و الإعلام فاستغلوها أبشع استغلال لتشويه صورة الإسلام، و إلفاق كل التهم بمن يعاديهم من بني الإنسان.
لا جرم في أن الوضع اليوم مشين بما تعنيه الكلمة من معنى، حيث غاب كل ما من شأنه أن ينظم العلاقات الإنسانية و يحفظ الود بين الناس في جو من الاحترام اتفاقا و اختلافا.. و تشتت مفهوم الأمة و ضاع وسط ركام المجتمعات و القبائل و تشتت هذه الأخيرة وسط غطرسة الأنا و علوها.. و حاز الشيطان مكانا عليا بين أبناء العروبة و المسلمين، فصار يسيرهم بما يشتهي و كيف يشاء. و الواقع أنه ما من وحدة، كان المركب الديني هو الأساس المجمع بين مختلف مكوناتها، تفككت، إلا و كان السبب في تفككها، هم الناس أنفسهم، بحيث تضيع قوتهم و يهوي بنيانهم مع أول فلتة في الدين أو زيغ نفس آمرة..
من المحزن حقا رؤية الواقع الأليم الذي بلغته دول الربيع العربي الذي خذله جفاء الخريف و قسوة برودته..من ظلم و عدوان و قتل و سجان و حرق وسط لهيب النيران.. بدون صوت حق يعلو أو اتقاء لكرامة الانسان.. و كل العالم الآخر في سبات يبكي على بطلة مسلسل فقدت ابنها عند الجيران! و لا نبتغي العزة إلا لنفس أحدهم إذا جافاه غيره وقت الظهيرة في جو مشمس في رمضان!
فعن أي أمة نتحدث؟ و عن أي وطن نغني؟!!
ماتت الأمة في آخر عهد عثمان رضي الله عنه.. و ماتت الأوطان مع الأشاوس منذ 1948.. و بقي جثمان العروبة شاهد عيان على الذل و عبرة لمن لا يعتبر..
من هذه الزاوية إذا، قد نلتمس عذرا لمن ينقاد إلى الحركات الجهادية العشوائية المفبركة جهلا منه بحقيقتهم و نية في خدمة الدين و تأدية واجب الأمة.. حيث تستثمر هذه الفئة القليلة، التي لا تجد في نفسها حرجا من بذل النفس في سبيل تحقيق العدل و نصرة المظلوم، في تشويه صورة الإسلام، بكل ما أوتي عملاء التنظيم الخفي من قوة، و تمزيق أوراق أمجاده البائدة.. و طمس الهوية الإسلامية الخالدة.. فيجعلون من الجزء الجاهل كلا قاتل.. و يتمون عملهم بتوظيف الجزء المثقف في خدمة السخافات و تلقينهم المبادئ التي ستجعل منهم جزءا مسلما بالاسم.. فاقد الانتماء و الهوية..
لا بد لنا إذا من تدارك ما قد آلإليه حالنا، و تحديث خزانة المعارف و المدارك عندنا بحيث تتناسب مع ما يربينا عليه ديننا من قيم و أخلاق سامية.. ترتقي بنا إلى مدارج السالكين العارفين بأنعم الله و القائمين على تحقيق أوامره و بذل الغالي و النفيس في سبيل الأمة و المسلمين.. و ما خاب إنس و لا جن ذكر الله فسماه و توكل عليه و عمل صالحا يرضاه، و لا خسر.. و الله المستعان، و هو أعلم العالمين..

 كاتب المقال : 
مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ بوابة علم الاجتماع | مدونة متخصصة في علم الاجتماع 2018 ©