الخميس، 28 يوليو 2016
الاختلاف والاعتراف
ينزع العقل البشري إلى التجريد والتعميم، دون أن يحسب حساب النتائج المترتبة على التجريد والتعميم أو على تلقي الأشياء في كليتها. المفهوم - رمز الكلية - نوع من التحديد المطلق أو شبه المطلق. لكن الإنسان لا يستطيع أن يمتلك العالم نظريّاً خارج التحديد - المفهوم. هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإنّ الكلي - المفهوم - يخفي الواقعي المتعدد.
هذا يعني أنّ أساس النزعة الهوياتية يقوم أصلاً في الوصول إلى المفهوم الذي ينطوي بالضرورة على تحديده، فالتعريف هوية. وإذا كانت المعرفة تمر عبر الهوية أساساً، فإنّ المعيش هو الكثير والمتعدد والمختلف.
فالذات بوصفها مفهوماً ومعرفةً الأنا في الانتقال إلى الفعل، هي مجردة. والمجرد لا وجود له إلا في الذهن. ولهذا أقمنا عدداً من التمايزات بين الذوات.
حين يجري الحديث عن الذات، فإنّ الحديث يجري عن البشر، البشر وحدهم حقل الاختلاف الموعى به وغير الموعى.
إذاً القول بوجود الاختلاف ليس اكتشافاً ولا كشفاً، وليس وجوده مشكلة في حد ذاتها.
المشكلة في نزعة العداء للاختلاف، ليست المشكلة في إنكار التحديد والمفهوم، المشكلة في النظر التقويمي الإيجابي للتشابه ضد الاختلاف.
إنّ الحديث عن الإنسان الكلي ليس حديثاً عن الإنسان الواقعي. وينبغي ألا ينسينا الدفاع عن الحرية أنّنا ندافع عن الأحرار الذي يتنفسون. وقس على ذلك.
الذات هي حقل الاختلاف الإنساني - السياسي - الفكري - الاجتماعي - الطبقي - القومي - الديني - الثقافي - الغائي - الرغبوي - المصلحي.
لا وجود للإنسان - والحالة هذه - إلا متعيناً. الذات هي التعين المتنوع والمختلف للإنسان.
ألم نقل إنّ الذات إمكانية دائمة، إذاً الذات إمكانية اختلاف دائمة، اختلاف داخل الذات، واختلاف عن الذات الأخرى.
ويبدو لي أنّ سيطرة المفهوم - أي مفهوم - قد ولد عادة سيئة ألا وهي أنّ البشر لا يطيقون الاختلاف فينزعون نحو التشابه. ولهذا هناك الشاذ والمنحرف والمنبوذ والمحرف والمزيف واللاسوي. أحكام القيمة هذه مديح للتشابه، مديح للكتلة ضد الفرد، وما العنف إلا بفضل الاختلاف ورفضه والسعي نحو اكتشافه، إذ لا يمكن القضاء على الاختلاف دون العنف.
وقبل أن نمضي في تحليل الاختلاف نؤكد مرة أخرى أنّ الاختلاف - مفهوماً مجرداً - هو نوع من إيجاد التماثل والتشابه بين الاختلافات. إنّ لعبة اللغة هذه لا محيد عنها أبداً.
لأنّ مفهوم الاختلاف - شئنا أم أبينا - مفهوم يوحد المتعدد والمختلف هذه المفارقة الغريبة تدل على عادات الكلام، ولغة التفكير وسطوة المفهوم، أعود إلى الاختلاف تعيناً أنطولوجيّاً للذات.
وإذا كان المفهوم يوحد، فإنّه بدوره يشير إلى المتعدد. الذات – ذوات، والحرية حريات، والعقيدة عقائد، والاختيار اختيارات، وهكذا.
الاختلاف-إذاً- تعدد، تضاد، تناقض، تمايز. أصل الاختلاف وفصله قائم في كون الذات - كما قلنا - إمكانية دائمة، الذات إمكانية يعني أنّ الذات تاريخ، الذات تاريخ إذاً الذات تحولات.
