" اكتفى الفلاسفة بتفسير العالم (...) ولكن المهم هو تغييره"
كارل ماركس
ربما لا يستحق "المثقف" تسميته ما لم يبحث في الماهية التي يتشكل منها وفي الهوية التي ينتمي إليها. لذا كان على "المثقف" دائما أن يترحل باحثا عن أبعاد هويته الذاتية،ولا غرو في ذلك فمبحث "المثقف" يفيض بالتشويق ويتدفق بالإثارة، وقلما نجد مفكرا بارعا لم يخض في هذه القضية ويبلي فيها بحثا في دلالاتها وغوصا في معانيها. وقد تقاطرت الأبحاث وتواترت النظريات في هذا الميدان لتشكل مجالا حيويا بالغ الاستقطاب في العلوم الإنسانية ولاسيما في علم الاجتماع السياسي وعلم الاجتماع التربوي على حدّ سواء.

وقد دأب المثقفون أنفسهم على البحث المستمر في ماهية "المثقف" ودوره، فوظفوا أدواتهم النقدية استقصاءً للعلاقة الحيوية بين "المثقف" والثقافة، كما بين "المثقف" والحياة والإنسان، واستطاع هذا الموضوع أن يستقطب جلّ الباحثين والدارسين فتكاثفت أعمالهم وتكاثرت أبحاثهم في هذا الميدان المثير.



 ومن أجل استجلاء مفهوم "المثقف" ومعاينة حدوده وأبعاده، تتجه هذه الدراسة إلى استجواب الأعمال الفكرية للباحثين في هذا الميدان، والترحال في تضاريس النظريات الفكرية التي تناولت هذا الموضوع لاستكشاف طبيعة العلاقة التي تربط المثقف النقدي بالحياة وقضايا الثقافة. وفي هذا الترحال تقتضي منهجيتنا - تجنبا للضياع في المتاهات- أن نبدأ في رحلة البحث عن "المثقف" بأسئلة بسيطة واضحة حول ماهية المثقف وصورته: من المثقف؟ وكيف نعرفه؟ وما أوج علاقته بالثقافة؟ وما هي أبعاده بالحياة؟ ومن هو "المثقف" العضوي أو الملتزم أو النقدي؟ وما هي أهم النظريات التي تناولت قضية العلاقة بين "المثقف" والثقافة والحياة؟ تلك هي الأسئلة التي تشكل الإطار العام لهذه الدراسة حول "المثقف" في تقاطيع صلته بالوجود الاجتماعي والحياة الثقافية بما تنطوي عليه من قضايا وإشكاليات.
ما بين الثقافة والمثقف:

تأخذ العلاقة بين الثقافة والمثقف صورة صميمة جوهرية لا انفصام فيها، إذ لا يمكن فهم "المثقف" إلا في ضوء مفهوم محدد للثقافة، فالمثقف وليد الثقافة، صقل بها وتشكل في بوتقتها. وتتمثل الثقافة انتروبولوجياً في العلاقة الحيوية بين الإنسان والوجود مسلكاً وروحاً وفعلاً وحياة، وهذا يعني أن الثقافة بصورتها الأنتربولوجية هي الحياة الإنسانية بأشمل معانيها وأعمق تجلياتها. وضمن هذا التصور الشامل للحياة الثقافية يصعب علينا تعريف "المثقف" إذ لا بد من تجاوز المفهوم الأنتربولوجي للثقافة والخوض في مفهوم الثقافة الإبداعية، أي: في الجانب الواعي للثقافة الذي يتمثل في الجوانب العليا من الانتاج الثقافي في مجال الوعي العام وفي فضاءات العلوم الإنسانية من فلسفة وفكر ودين وفن وأدب وشعر وموسيقى ومسرح، وفي عمق هذا التموج الثقافي للوعي الإنساني يمكننا أن نستجلي فهمنا للمثقف بوصفه صورة راقية للوعي الإنساني في أكثر جوانبه نضجا وتطورا وانطلاقا. وهذا يعني أن "المثقف" هو المرآة التي تنعكس فيه الثقافة الواعية الإبداعية للمجتمع الإنساني حيث يتماهى "المثقف" مع إرادة التغيير في الحياة ويتفاعل مع الثقافة بوجهها الإنساني على حدّ سواء.

فالمثقف وفق هذه الرؤية وعي ثقافي، تتجلى قدرته على امتلاك الحقيقة، والتأثير فيها، وإعادة تشكيلها وانتاجها روحيا وأخلاقيا وإنسانيا، والثقافة التي تميّزه هي في هذه الحالة ثقافة الأخلاق والحياة التي تتمثل في قيم الحق والعدل والخير والجمال. والثقافة هنا في هذا السياق تعني نمطا من أنماط التجليات الثقافية للمثقف ودوره في الحياة، وهي ترمز في الوقت ذاته إلى تدفق فعله الثقافي الذي يتصف بالقيمة الأخلاقية، ترسيخا للسمو الأخلاقي الذي يتميز به "المثقف" تأثيرا في الكون والحياة الثقافية.

ومن أجل تقديم تصور واضح عن مفهوم "المثقف" لا بد من المقارنة بين الثقافة والمثقف؛ فالثقافة هي المحمول، والمثقف هو حاملها بل هي المنتوج والمثقف منتجها ونتاجها في آن واحد. وهنا يجري التمييز في الأصل الأجنبي اللاتيني بين الثقافة
culture وبين المثقف؛ ففي اللغة الفرنسية تعني كلمة (intellectuel) في أحد وجوهها (المفكِّر) أي المشتغل في مجال الانتاج الفكر والمعرفي على وجه الخصوص، والمثقف وفقا لهذا التصور يكون الإنسان العارف المصقول بالمعرفة، والمحمّل بعطائها، وهذا هو الحد الأدنى لمفهوم "المثقف" في صلة التواصل مع الثقافة والتشبع بمعطياتها.

ومن المؤكد أن مفهوم "المثقف" الفعّال يتجاوز حدود العلاقة الطبيعية بين الفرد والثقافة إلى حد الانتاج الثقافي، وهذا يعني أن "المثقف" لا يقف عند حدود تمثل الثقافة والتماهي بها، بل لا بد له أن يتجاوز هذا المستوى إلى درجة المشاركة في انتاجها وإبداعها وتجديدها. ومن هنا يجب التمييز بين "المثقف" العادي والمثقف البنيوي المنتج للثقافة والفاعل في عملية إبداعها. ومن الضرورة بمكان التمييز بين درجة ومستويات الفعل الثقافي فهناك "المثقف" العادي المنتج للثقافة في حدودها الدنيا، وهناك المنتجون لها في أعلى درجة من درجات الانتاج الإبداعي، مثل: كبار العلماء والمفكرين والمثقفين الذين يؤثرون في الحركة الثقافية انتاجا وصيرورة وإبداعا. والنخبة الثقافية، وفقا لهذا التصور، ترمز إلى هؤلاء المثقفين الذي استطاعوا أن يحققوا أعلى درجة إبداعية في عملية الانتاج الثقافي وفي عملية التأثير الثقافي في مجال الكتابة والإبداع في مختلف أوجه النشاطات الفكرية في مجال الشعر والأدب والفلسفة والموسيقا والعلوم الإنسانية بصورة عامة. وفي مجال التمييز بين "المثقف" وغيره من الناس، لا يمكننا أن نتحدث عن الإنسان الجاهل تماما، فالناس مثقفون على وجه العموم، والثقافة خاصية إنسانية، فالإنسان يرتبط جوهريا بالمعرفة ويمتلك القدرة العقلية في عملية تمثل الفكر وفي عملية انتاجه بمستويات مختلفة.

فالثقافة معرفة وقيمة أخلاقية بالدرجة الأولى، ومن هذا المنطلق الأخلاقي تتمنهج رؤيتنا للمثقف حيث تكون الثقافة كما يراها كانط: "مجموعة من الغايات الكبرى التي يمكن للإنسان تحقيقها بصورة حرة وتلقائية، انطلاقا من طبيعته العقلانية، وبهذا تكون الثقافة في نظر كانط أعلى ما يمكن للطبيعة أن ترقى إليه"[1].
ويكون "المثقف" في هذه الحالة سعيا إنسانيا لتحقيق هذه الغايات الثقافية العليا. وفي دائرة هذه العلاقة بين الثقافة والمثقف يمكن القول: إن "السلوك عبارة عن ترجمة عملية للتصورات الذهنية المنبثقة عن ثقافة ما، فالفرد في أي مجتمع مغمور بتراث ثقافي يتجاوزه وهو التراث الثقافي للحضارة التي ينتمي إليها. وهو من خلال هذا التراث يدرك العالم ويحكم عليه، غير أن هذا التراث عندما يتجمد ولا يتجدد يسير نحو الضمور فالزوال، ويحول بالتالي بين الفرد وبين كامل إدراكه لذاته وغيره، ومن هنا كانت هناك صلة دائرية بين تجدد المجتمع وتجدد الفرد فكل منهما يجدد الآخر ([2]). وضمن هذا التصور يمكن إدراك هوية "المثقف" في صلته الحقيقية مع الثقافة والحياة والمجتمع.
المثقف لغةً:

مفهوم "المثقف" مفهوم حديث الولادة والاستخدام، لذا قلما نقع في القواميس اللغوية إلا على شذرات خاطفة تتعلق بهذا المفهوم. وقد جاء في قاموس المعاني: رَجُلٌ مُثَقَّفٌ: مُتَعَلِّمٌ، مَنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالْمَعَارِفِ، أَيْ ذُو ثَقَافَةٍ ". وجاء في القاموس المحيط لـمجد الدين الفيروزآبادي: ثقـُف وثقِفَ ثقافةً: صار حاذقاً خفيفاً فطِناً...وثقـَّفه تثقيفاً سوّاهُ وثاقفه فثقفـََه كـنصَرَه فغلبه في الحِذق. وامرأةٌ ثـَقافٌ كسَحاب فطِنةٌ، وثِقاف ما تسوّى به الرماح. ونجد في القواميس العربية نجد تقاطعا في العلاقة بين "المثقف" والمعرفة والثقافة، فالمثقف رجل متعلم يمتلك معرفة وثقافة. وهذه التعريفات تلميحية بسيطة لا تجاوز حدود الإشارات اللغوية البسيطة. ويعرف معجم العلوم الاجتماعية المثقفين "بأنهم الأفراد الذين يتميزون عن باقي أفراد المجتمع بالخبرة والمعرفة (...) ويستخدمونها في مواجهة المواقف الجديدة بنجاح أو حل المشكلات الجديدة بابتكار الوسائل الملائمة"[3].

ومفهوم "المثقف" مفهوم مستحدث في اللغةالعربية، شاع استخدامه في الأدبيات الاجتماعية والسياسية خلال العقود القليلة الماضية. ولفظا(مثقف) وثقف) بمعنى (حذق وفهم وأدرك ). اللفظي قابل (Intellectual) ذو الأصل اللاتيني المستخدم في اللغات الأوروبية.. فلفظ (intellectual) أقرب في معناه إلى كلمة (المفكر) لأن الكلمة مشتقة في اللغات الأوروبية من كلمة(intellect) أي (الفكر)[4].

 وقلما ترد كلمة "مثقف" في معاجم اللغة العربية، ولكن يمكن أن تطالعنا هذه المعاجم بالفعل: "ثقّفَ" وتأتي بمعنى [حذق]، كما في الصحاح. وقد ظهرت كلمة "مثقف" لأول مرة في اللغة العربية في قاموس (محيط المحيط) لبطرس البستاني في نهاية القرن التاسع عشر كترجمة لكلمة
Intellectuel الفرنسية، أو "أنتلجنسيا" الروسية، وقد عرفت هذه الكلمة في القاموس بمعنى قريب جداً إلى المعنى المألوف والمتداول في المجال الثقافي وتأتي بمعنى [ متعلم وله معنى بالمعارف ] أي ذو ثقافة. وفي هذا السياق يعرّف بشارة المثقفين:"بأنهم فئة تتجلى قوة عملها في فكرها الذي تستثمره من أجل ضمان مورد رزق لها، (....) وهي تقوم بالعمل الفكري وفي الوقت نفسه تتخذ مواقف من القضايا التي تهم المجتمع وبالتالي فهي تجمع ما بين العقلانية في التحليل والمواقف القيمية والأخلاقية"[5].

وقد وردت كلمة "المثقف" بصيغ مختلفة في التراث العربي، ووظفت كلمات متعددة للإشارة إلى المثقف، مثل: الحكيم، والشاعر، والعلامة، والأديب، والفقيه، والشيخ، والمحدث، والشاعر، والراوي، والفيلسوف، والعالم، والرشيد، وصاحب القلم، والوراق، والمتعلم، والمتأدب. وهذه الكلمات وغيرها قد يتضمن معنى "المثقف" الكلمة التي نستخدمها في العصر الحديث.
مفهوم المثقف:

نادرا ما نقع على مفهوم في العلوم الإنسانية خارج دائرة الوضعية الإشكالية التي تغمر المفاهيم الأنسنية ولاسيما في مجال العلوم الاجتماعية. وهذه الوضعية الإشكالية للمفاهيم تعبير موضوعي عن قيمة الحقيقة الاجتماعية نفسها التي تأخذ مسارها في مدارات التحول والتغير المستمر. فالمفاهيم في العلوم الإنسانية تعبير عن حقائق اجتماعية نسبية، سريعة التغير، ومضية التبدل، ولا يمكن أن تتبلور على صورة حقيقة نهائية. وهذا الوضع الإشكالي يزيد هذه المفاهيم غنى وتنوعا، وهذه المفاهيم قلما تستنفد معانيها في ودلالاتها في نظرية أو رأي واحد، فالمفهوم الاجتماعي - لأنه وثيق الصلة بظاهرته المتغيرة - غالبا ما ينطوي على تضاريس عميقة وطبقات من التراكمات المتوغلة في الأعماق. ومن هنا كان على الباحثين التوغل والاستكشاف في أعماق المفاهيم الاجتماعي، واختبار الغنى والثراء الكبير الذي يتميز به. وضمن هذا التصور نقول: إن تراكم القول والبحث في المفاهيم دليل على عمق هذه المفاهيم كما هو دليل على شمولها وأهميتها. وضمن هذا التصور يمكن القول: إن مفهوم "المثقف" يأخذ مكانه بين المفاهيم الإشكالية الغنية بالمعاني المتدفق بالدلالات، وسيبقى هذا المفهوم قادرا على جذب اهتمام الباحثين لما ينطوي عليه من ثراء وغنى وتنوع وأهمية.

ومن الضرورة بمكان في هذا المقام أن نستعرض بعض التصورات الذكية التي قدمها بعض المفكرين حول مفهوم "المثقف" بدلالاته ومعانيه. ويمكن الإشارة في هذا السياق إلى الوصف الجميل الذي يقدمه صلاح بوسريف لمفهوم "المثقف" إذ يقول: " «المثقف» ليس مفهوماً مُحْكماً، قطعياً، مُمْتَلِئاً بتعبيراته، وما يحمله في طياته من مداليل، بل إنَّه مفهوم متموِّجٌ، منشَرِحٌ، ما فيه من فراغ، ومن مساحات شاغرة، أكثر مما فيه من امتلاء، وهذا ما يسمح بضرورة الإضافة والمَلْءِ، وبالمُراجعة الدائمة، أو البدء من جديد على الدَّوام، ليس بنفي المفهوم وإلغائه، بل لتجديده، وتحيينه، ووضعه في سياق المُتَغيِّرات الحادِثَة والطَّارئة، بما تُحْدِثُ في هذا المفهوم ذاتِه من خُدوش وجروح وتصدُّعات[6]. وهذا الغنى والثراء في المفهوم يؤصل لمشروعنا في البحث عن تصور متكامل لهذا المفهوم في أبعاده المختلفة والكشف عن طبيعة المشاكلات التي ينطوي عليها.

ولا بد من الإقرار هنا بأن مفهوم "المثقف" ولد حديثا للتعبير عن الموقف الشجاع للروائي الفرنسي إميل زولا ونخبة من المثقفين الفرنسيين الذين دافعوا في باريس عن الضابط الفرنسي اليهودي الأصل دريفوس
Alfred dreyfuse، الذي اتهم بجريمة الخيانة العظمى، وحكم عليه في 22 ديسمبر عام 1894 بالنفي إلى غوايانا، بتهمة التجسس لصالح ألمانيا. وفي هذه الأثناء كتب إميل زولا مقالته الشهيرة (إني أتهم) التي دافع فيها عن دريفوس، ثم انبرى مع عدد من المثقفين الفرنسيين أمثال: أناتول فرانس، ومرسيل بروست، وسينيوبوس، وليون بلوم، ولوسيان هير، للتوقيع على بيانهم المشهور بتسمية "بيان المثقفين" الذي عبروا فيه عن رفضهم حكم المحكمة. ونشر هذا البيان في جريدة لورو الفرنسية في 14 يناير 1898 بعنوان Le Manifeste des Intellectuels. وانقسم الرأي العام بعد هذا البيان بين مؤيد لإعادة المحاكمة ومطالب بتثبيت العقوبة، وبين صراع بين المعسكرين المعسكر التقليدي المعادي للسامية والمعكسر الاشتراكي النقدي. وتحت تأثير الضغط الثقافي للمفكرين الفرنسيين أعيدت المحاكمة وخفض الحكم إلى مدة 10 سنوات من السجن، ورفعت إلى محكمة النقض التي ألغت الحكم وأطلقت سراحه وتمت تبرئته[7].