إذا كان أصل الاختلاف وفصله يعودان إلى كون الذات إمكانية، فإنّ الاختلافات المتعينة متفاوتة من حيث الأهمية العملية وأثرها في السلوك. وليس باستطاعتنا أن نحدد الاختلافات الواقعة بمجملها، إذ أنّ المشكلة تكمن في ما هو قابل للقهر والاستبداد، في ما هو قابل للانفجار والصراع، في ما هو قابل ليؤسس العنف المتبادل، في ما هو قابل للاعتراف باعتباره شرطاً ضروريّاً للعيش المشترك والأمان.
أتوقف عند مسألة في غاية الخطورة المتعلقة بالعيش، وهي الاختلاف نفياً.
الاختلاف نفياً وصول تحديد الاختلاف أصلاً للصراع، وهذا أمر غير ممكن دون الوعي بالاختلاف بوصفه يقود إلى الصراع، وبالتالي الاختلاف- نفياً- وعي بالاختلاف نفياً.
والاختلاف نفياً ليس نزعاً للحق في التعبير عن الاختلاف فقط، وإنّما القبول بأمرٍ: كُنْ.
فالطبقة مفهوم يشير إلى جماعة من الناس ذات علاقة بالعمل وإنتاج الخيرات المادية وامتلاك الثروة، مع كل ما يترتب على ذلك من عادات سلوك وأنماط وعي. فالاختلاف الطبقي بهذا المعنى مؤسس تاريخياً.
وولّد التأسيس التاريخي للاختلاف الطبقي تأسيساً معرفيّاً وأيديولوجيّاً.
ولّد الاختلاف الطبقي لدى ماركس فكرة الصراع الطبقي باعتباره محركاً للتاريخ، وعند أوين ولّد تصوراً لمدينة فاضلة تحقق العدالة والشيوعية، وعند رولز رويس قولاً في الإنصاف، وعند أفراد الطبقة وعياً نقابيّاً...
الطبقة مؤسسة معرفيّاً وأيديولوجيّاً تأسيساً يعكس موقعها من الإنتاج وامتلاك الثروة يعني البحث عن اكتشاف داخل أفراد الطبقة، فيولد مفهوم الكتلة، والكتلة توحي مباشرة بأنّي أمام جسم أصم.
الرأسمالية تولد رأسماليين، طبقة، الرأسماليون كتلة ألغت الرأسمالي الفرد، التشابه ألغى الاختلاف الواقعي بين الذوات ولم يلتفت إلى المعيش.
فإن تركنا جانباً تحليل ماركس الاقتصادي - التاريخي، وفكرنا فيما يريده على مستوى الاختلاف بين الطبقة الرأسمالية والطبقة العاملة، فإنّ فصل القول عنده هو الآتي: الرأسمالية لا تستطيع البقاء حية دون الطبقة العاملة.
لكن الطبقة العاملة باستطاعتها أن تبقى حية دون الرأسمالية. الرأسماليون لا يستطيعون البقاء دون استغلال طبقي واضطهاد للطبقة العاملة. الطبقة العاملة لا تستطيع العيش دون التخلص من هذا الاضطهاد وهذا الاستغلال.
ها نحن هنا أمام التناقض، ولكن لسنا أبداً أمام تركيب حدين من الاختلاف. فالحل المنشود للتناقض عند ماركس وأخلافه هو نفي الطبقة الرأسمالية نفياً كاملاً واقتلاعها من الوجود. في التجربة نفيت الطبقة الرأسمالية من الوجود في دول المنظومة الاشتراكية، وولدت الدولة التي تقوم بدور الرأسمالي المنفي نفياً وجوديّاً.
ماذا تنفع نقابة عمال في دولة تنظر إلى نفسها دولة العمال؟ وأن لا تناقض بين الطبقة العاملة ودولة الطبقة العاملة على المستوى الرأسمالي الجديد؟ لم تعد أشكال التنظيم والتعبير عاكسة للاختلاف بل للتشابه - للموت.
فيما الرأسمالية ليست مجرد رأسماليين يستغلون عمل الطبقة العاملة ويراكمون الثروة عن طريق فضل القيمة ويعيدون إنتاج الرأسمال عبر السلعة، إنّها طبقة تلقي بظلها على المجتمع ككل حيث نزوعها نحو الربح يحملها على أن تخلق حاجات دائمة تصل حد تحول الحاجة الكمالية إلى حاجة ضرورية، إنّها باحتكارها الثروة تنفي حق المجتمع والحق في التعبير عن الاختلاف بوصفه صراعاً.