وعلى أثر هذه المواجهة الفكرية بأبعادها السياسية، انتشر مفهوم "المثقف" وارتبط جوهريا بقيمته النضالية وأرومته النقدية، وأصبح عنوانا لكل الممارسات الثقافية التي تنافح عن المظلومين، وإشارة إلى كل المواقف الشجاعة ضد الظلم والظالمين وإلى كل أشكال الاستبداد السياسي. وقد رسخ في الممارسة الفكرية أن "المثقف" رجل نقدي يسعى للكشف عن الحقيقة ويدافع عن المظلومين. وضمن هذه الممارسة النقدية انكشف الاستخدام على مواقف المفكرين في مناصرتهم المضطهدين والسير بمقتضى الدفاع عن قيم الحق والعدل في المجتمع السياسي. وعلى هذا الأساس بدأ يتمحور مفهوم "المثقف" على ركائز الكشف عن الحقيقة نقديا ورد المظالم توخيا لقيم الحق والخير والعدل والجمال. فالمفكرون الحقيقيون، كما وصفهم جوليان بندا
Julien Beda، "أقرب ما يكونون إلى الصدق مع أنفسهم حين تدفعهم المشاعر الميتافيزيقية الجياشة والمبادئ السامية، أي مبادئ العدل والحق، إلى فضح الفساد والدفاع عن الضعفاء وتحدي السلطة المعيبة الغاشمة".

وعلى هذا النحو بدأ مفهوم "المثقف" يأخذ دور الوريث الشرعي لمفهوم الفيلسوف الذي كان سائدا في القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، وارتبط كما أوضحنا في قضية "دريفيوس" بالصراع الفكري والسياسي ما بين رجال الفكر من جهة والأنظمة السياسية من جهة أخرى، واصبح مفهوم "المثقف" لصيقا بمفهوم المعارضة السياسية والنقد للسلطة ومقاومتها عندما يقتضي الأمر.

وفي هذا المقام، يقول عالم الاجتماع الأميركي كوزر ( (
Coser في كتابه "سوسيولوجيا المثقفين": المثقفون هم المتحدرون من الكهنة والأنبياء والرهبان والمتعلمين أو هم ورثتهم. إنهم المعنيون بالدرجة الأولى بالبحث عن الحقيقة والاحتفاظ بها، كما هم معنيون بالقيم الجمعية والمقدسة، تلك التي تتحكم في جماعة وفي مجتمع وفي حضارة "[8]. ويتابع كوز قائلا: ولكن "المثقف" تحول إلى حالة من الالتزام بالقضايا الحيوية في المجتمع والسياسة والثقافة"[9].

وفي هذا المقام يقع تعريف عابد الجابري للمثقفين في كتابه "المثقفون في الحضارة العربية" إذ يعرفهم بأنهم "هؤلاء الذين يعرفون ويتكلمون، يتكلمون ليقولوا ما يعرفون، وبالخصوص ليقوموا بالقيادة والتوجيه في عصر صار فيه الحكم فناً في القول، قبل أن يكون شيئاً آخر "[10]. والمثقف حسب الجابري: هو ذلك الذي يلتصق بهموم وطنه وبهموم الطبقات “المقهورة” و”الكادحة”، إنه "المثقف العضوي" الذي يضع نفسه في خدمة المجتمع ويواجه تحدياته المختلفة دفاعا عن الحق والحقيقة ورفضا لكل أشكال الظلم والقهر والتسلط في المجتمع[11]. ومن الجميل في هذا المكان أن نورد تعريف وليد خالد أحمد الذي يعرّف المثقفين تعريفا جامعا لأركان وأبعاد التعريفات السابقة بقوله: "المثقفون هم أولئك الأشخاص من المتعلمين الذين يمتلكون المعرفة ولهم طموحات سياسية، وعلى أساس هذه المعرفة الموضوعية والطموحات السياسية وتأملاتهم الذاتية.. يسعون إلى التأثير في السلطة السياسية في اتخاذ القرارات الكبرى، والى صياغة ضمير مجتمعهم، وكذلك صياغة أحكامهم على الواقع دون أن يستخدموا هذه الأحكام مباشرة أو بالضرورة من خبراتهم الحسية"[12].
ما بين "المثقف" والمتعلم:

تسود في عالمنا العربي صورة نمطية عن "المثقف" قوامها أن "المثقف" هو الشخص الذي حظي بتعليم مدرسي واسع، ويحمل شهادات علمية عالية. وقد "ارتسمت هذه الصورة في أذهان كثيرين ممن يعتبرون أنفسهم مثقفين لما وصلوا إليه من مكانة وظيفية بحكم حصولهم على شهادات علمية. وفي حقيقة الأمر لا يمكن للشهادات العلمية المجردة أن تجعل حاملها مثقفا بالضرورة، بقدر ما تجعله مصابا بمرض "التَعالُم" كما أسماه مالك بن نبي"[13]. وفي هذا إشارة كبيرة لضرورة الفصل بين التعليم والثقافة.

وعلى خلاف هذه الصورة يمكن لبعض الأفراد أن يحققوا جوهرهم الثقافي دون الحصول على شهادات مدرسية أو جامعية عالية. فكما أن "المثقف" لا يكون وجوده رهنا بالتعليم والشهادة، كذلك الأمر لا يمكن للتعليم أن يمنع شخصا من أن يكون مثقفا بجدارة، فالتعليم يساعد في التثقف وهو شرط ضرورة دون أن شرط كفاية له.

وثمّة من يربط بين مفهوم المتعلم وبين مفهوم "المثقف" على نحو وثيق: وبالمقابل هناك من يرى في المتعلم الحاصل على الشهادات العلمية أو المدرسية "مثقفا ": ويدخل، ضمن هذا المعنى العام والواسع، الموظّفون في مختلف القطاعات، والمعلّمون والأساتذة، والعاملون في قطاع الإعلام، والأطباء والمهندسون، والتقنييون، والطلبة ممن يتابعون دراساتهم في الأنساق العليا من التعليم، في مختلف الشّعب والتّخصّصات"[14]. ولكن الباحثين استطاعوا اليوم فك الارتباط بين المتعلم والمثقف: فالمتعلم هو حاصل على الشهادات العلمية، أما "المثقف" فهو ذلك الذي تمرس بالفكر والثقافة وأصبح فاعلا ومنتجا للثقافة ومؤثرا في المجتمع وفق معايير الدفاع عن القضايا الكبرى في المجتمع.

وهنا وفي هذا المقام يميز جان بول سارتر
Jean-Paul Sartre بين "العالم" و"المثقف" إذ يرى أن كلمة "مثقف" لا تطلق على العلماء الذين يعملون في حقل انشطار الذرة لتطوير أسلحة الحرب وتحسينها لأنهم في هذه الوضعية مجرد علماء، ولكن إذا شعر هؤلاء العلماء بالخوف والذعر لما تنطوي عليه هذه الأسلحة من طاقة تدميرية فاجتمعوا وووقعوا بيانا يعرضون فيه استخدام السلحة النووية ضد البشر غدوا من فورهم مثقفين "[15]. وهذا يعني أن الثقافة موقف نقدي ومسؤولية ورسالة وليست مجرد معرفة وعلم في المخابر أو معرفة في رؤوس العارفين.

وهناك من يعمم مفهوم "المثقف" ليشمل "جميع منتجي الأفكار وناشريها وحملتها ومستهلكيها، بمن فيهم علماء الدين والأدباء والكتاب والإعلاميون والفنانون، بل وجميع خريجي الجامعات والمتعلمين تعلماً مرموقاً"[16].

وهناك من يضيّق مفهوم "المثقف" ليحصره في فئة محددة من الناس، أو نخبة منهم، وغالبا ما تكون نّخبة من المفكرين والكتّاب والمبدعين، التي تعمل في حقل الفكر والفن والإبداع، ممن ينتجون الرّموز والدّلالات. وضمن هذا التصور الضيق يفقد كثير من المثقفين حضورهم الثقافي ضمن دائرة المفهوم "مثقف" تفاديا للتّعميم، أو لتعتيم المفهوم وتمييعه [17]. وإلى هذا هذا الاتجاه من التعميم يشير محمد عابد الجابري الذي يقول: " إن مفهوم ("المثقف") اتسع ليشمل جميع الذين يشتغلون بالثقافة، إبداعاً وتوزيعاً وتنشيطاً، ويرمز إلى الثقافة هنا بوصفها عالماً من الرموز يشمل الفن والعلم والدين" [18]. والمثقف، وفق هذا التصور، هو من يتمثل ثقافة وطنه على نحو خاص، ويتماهى بالثقافة الإنسانية على نحو أشمل وأعم، وهو الذي يشارك في تنمية الثقافة بمختلف تجلياتها العامة والخاصة"[19]..

 وللفصل ما بين التعميم والتخصيص المركّز يمكن القول بأن "المثقف" - بوصفه منتجا للرموز والدلالات- يشارك في نقد الأحداث العامة، ويتدخّل في الشأن العام من منطلق قدرته على قراءة وتحليل المعطيات والأحداث والوقائع ووضعها في مسارها الأخلاقي والإنساني الصحيح[20].
المثقفون النخبة:

عندما نأخذ بمفهوم فيلفريدو باريتو للنخبة، بوصفهم الأفراد الأكثر تميزا وحضورا وتأثيرا في مجال اختصاصتهم، عندها نستطيع أن نبني على هذه الرؤية لتحديد مفهوم النخبة السياسية. وضمن هذا التصور بمكن القول: إن مفهوم النُّخب الثقافية يدل في أبسط تعريفاته على هؤلاء الذين يمارسون تأثيرا أكبر في مجال الانتاج الثقافي والرمزي في مجتمعاتهم وحقول تخصصاتهم الفكرية، ولاسيما الكتاب والمنظرون والأدباء والشعراء والمفكرون والمنظرون والإعلاميون. ويتميز هؤلاء بطاقتهم الانتاجية في مجال الفكر والثقافة، كما يتميزون بتأثيرهم الكبير في الروح المعنوية والثقافية لشعوبهم. وغالبا ما يميز الباحثون بين النخبة الثقافية والمثقفين، فالمثقفون يشكلون طبقة واسعة من العاملين في حقل الثقافة، ولكن النخبة منهم ترمز إلى أكثرهم تميّزا وتأثيرا وحضورا في الحياة الاجتماعية والثقافية للمجتمع. وهذا يعني أن النخبة الثقافية تتشكل من كبار الأدباء والكتاب والمؤرخين والشعراء والفنانين الذي يلعبون دورا مميزا وحيويا في مجال اختصاصاتهم الفكرية والمعرفية.

وللتعبير عن النخبة الثقافية استخدم المفكرون عادة عددا من المصطلحات أبرزها: مصطلح "الأنتلجنسيا" بصبغته الماركسية، ومصطلح "المفكر العضوي" وفقا لنظرية غرامشي، ومصطلح "المفكر الرسولي" صاحب الرسالة وفقا لمصطلح إدوارد سعيد، ومصطلح "المفكر النقدي" وفقا لمنظور نيتشه وسارتر. ومن هذه الزاوية ينظر جوليان بندا إلى النخبة من المثقفين "باعتبارهم نخبة ضئيلة من الملوك الفلاسفة من ذوي المواهب الفائقة والأخلاق الرفيعة الذين يشكلون ضمير البشرية (...) إن المثقفين الحقيقيين يشكلون طبقة العلماء والمتعلمين بالغي الندرة لأن ما ينادون به هو المعايير الخالدة للحق والعدل"[21]. والمثقفون الحقيقيون، كما يقول بيندا، هم الذين يجدون متعتهم في ممارسة الفن أو العلم أو التأمل الميتافيزيقي وليس في السعي وراء الغايات المادية العملية. وهذا الأمر لا يعني بالضرورة أن هؤلاء المثقفين منعزلون عن العالم في أبراج عاجية؛ فالمثقف لا يكون مثقفًا حقيقيًا إلا حين يعارض الفساد ويدافع عن المستضعفين ويقف في وجه السلطة القامعة والفاسدة، وفي هذا الجانب الأخلاقي من الثقافة يقول جوليان بندا عن المثقفين الحقيقيين بأنهم: "أقرب ما يكونون إلى الصدق مع أنفسهم حين تدفعهم المشاعر الميتافيزيقية الجياشة والمبادئ السامية، أي مبادئ العدل والحق، إلى فضح الفساد والدفاع عن الضعفاء وتحدي السلطة المعيبة الغاشمة"[22]. وهذا الأمر عينه الذي يعلنه تشومسكي عندما يقول: "إن من مسؤولية المثقفين أن يقولوا الحقيقة ويفضحوا أكاذيب، وأن "المثقف" هو من يحمل الحقيقة في وجه القوة".

وكما أوضحنا في مختلف تعريفات النُّخب، غالبا ما يكون الأفراد الذين يشكلون نخبة ثقافية الأفضل بين أقرانهم، والأكثر تأثيرا في مجال اختصاصهم. ومن هذا المنطلق فإن نخبة المثقفين تتمثل في أكثرهم انتاجا وفعلا وتأثيرا وحضورا وممارسة وإبداعا في مجال الفكر والثقافة والإبداع الثقافي. وهذا يشمل مختلف القطاعات الثقافية في الأدب والشعر والفن والموسيقى والرسم والنحت والتصوير وفي شتى العلوم الإنسانية.

يعرّف طارق مخنان النخبة المثقفة بقوله: "هي مجموعة من الأشخاص المتجانسين، يمتلكون رصيدا معرفيا ولهم تكوين عال، ويتمتعون بسلطة رمزية تخولهم التفكير في قضايا المجتمع... ومفردة الثقافة تشمل قطاعات واسعة الأدب والفلسفة والعلوم الاجتماعية وحتى التقنية والبحثية، فالمثقف هو من يتعدى حدود اختصاصه للتكلم في قضايا تشمله كعضو في مجتمع يرتبط مصيريا بالانتماء إليه "[23].

ويعرّف الجابري نخبة المثقفين "بأنهم يشكلون الفئة الواعية التي اكتسبت بحكم ثقافتها موضوعية التفكير ووضوح الرؤية والقدرة على التحليل والمحاكمة المنطقية مما يجعلهم في حصن من أن تنطلي عليهم أساليب البرجوازية ومن أن يخيفهم تحكم المتسلطين". ويرى "أن هؤلاء المثقفين، هم وحدهم القادرون على تصحيح تلك الصورة في الوعي الجماهيري، ورسم الطريق الصحيح لتحقيقها في حيز الواقع الملموس"[24].

ويشمل تعريف النُّخب الثقافية بصورة عامة هؤلاء الأكثر تأثيراً في مجال الانتاج الثقافي والرمزي في المجتمع، ولاسيما الكتاب والمنظرون وأساتذة الجامعات والأدباء والشعراء والمفكرون والمنظرون والإعلاميون. ويتميز هؤلاء عمليا بطاقتهم الانتاجية في مجال الفكر والثقافة، كما يتميزون بتأثيرهم الكبير في الروح المعنوية والثقافية لشعوبهم.

 وغالبا ما يميز الباحثون بين النخبة الثقافية والمثقفين، فالمثقفون يشكلون طبقة واسعة من العاملين في حقل الثقافة ولكن النخبة منهم ترمز إلى أكثرهم تميّزا وتأثيرا وحضورا في الحياة الاجتماعية والثقافية للمجتمع. وهذا يعني أن النخبة الثقافية تتشكل من كبار الأدباء والكتاب والمؤرخين والشعراء والفنانين الذي يلعبون دورا مميزا وحيويا في مجال اختصاصاتهم الفكرية والمعرفية.

وجلّ ما نعنيه بالنخبة يتمثل في طبقة "المثقفين المحترفين" حسب تعبير كارل مانهايم، أي: هؤلاء الذين يكرسون كل وقتهم لمهنة الكتابة والتأليف والانتاج المعرفي.
الصورة الأنتلجنسوية للمثقف النخبوي.

يتشاكل مفهوم "الأنتلجنسيا"
Intelligentsia مع مفهومي "المثقف" من جهة، والنخبة الثقافية من جهة أخرى. ويأخذ هذا التشاكل صورته في الاستخدام المتناوب لهذه المفاهيم بدلالة واحدة في كثير من الأحيان، كما يأخذ هذا التشاكل صورة الترادف والتعاقب والاستبدال. ومع الاعتراف بصعوبة الفصل بين مفهوم "الأنتلجنسيا" وبين مفهوم "المثقف" والنخبة الثقافية فإن علينا أن نفصل بينهما ونحدد وشائج العلاقة القائمة بين هذه المفاهيم الثلاثة، لأن مفهوم "الأنتلجنسيا" يمتلك خصوصيته التاريخية ويحمل سماته الخاصة في الدلالة والتعبير عن وضعية طبقة من المثقفين نشأت في سياق تارخي مختلف.

 يشار إلى أن الروائي الروسي المغمور بوخارين
Boborykin كان أول من استخدم كلمة "الأنتلجنسيا" عام 1860. وتعود هذه الكلمة في أصولها الاشتقاقية إلى اللاتينية التي كانت تستخدم في ذلك العهد كثيرا من قبل اللاهوتين ورجال الكهنوت في روسيا. وقد استخدمت هذه الكلمة لاحقا لوصف النُّخب الثقافية الروسية الجديدة الصاعدة التي تلقت تعليماً جامعياً على الطراز الأوروبي[25]. كما شاع لاحقا استخدام "الأنتلجنسيا" تعبيرا عن النُّخب الطليعية النقدية في روسيا والبلدان الاشتراكية، ثمّ اتسع استخدام كلمة "أنتلجنسيا" كموضة ثقافية بما تنطوي عليه من إيقاع موسيقي في أغلب بلدان أوروبا الشرقية ولاحقا في أوروبا الغربية، وعلى الأثر في مختلف أصقاع العالم. ومن الواضح أن الأوروبيين الشرقيين استخدمو مصطلح "الأنتلجنسيا" للدلالة على المفكرين الذين يقومون بنقد السلطة والأوضاع الاجتماعية القائمة ويمارسون دورا طليعيا في الحركات الثورية[26].

وقد جاء تعريف "الأنتلجنسيا"
Intelligentsiaفي الموسوعة بأنها جماعة من المثقفين الذين يأخذون مكانهم النقدي الطليعي في المجتمع. ويغطي هذا التعريف المثقفين من النقاد والكتاب والروائيين الطليعيين الذين يتميزون بقوتهم السياسية وحضورهم الأيديولوجي، وقد أطلقت هذه الكلمة على مثقفي روسيا بعامة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر[27]. وقد تخطى هذا المفهوم حدود روسيا وانتشر بشكل واسع في هضاب الثقافة الغربية متقاطعا مع مفهوم "المثقف العضوي"، ومتجاوزا إياه ليشتمل على دلالات تتجاوز جديدة في مفهوم "المثقف" الذي يرتقي في صورته الأنتلجنسوية إلى مفهوم النخبة الثقاقية الطليعية في المجتمع. وقد استخدم مفهوم "الأنتلجنسيا" بشكل واسع في أوروبا الشرقية على أثر المعركة الثقافية التي خاضها المفكرون الفرنسيون حول مظلمة دريفوس عام 1894، وبدأت هذه الكلمة تخط مسارها للتعبير عن النخبة من المثقفين ذوي النزعة النقدية التقدمية.