والطبقة العاملة بدورها تعيش ضغط الحاجة إلى البقاء، فتبيع قوة عملها صاغرة.
الآن هل تنفي الطبقة - مفهوماً - الاختلاف داخل أفراد هذه الطبقة؟
الجواب لا أبداً، وهنا بالذات نقع على خطورة التفكير الشمولي الذي يسنده المفهوم. فالذات ليست هي الطبقة وليست هي الكتلة، الطبقة كتلة، الجمهور كتلة، الذات تتحرر من الكتلة. الكتلة صماء متشابهة، الذات رمز الاختلاف، فليس هناك من ذات تشبه أخرى.
الذات - بصورة لا واعية - تنفي الكتلة، وتعمل الكتلة كذلك على نفي الذات. كل كتلة هي في حقيقتها نفي للذات عبر العنف الهوياتي.
الحزب السياسي - مثلاً - كتلة، وتطلب من المنتسب إليه أن يكون كتلة جزئية داخل الكتلة الكلية ومشابهة للكتلة الصماء، لأنّ جميع الكتل نازعة دائماً لتأكيد التشابه.
من هنا نفهم لماذا لم يستطع أكثر المفكرين - الفلاسفة والأدباء والفنانون- البقاء في الأحزاب الشمولية التي انتسبت إليها في فترة الشباب.
وإذا كان المجتمع - التاريخ قد قلل من خطورة الكتلة البشرية بنوع من الانتساب الحر للأحزاب وهيئات المجتمع المدني بإظهار الحق في الاختلاف، وتأكيد الاختلاف بتأكيد حق الحرية في التعبير، فإنّ الانتماء إلى الكتلة، بدءاً بالنقابه وانتهاءً بالأمة، ما زال يشكل خطورة على الاختلاف، ولاسيما حين يجري التعبير ضد الاختلاف- أيديولوجيّاً.
ويشير فعل الأمر "كن" هذا إلى إلزام أن تكون "ك" قل كما تقول الكتلة، كما تكون الكتلة. وبعدها تقول الكتلة للجميع كونوا مثلي، ومن ليس مثلي ليس له حق الكينونة.
الحق في الاختلاف ليس مجرد الحق في التنظيم، ليس الحق في الانتساب الطوعي لهذا الحزب أو ذاك، لهذه الجمعية أو تلك، ليس مجرد الحق في اختيار الهيئة الحاكمة أو الحق في الاعتقاد.
الاختلاف هو الاعتراف بالذات بلا هوية. الذات التي تختلف عن نفسها دائماً وعن الآخر، وتعبر عن هذا الاختلاف في حقل الحرية، الحرية بارتباط بالاعتراف بالذات.
والاعتراف بالذات أهم شرط - كما بينّا - لتحقيق الاختلاف في الحياة، ولا معنى للاعتراف إلا باعتباره اعترافاً بالمختلف. فلا يكون اعتراف اعترافاً بالمتشابه.
ولأنّ الاختلاف أساس سيرة الحياة - مهما كانت هذه السيرة فقيرة - فإنّه ما من سيرة حياة مشابهة لسيرة أخرى. وسيرة الحياة نفسها - سيرة الاختلاف، سيرة الكتابة سيرة الاختلاف، سيرة الحب سيرة الاختلاف، وهكذا.
وإذا قلنا أن لا اعتراف في تشابه خارجي، فهذا لا يعني أنّ هناك تشابهاً بين البشر، بل لا وجود للتشابه أصلاً إلا على سيل التشبيه، إلا إذا رسمنا مثلثين بقياس الأضلاع نفسها والزوايا نفسها، وهذا يكون تدخلاً إراديّاً ليس إلا.
وتأكيد الاختلاف تأكيد خطورة منع التفكير، لأنّ أس المشكلة في قتل الاختلاف ومحاولة التخلص منه في منع التفكير، والاعتداء على التفكير، وبالتالي الاعتداء على اللغة، قتل الاختلاف وإشاعة للصمت.

أجل التشابه هو الصمت. فاللاتفكير هو الصمت.
مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ بوابة علم الاجتماع | مدونة متخصصة في علم الاجتماع 2018 ©