وقد اعتاد كثير من الكتّاب على الاستخدام الترادفي لمصطلحي "المثقفون" و"الانتلجنسيا" للدلالة على المفكرين الذين يمارسون فعلهم الثقافي من منظور نقدي للأوضاع الاجتماعية والسياسية القائمة. ويتضمن مفهوم "الأنتلجنسيا" في أصول استخداماته الأولى أولئك المثقفين الذين حصلوا على تعليم عال وتخصصوا في الممارسة السياسية والاجتماعية النقدية بوصفهم طليعة سياسية أو قوة تقدمية ماركسية الطابع اشتراكية الهوية. وربما لا يختلف مفهوم "المثقفون" عن مفهوم "الأنتلجنسيا" كثيرا عندما نأخذ بعين الاعتبار مفهوم "المثقف" العضوي عند "غرامشي"، حيث يتقارب مفهوم "المثقف" ويتجاذب مع مفهوم الأنتلجنسيا، لأن المثقفين العضويين أيضا يسهمون في ابتكار الأفكار ونقد الأوضاع السياسية القائمة ومواجهة التحديات الاجتماعية الكبرى في الحياة السياسية والاجتماعية للأمة.

وضمن هذه الرؤية يمكن القول إن "الأنتلجنسيا" هي أعلى مستويات النخبة المثقفة، فالأنتلجنسيا ليست عددا من المثقفين في بلد ما أو مجال ما، بل هي بالتعريف: "حاملة الوعي الثوري" و" أداة العمل الثوري"، لأن "المثقف" لاينضوي تحت لواء الأنتلجنسيا إلا عندما يحمل في ذاته طاقة الوعي الثوري رفضا للواقع ونزعا إلى تعديله وتغييره جذريا. ويتضح أن هذه الصورة الأنتلجنسوية تنقض نظرية الطبقة الماركسية لأن "الأنتلجنسيا" في هذا المقام هي التي يجب عليها أن تثور وتغير وليست الطبقة العاملة "البرولتاريا "، حيث يتجذر "الحديث لا عن عمال المعامل والمصانع بل عن "عمال العقل" و"العمال الفكريين" أوعن البروليتاريا الثقافية"[28].
المثقف النقدي:

للتعبير عن العلاقة الإيجابية بين "المثقف" وقضايا المجتمع ظهرت مصطلحات كثيرة جدا لكنها تدور جميعها في فلك واحد وحول جوهر واحد يتمثل في اهتمام "المثقف" بقضايا المجتمع ونضاله من أجل إحقاق الحق وتجسيد العدل الإنساني ومناشدة الخير والجمال. ومن هذه الكلمات نجد: "المثقف" العضوي، "المثقف" الملتزم، "المثقف" النقدي، "المثقف" الرسولي، "المثقف" الريادي، "المثقف" الطليعي، "المثقف" الناقد، "المثقف" المشاكس، "المثقف" الوطني، "المثقف" الإنساني. وجمع هذه الكلمات تدل في جوهر الأمر على معنى واحد يتمثل في دور "المثقف" ووظيفته في مواجهة مختلف التحديات والقضايا والمشكلات والأوضاع التي يواجهها المجتمع الذي يعيش فيه. ومن الواضح أن هذه الكلمات الدالة على المثقف النقدي تقف على نقيض الكلمات الدالة على المفكر التأملي أو المفكر العاجي أو المفكر الذي يعيش في عالمه الخاص بعيدا عن الحياة وهمومها ومشاكلها. فالفكر كما يرى كثير من المفكرين يجب أن يمارس وظيفة اجتماعية في نقد مختلف التحديات والمشكلات التي يواجهها المجتمع. وعلى هذا الأساس يمكن القول إن "المثقف" الذي يدير ظهره للمجتمع لن يكون جديرا بتسمية المثقف الحقيقي، وبالتالي فإن "المثقف" هو ذاك الذي لا يرضى أن يكون شاهدًا على الحدث بل فاعلاً إيجابيا متمرسا في قضاياه وأحداثه، ولا يكون فاعلا إلا عندما يكون أنموذجا للمثقف العضوي حسب توصيف غرامشي، أو أنموذجا للمثقف الشجاع حسب جوليان بندا
Julien Benda، أو حتى نموذجا للمثقف الفطين التفكير الواضح الرؤية عند الجابري، والملتزم عن بورديو Pierre Bourdieu، أو مثالا للوعي الشقي حسب هيغل Hugle. وفي مقابل هذه الكلمات التي تعبر عن "المثقف الرسولي النقدي" ظهرت كلمات أخرى للإشارة إلى المثقفين السلبيين ومنهم: مثقف السلطة، وفقهاء السلطان، والمثقف الطائفي، والمثقف التقليدي، والمثقف الأيديولوجي، والمثقف السطحي.

عدد كبير جدا من المفكرين تناولوا قضايا "المثقف" وارتباطه العضوي الملتزم بقضايا المجتمع. ومن أجل الكشف عن طبيعة العلاقة بين "المثقف" والمجتمع أو ما يسمى بالعلاقة الصميمية سنستعرض بعض التيارات الأساسية التي تتمثل في منظور كل من من سارتر، وغرامشي، وإدوارد سعيد، والجابري، آملين أن تتضح صوة "المثقف" العضوي الملتزم النقدي المشاكس في مرآة أعمالهم وتصوراتهم النقدية حول دور "المثقف" ووضعية الالتزام الثقافي بقضايا المجتمع وهمومه. وهنا أيضا يجب علينا ألا نغفل أهمية التيارات والاتجاهات الفكرية في هذا الميدان التي لا نستطيع المرور عليها جميعا فهناك محاولات فكرية كثيرة بذلها علماء ومفكرون لا يقلون أهمية، وقد استطاع بعضها أن ينفلت من مركزية الدوران في فلك غرامشي وسارتر وإدوار سعيد.
أنطونيو غرامشي (1891-1937)

يعود الفضل إلى المفكر الإيطالي الكبير انطونيو غرامشي
Antonio Gramsci في اجتراح مفهوم "المثقف العضوي". وتشكل الأعمال الرائدة الكثيرة التي حققها غرامشي حول الثقافة ودور "المثقف" مرجعية فكرية مهمة ينطلق منها أغلب المفكرين عند تناولهم لمفهوم "المثقف" الفاعل الملتزم بقضايا الأمة والشعب.

يقول غرامشي في تعريفه للمثقف العضوي:" جميع الناس مثقفون (...) لكن وظيفة "المثقف" في المجتمع لا يقوم بها كل الناس"[29]. فالمثقف. وفقا لهذه الصورة الغرامشية ناقدٌ اجتماعيٌّ، يعمل في مجال الانتاج الثقافي ويكرس نفسه لخدمة القضايا الاجتماعية الحيوية في المجتمع، ويعمل على بناء نظامٍ فكري مؤنسن ومعقلن في اتجاه تطوير المجتمع والنهوض به. وبالعودة إلى غرامشي نستطيع القول: إن جميع الناس مثقفون بطريقة أو أخرى، وهذا ينسحب على جميع الفئات الاجتماعية من معلمين وفلاحين وعمال وحرفيين وموظفين.

ويميز غرامشي بين نوعين من المثقفين: المثقفون التقليديون، والمثقفون العضويون. فالمثقفون التقليديون يملكون ثقافة مهنية بحسب طبيعة عملهم، ويقومون بنفس العمل وينقلون ثقافة متواترة من جيل إلى جيل مثل: المعلمين ورجال الدين. أما المثقفون العضويون، فهم أولئك المثقفون المخضرمون المتمرسون بالمعرفة انتاجا وإبداعا، الذين يحملون في عقولهم وقلوبهم هموم الطبقات الكادحة في المجتمع من العمال والفلاحين، ويضحون من أجل الدفاع عن قضايا الأمة وقضايا المضطهدين والمسحوقين، وهم في النهاية يمثلون ضمير الأمة والصوت المعبر عن طموحاتها وقيمها الاجتماعية. فالمثقف العضوي لدى غرامشي صاحب مشروع ثقافي يتمثل في "الإصلاح الثقافي والأخلاقي" سعيا وراء تحقيق الهيمنة الثقافية للطبقة العاملة بصفة خاصة وللكتلة التاريخية بصفة عامة[30].

يقول غرامشي
Antonio Gramsci: "لم يعد أسلوب "المثقف" الجديد يعتمد على البلاغة، التي هي محرك خارجي مؤقت للمشاعر والعواطف، بل يجب عليه أن يعتمد على المشاركة الإيجابية في الحياة العملية كبان ومنظم لها "[31]. ومن هذا التصور للمثقف العضوي يخاطب غرامشي المثقفين الإيطاليين في عام 1919 داعيا إياهم إلى الالتزام السياسي، فيقول "لم يعد بالإمكان ان يتمحور نسق حياة "المثقف" الجديد حول الفصاحة والإثارة السطحية والآنية للمشاعر والأهواء. بل صار لزاما عليه ان يشارك مباشرة في الحياة العملية كبان ومنظم مقنع دائما، لانه ليس مجرد فارس منابر. بات لزاما عليه ان يتغلب على التفكير الحسابي المجرد، فينتقل من (التقنية – العمل) الى (التقنية – العلم)، والى النظرة التاريخية الانسانية، وألا يبقى اختصاصيا دون ان يصبح – قائدا- أي رجل سياسة بالإضافة الى كونه اختصاصيا"[32].

جان بول سارتر (1905-1980):

استطاع المفكر الفرنسي جان بول سارتر
Jean-Paul Sartreأن يسجل نفسه بين أفضل النماذج التاريخية للمفكر الملتزم في مجال الفكر والممارسة الثقافية دفاعا عن الحق والكرامة والحرية، وقد تجلى هذا الالتزام على أكمل وجه عندما انخرط في صفوف المقاومة الفرنسية السرية لمواجهة الاحتلال الفرنسي، وعرض نفسه لعظيم الخطر في دفاعه عن الحرية والتضحية في سبيل الوطن.

يرى سارتر في كتابه "دفاع عن المثقفين" أن "المثقف" الحقيقي ليس هو ذلك الذي يقف عند حدود الكشف عن مختلف التناقضات القائمة في المجتمع، بل هو الذي يعمل على تغييرها وتوجيهها ويعلن مسؤوليته الثقافية في مواجهة مختلف التحديات الناجمة عن ذلك[33]. وفي مقابلة شهيرة أجرتها معه مجلة "الاكسبرسو" الايطالية يعرّف جان بول سارتر "المثقف" الحقيقي بأنه "الوجدان الشقي" أي "المثقف" الذي يكشف عن دهاء الأيديولوجيا المهيمنة لفرض السلطة ويحرض على إسقاط أوهامها، لأن الطبقة المهيمنة السائدة تعمل غالبا على تزييف الوعي واعادة انتاج أيديولوجيتها المهيمنة، وهنا يكمن دور "المثقف" في مواجهة التحديات الأيديولوجية للطبقات السائدة والسلطات التي تفرضها. فالوعي كما يرى سارتر يشكل دائرة نفوذ "المثقف"، وهو الوعي الذي قلما يُعترف بأهميته. وقد أطلق سارتر على هذا الوعي وعي البحث عن الحقيقة"[34].

فالطبقة التي تهيمن تمتلك وسائل الانتاج، وتنتج الأيديولوجيات التي تعزز هيمنتها وسلطتها، ولايمكن للطبقة المستلبة المهيضة أن تستعيد حريتها المسلوبة إلا بمعركة شاملة كلية تسودها قيم الحق والعدالة الحرية والحقيقة والمساواة. وهنا يبرز دور "المثقف" وتتضح رسالته حيث يجب عليه أن يوظف معرفته وعقله وقوته السياسية في مساعدة الطبقات المستلبة على استعادة دورها التاريخي وامتلاك حريتها.

وفي كتابه "دفاع عن المثقفين" يركز سارتر على أهمية المواجهة الثقافية للمثقف وضرورة العمل ضد الأيديولوجيا السائدة والانحياز إلى الطبقات الفقيرة. والمثقف في معركته هذه عليه توظيف قوته المعرفية والثقافية في ترسيخ وإبداع ثقافة جديدة للشعب تمكنه من الخلاص وامتلاك وعيه الخاص، وعليه أيضا تحرير أصحاب المعرفة العملية من التقنيين وتخليصهم من الوعي المزيف، وضمهم إلى صفوف العمال. ويؤكد سارتر في هذا السياق على ضرورة العمل والكفاح من أجل مشروع ثقافي ينطلق إلى تأكيد مستقبل الإنسان في حياة حرة كريمة.

وعندما أرخت ثورة مايو الطلابية عام 1968 في فرنسا أثقالها على كاهل المثقفين الفرنسيين واستجوبت مواقفهم في مستوى النظرية وفي مستوى الممارسة، وجد سارتر نفسه في قفص المساءلة التاريخية عن "المثقف" ودوره، وكان لزاما عليه أن يطرح أسئلة عديدة حول الثورة والثقافة والمثقف والعلاقة بين هذه المكونات الثلاثة للحركة الطلابية في فرنسا. ومن بين الأسئلة التي طرحها سارتر سؤال جوهري ذو شعبيتن:من هو "المثقف" الحقيقي؟ ومن هو "مثقف السلطة"؟ والسلطة في منظوره ترمز إلى كل أشكال السلطات الاجتماعية الرمزية والاجتماعية والسياسية. وفي النهاية وبعد هذه المساءلة النقدية وجد سارتر أن "المثقف" الحقيقي هو ذلك الذي يستطيع أن يحقق التواصل بين الفكر والممارسة النقدية، وانطلاقا من إيمانه بوحدة الفكر والممارسة. ومن أجل التأكيد على منظوره على أهمية التزام "المثقف" بالحياة والقضايا الاجتماعية، نزل سارتر إلى الشارع وأخذ يبيع الصحف لمصلحة الطلاب، معبرا عن انحيازه للطلاب ومطالبهم العادلة. وقد أطلق سارتر على المثقفين الذين داهنوا السلطة آنذاك وخضعوا لمتطلباتها وإيحاءاتها بأنهم أصحاب "الوعي التعس" أو "الوعي الشقي" ويقصد بهم هؤلاء الذين يعرفون الحقيقة ويدركون أبعادها ولكنهم تحت تأثير الضغوط الحياتية والاجتماعية يستسلمون ويبايعون سلطان الهوى والقوة على حساب المبدأ الأخلاقي والالتزام السياسي للمثقف.
إدوار سعيد (1935-2003).

 يرى إدوارد سعيد في كتابه المعروف "صور المثقف" أن المثقفين يشكلون شريحة اجتماعية بأبعاد طبقية، وتكمن وظيفتهم في إنتاج الإيديولوجيات والأفكار والتصورات الثقافية والمعرفية. يوافق إدوارد سعيد غرامشي وسارتر في تعريف "المثقف العضوي" من منطلق دوره الحيوي النقدي في معارضة السلطة والتيارات الأيديولوجية السائدة ومواجهة تحدياتها مهما تكن عواقبها. ويرى إدوارد سعيد أن معظم المثقفين يؤدون الدور الاجتماعي الذي وصفه غرامشي، لكن قلة منهم يستطيعون المجاهرة بالحقيقة في وجه السلطة بشجاعة وصلابة وقوة.

فالمثقف الحقيقي - كما يرى إدوارد سعيد - يمتلك دوره الفاعل في المجتمع وهو دور لا يمكن اختزاله أو تصغيره، لأن "المثقف" يجب أن يكون صاحب رسالة مطالب بتجسيد مواقف فكرية وفلسفية من مختلف القضايا الوجودية والحيوية في المجتمع. وعليه ضمن هذا التصور أن يتخذ موقف المواجهة والمجابهة لكل سلطة تقليدية ولكل المسائل والقضايا الحرجة في المجتمع [35].

والسؤال الذي يطرحه إدوارد سعيد في هذا المقام، هو: هل يجب على "المثقف" أن يكون دائما معارضا حتى يرتقي إلى صورته النموذجية؟ وفي معرض الإجابة يرى أنه ليس بالضرورة أن يكون "المثقف" دائما ناقدا ومعارضا، بل يجب أن يكون في حالة من اليقظة تمنعه من التشبع بالحقائق المزيفة والأفكار التقليدية، ومن الواضح هنا أن سعيد يعني بذلك "المثقف" المداهن الذي تكمن وظيفته في حماية الوضع الراهن والدفاع عن الأنظمة الفكرية والسياسية القائمة، ويرى بأن لغة هؤلاء المثقفين مصممة على تشويه الحقائق وتصميم الأيديولوجيات المزيفة الكاذبة[36].

 وفي كتابه "صورة المثقف" يرى أن الثقافة الحقيقية هي التزام أخلاقي من قبل المثقف، وهذا الالتزام يوجب على "المثقف" أن يمتنع عن الارتباط السياسي بأي من الأحزاب أو الجمعيات أو الهيئات الثقافية، فالمثقف الحقيقي يجب أن يحظى باستقلاله الذاتي وأن يوظف قدراته الثقافية في مواجهة التحديات الاجتماعية والسياسية التي تواجه الحياة والمجتمع. ومن أجل تعزيز هذه الرؤية لنضال "المثقف" وحركته خارج الأطر التقليدية السياسية أو الحزبية يستعرض إدوارد سعيد التجارب النضالية لكبار المثقفين على غرار: سارتر
Jean-Paul Sartre، جوليان بنداJolien Benda، غرامشيGramsci، فرانتز فانون Frantz Fanon، بيرتراند راسلBertrand Russell، جانجينيهJeanGenet، ويبين أن كل واحد من هؤلاء المثقفين ناضل سياسيا واتخذ مواقفه المناهضة للأوضاع القائمة بمنهجيات ثقافية تعتمد نمطا متميزا من الوعي وطاقة كارزمية فريدة في الحضور والتأثير [37].

ينتهي إدوارد فى تعريفه للمثقف الحقيقي إلى القول بأنه ذلك الشخص الذي يراهن بكل وجوده على حس نقدي، يرفض فيه قبول الأفكار المبتذلة الجاهزة، أو التأكيدات المتملقة والمكيفة باستمرار لما يجب أن يقوله الأقوياء أو التقليديون، وما يفعلونه. وينطلق في رأيه هذا من فكرة جوهرية في نظرته للمثقف قوامها: أن "المثقف" الحقيقي يوظف ثقافته وموهبته في اتخاذ المواقف النقدية وفي مواجهة تحديات السلطة، إنه شخص يحمل رسالة ويتخذ موقفا، وينطلق من فلسفة، وهذا كله يفرض عليه أن يطرح أكثر الأسئلة المربكة الحرجة علنا دون خوف أو وجل، وهكذا يكون مثل هذا "المثقف" عصيا على الاحتواء من قبل الحكومات،ومحصنا ضد كل أشكال الجمود والتحجر والتطرف والتأدلج، حيث تكمن وظيفته الأساسية في التعبير عن قضايا المجتمع وهموم الناس وتطلعاتهم.

يقول إدوارد في هذا الخصوص مؤكدا مقولة "المثقف" العضوي المناضل: "أعتقد أن الخيار الذي يواجهه "المثقف" هو إمَّا أن يتحالف مع استقرار المنتصرين والحكام، وإمَّا أن يعتبر أن الاستقرار حالة طارئة تهدد الأقل حظًّا بخطر الانقراض الكامل، ويأخذ بالحسبان تجربة التبعية ذاتها، وذكرى الأصوات والأشخاص المنسيين، وهذا هو الدرب الأصعب، فالمثقف الحقيقي، يقف بالضرورة على الضفة المقابلة للسلطة، يقف بسلمية وحيدًا بصدره العاري، يصرخ في وجهها بالحقائق التي لا تعجبها ولا تعجب جمهورها الذي ينساق خلف دعاياتها المضللة حول الأمن والوحدة والدين والمقاومة والإرهاب”[38]. وفي هذا القول تتبلور رؤية إدوارد سعيد حول "المثقف" النقدي فالمثقف الحقيقي كما يراه لا يستسلم للحظة الظالمة ولو كان مُقدرًا لها أن تبقى قرنًا، بل يهاجمها كما لو أنَّه سيكون السبب في رحيلها.
محمد عابد الجابري:

 أسهم محمد عابد الجابري في كثير من كتاباته في إغناء مفهوم "المثقف" الملتزم في التراث العربي الإسلامي؛ ففي كتابه المميز «المثقفون في الحضارة العربية »[39] يستجلي الجابري مفهوم "المثقف" ودلالته، ويبين في قراءته هذه وجود غياب كبير في المرجعية العربية لمفهوم الثقافة والمثقف. وهذا الأمر يجعل البحث في دلالة مفهوم الثقافة في التراث العربي صعبا إلى حدّ كبير. ويرى الجابري وجود صعوبة كبيرة في تأصيل هذا المفهوم الذي يفتقر إلى الجذور الثقافية في البيئة الثقافية العربية.

ولا يخرج تعريف الجابري للمثقف عن الدلالة التي وجدناها عند غرامشي وسارتر وإدوار سعيد؛ فالمثقف، حسب الجابري، هو ذلك الذي يلتصق بهموم وطنه وبهموم الطبقات “المقهورة” و”الكادحة”، وهو بذلك يقصد “المثقف العضوي “،الذي نحتفظ له بتمثل عن مثقف السبعينات والثمانينات والذي كانت اطروحاته وآراؤه حاضرة في مناقشات ومرافعات الطلبة في الجامعات والملتقيات، مثلما كانت اراؤه تناقش داخل المقرات الحزبية عند الحديث عن الصراع الطبقي ومداخل ثورة البروليتاريا.

ويعود الفضل للجابري في أنه قدم لنا تصورا واضحا للمفكر الملتزم في الحضارة العربية الإسلامية، وهو الأسبق إذ استنبط صورة "المثقف" من التراث العربي محاولا تأصيل مفهوم "المثقف" باللغة العربية، بإحالته إلى بيئته الأصلية التراثية العربية التي يمكن من خلالها الوقوف على أهم ملامح هذا المفهوم وتعيناته في التراث العربي الإسلامي.

ويعود الجابري إلى مرحلة تاريخية مهمة في التاريخ الإسلامي في القرن الرابع عشر - وهي مرحلة غياب الدولة المركزية ونشوء الدول المستقلة- ويصف هذه المرحلة بأنها «عصر إمرة الأمراء» و«الدول المستقلة» على حد تعبيره. وفي ظل غياب المشروع الثقافي الكلاني للدولة ككل في ذلك العهد يحدثنا الجابري عن نوع من المثقفين أطلق عليهم «مثقفو المقابسات»، وهم المستهلكون للثقافة الآخذون من هنا وهناك، حيث يحضرون في كل المجالس الثقافية الخاصة بالوزراء والأمراء، إضافة للمجالس التي يعقدها هؤلاء المثقفون أنفسهم، وهم ما نطلق عليهم اليوم تسمية "فقهاء السلطان".

وفي كتابه "المثقفون في الحضارة العربية" يتناول الجابري مأساة شخصيتين إسلاميتين مهمتين، هما ابن حنبل، وابن رشد، ليضعنا في صورة المعاناة التاريخية التي واجهها المثقفون المسلمون الأوائل. وقد تعمد الجابري اختيار هاتين الشخصيتين في صراعهما مع السلطة: فابن حنبل هو عالم دين وفقيه كبير وزعيم لمدرسة فقيه عظيمة، وابن رشد فيلسوف عظيم مخضرم، وفي الحالتين كانت يد السلطة الغاشمة هي الأعلى والأكثر بطشا وإرهابا.

وفي هذا السياق يتناول الجابري بتفصيل واضح مواجهة ابن حنبل للمأمون حول قضية "خلق القرآن" حيث أصر ابن حنبل رغم السجن والتعذيب - فيما سمي بمحنة ابن حنبل - على القول بأزلية القرآن، ورفض فكرة المأمون التي تقول بخلقه، وهذا يشكل كما يريد الجابري أن يقوله لنا نموذجا إسلاميا للمثقف الحر الملتزم الذي يواجه السلطة القائمة ويتحدى أوجه الخوف والترهيب والتعذيب ليبقى
صامدا متحديا في الوقت الذي تراجع فيه الآخرون خوفا وتدليسا ومهادنة للسلطان.

وكما اتهم المأمون ابن حنبل بالانحراف عن الدين الصحيح، فقد اتهم يعقوب المنصور الموحدي، ابن رشد وجماعته من العلماء بالانحراف عن الدين، من خلال وصفه لكتبهم «بأنها مسطورة في الضلال، ظاهرها موشح بكتاب الله وباطنها مصرح بالإعراض عن الله، أسياف أهل الصليب دونها مفلولة وأيديهم عمّا يناله هؤلاء مغلولة». وفي الحالتين كانت سلطة الحاكم الخليفة هي القادرة على القهر والسجن وإحراق الكتب. وفي الحالتين كانت الأسباب الدينية هي المعلنة، وفي الخلف منها الأسباب السياسية التي تخص الحاكم وفهمه وما هُيئ له، أو ما دفعه البعض لكي يفهم الأمر عليه. ويرى الجابري أنه على الرغم من تعاقب القرون فإن البيئة العربية الإسلامية ما زالت تواجه المثقفين بمثل هذا العنف الذي شهدناه في القرن الرابع عشر.

وهنا يحضرنا مئات النماذج عن تضحيات العلماء العرب والمسلمين في التاريخ العربي الإسلامي الذين سطروا أروع المثل في مدى تفانيهم إزاء القضايا والأفكار والمعتقدات والقيم التي آمنوا بها وضحوا من أجلها، من أمثال: الحلاج، والجاحظ، وابن سينا، والرازي، وغيلان الدمشقي، وابن المقفع، وابن رشد، وأبو العلاء المعري، والجهم بن درهم. وأكثرهم ذبح وقتل وحرق وقطعت أوصاله مثل الحلاج، وغيلان الدمشقي، والجعد بن درهم، وعبد الله بن المقفع الذي قتله الخليفة المنصور، وسعد بن جبير الذي قتله الحجاج بن يوسف الثقفي.

 وقد قتل الإمام "المثقف" احمد بن نصر الخزاعي أشهر وأبرز رواة الحديث النبوي في العصر العباسي لمعارضته السلطان في قضية خلق القرآن. وتعرض الإمام "المثقف" الكبير الفقيه ابو حنيفة النعمان للاضطهاد وللإهانة والجلد والتعذيب والسجن في العراق، وتعرض الامام "المثقف" احمد بن حنبل للسجن والتعذيب بسبب قضية خلق القران الكريم. وقتل الشاعر والمثقف أعشى همدان على يد الحجاج بن يوسف في مدينة الكوفة العراقية بسبب جدال سياسي لم يحتمله الحجاج.

وقتل الشاعر سديف بن ميمون بأمر من الخليفة ابو جعفر المنصور. كما قتل الشاعر بشار بن برد على يد الخليفة المهدي، وقتل الشاعر الشهير ابن الرومي على يد الوزير القاسم بن عبيد الله، وقتل الشاعر دعبل الخزاعي لقصيدة هجا بها الخلفاء العباسيين. وقتل الشاعر علي بن جبلة على يد الخليفة المأمون، وقتل الحسين بن منصور الحلاج على يد الخليفة الواثق. وهناك المئات من الشعراء والمفكرين والفلاسفة الذين قضوا على مذابح الحكام والطغاة لأنهم كانوا أهل صدق في الدفاع عن الحقيقة التي آمنوا بها والحق الذي عرفوه. فالتجربة النضالية للمثقف العربي تتصف بالغنى والثراء في مختلف العصور الإسلامية في مراحل الازدهار والانحطاط وهم يتجاوزن بتجاربهم الاستشهادية العظيمة كل ما قيل وسيقال في التاريخ عن "المثقف" العضوي أو الملتزم أو النضالي أو الرسولي.

المثقف العربي في زمن المقدس:

يحكم المقدّس جميع مظاهر الحياة والوجود في المجتمعات البدائية والتقليدية. فحقائق الكون وأسرار الوجود تكمن في أنساق عالم رمزي يحمل طابع القداسة، وعلى هذا الأساس يخضع العالم الدنيوي للعالم المقدّس وينتظم لإرادته. وقد فرض هذا الاعتقاد ولادة أنساق من الأساطير والطقوس التي وظفت في تفسير الكون وتحليل معطياته القدسية. لقد فرضت هذه الوضعية الاعتقادية بالمقدّس على العقل نظاما من التفكير يحيل المعرفة الحقيقية إلى معرفة أسطورية وخيالية، فانتشرت الخرافات والأساطير والمعتقدات السحرية في مختلف أنساق الثقافات والمجتمعات الإنسانية القديمة. فكل ما يحدث في هذه المجتمعات يحدث بإرادة سماوية قدسية، وكل ما يجري يجري بمقادير أرواح وقوى أسطورية خفية.

وقد فرض هذا النوع من التفكير السحري نفسه على مدى قرون وقرون من الزمن. وتدريجيا استطاعت المجتمعات الإنسانية أن تتدرج في وضعية التفكير المنطقي الذي يحيل الظواهر الطبيعة ويفسرها بأسبابها الموضوعية لا بأسباب خارجة عنها منفصلة عن سياقها التاريخي. وبقدر ما كانت هذه المجتمعات تحقق تقدمها في اتجاه التفكير العلمي الذي يقلص حدود الاعتماد على المقدّس والأسطورة في تفسير الظواهر الاجتماعية والطبيعية وتحليلهما بقدر ما استطاعت أن تحقق تقدمها وسيطرتها على الطبيعة لصالح الإنسان. وبعبارة أخرى ارتهن تقدم المجتمعات الإنسانية بمدى قدرتها على تقليص حدود المقدّس لصالح الدنيوي الذي يجسد روحا موضوعية تنفلت من عقال المقدّس وتهتك حجبه.

وقد عرفت المجتمعات الحديثة بأمرين أساسيين فيما يتعلق بالمقدّس: أولاهما، الفصل الواضح بين المقدّس والدنيوي، وثانيهما، اتساع حقل الدنيوي وترجيح هيمنته وسطوته على مجال المقدّس، وهذا يعني تراجع المقدّس في المجتمعات الحديثة لصالح العالم الدنيوي ولصالح الإنسان نفسه.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا إلى أي حد استطاعت الثقافة العربية المعاصرة أن تفصل بين المقدّس والدنيوي؟ وإلى أي حد استطاعت هذه الثقافة أن تقلص من سطوة المقدّس وهيمنته الأسطورية على العقل العربي؟ وباختصار كيف يمكن لنا تحديد جغرافية المقدّس والدنيوي في دنيا هذه الثقافة؟

تبين الدراسات والوقائع الثقافية في المجتمعات العربية غياب الحدود الفاصلة بين المقدّس والدنيوي من جهة، ووجود هيمنة ساحقة للمقدّس على معطيات الوجود ومضامينه الفكرية والاجتماعية. ومن هنا يرى كثير من الباحثين العرب أن أغلب الإشكاليات الحضارية في المجتمعات العربية تبع من إشكالية هذه الهيمنة التي يفرضها المقدّس في مجالات الحياة الوجود الثقافي والاجتماعي.

لقد بينت التجارب التاريخية للأمم والشعوب أن النهضة الحضارية لمجتمع من المجتمعات مرهونة بأمرين هما: الفصل بين المقدّس والدنيوي من جهة ومن ثم الانتصار للدنيوي والعقل الإنساني من جهة أخرى وتقليص دور وحدود المقدّس في حياة المجتمع وفي معتقداته.

 لقد تجاوزت المجتمعات الغربية الموقف المزدوج وضيقت دائرة المحرمات، فأصبح الداخل خارجا، وقضي على مصدر التناقض الوجداني لحساب الجانب العقلي ([40]). لقد تحررت الأبحاث الخاصة بطبيعة الإنسان والعالم من حصن المؤسسات المقدّسة ([41]). ومن ثم أصبح العلم منذ القرن التاسع عشر وسيلة للتحكم بالطبيعة من جهة وللتحكم بالإنسان من جهة ثانية.

وعلى غرار ما سجله تاريخ العصور الوسطى الغربية من اجتياح للمقدّس شمل مختلف جوانب الحياة فإن مساحة المقدّس اليوم تحاصر أبجديات العقل العربي وتمنعه من الانطلاق. " لقد خلع التقديس حلته على جميع الأشياء، ولم نعد نميز بين ما هو مقدّس فعلا وبين ما هو غير مقدّس. أما أسلافنا القدماء من الأئمة المجتهدين وكبار العلماء والفلاسفة فإنهم كانوا يتناقشون في هذه المسائل وما هو أخطر منها بكثير دون أن يشعروا بأنهم خرجوا عن الإسلام أو الإيمان ( كانوا يناقشون مثلا في مسألة الوحي وخلق القرآن ) ([42]).

يشير عزيز شكري في هذا الخصوص إلى خطورة اجتياح المقدّس لوجودنا وحياتنا الثقافية والروحية وهو يرى بأن تحوّل ما هو تاريخي إلى ما هو مقدّس يحمل البذرة الأولى للقهر حيث يقول " إن تحول ما هو تاريخي إلى ما هو مقدّس سيعطل الفاعلية الاجتماعية الأولى التي هي الوعي (…) إن قداسة اللحظة الماضية وما يصاحب ذلك من انقطاع بين وعي الإرادة الاجتماعية ونقض القيم المتشكلة من فاعلية اللحظة الماضية هو حجر الأساس الأول لبناء الإنسان المقهور، وإخراج إنساننا العربي من دوامة القهر هذه، إنما يكون عن طريق التحليل النفسي للتاريخ، فثمة لا وعي جماعي تاريخي مظلم ومعتم بالنسبة لنا حتى الآن ويجب استكشافه ([43]).

 وهذا يعني أن المنطلق الأساسي لتحرير العقل العربي وتأسيس النهضة العربية يكون في خطوتين أساسيتين هما: الفصل بين المقدّس والدنيوي ومن ثم ترسيم الحدود بين الطرفين على أساس إعادة الاعتبار إلى الدنيوي. وهذا يعني أنه يتوجب التأكيد على قدسية القرآن الكريم كتاب الله وشخص النبي (ص) وسيرته وسنته وهذا يعني أن القدسية والعصمة يجب ألا تكون لغير لله وكتابه ونبيه. وفي هذا المستوى يرى هاشم صالح أنه " يحق للمسلم المعاصر، بل وينبغي عليه ن ألا يعترف بقدسية أي نص في الإسلام إلا بالقرآن وما صح من الحديث النبوي الشريف، وإن ما عداه على الرغم من أهميته وتقديرنا له لا يستحق صفة المعصومية والقدسية (بما في ذلك الفقه والشريعة والحديث وعلم الكلام وأسباب النزول والناسخ والمنسوخ والتفسير …الخ) فهذه العلوم على الرغم من عظمتها ليست إلا من صنع البشر، حتى ولو كان هؤلاء البشر هم الصحابة والأئمة والفقهاء أو رؤوس المذاهب الكبار. إن فضلهم علينا عظيم بدون شك، ولكن كلام الله فوقهم وفوق كلامهم فهو وحده المعصوم "([44]).

وفي سياق الحديث عن واقع المقدّس الإسلامي والتشويهات التي تعرض ويتعرض لها يرى هاشم صالح "أن المقدّس الإسلامي ( الأسطوري) قد استنفذ طاقته وفرّغ من معناه (…) لقد تحول إلى شكليات طقوسية وقوالب قسرية جف فيها نبض الإيمان. هذا اللهب الأولي، هذه الشرارة المقدّسة التي أشعلها النبي محمد بن عبد الله ( ص) في روابي مكة والحجاز. ماذا بقي منها الآن؟ كيف تحولت وتشوهت على أيدي الحركات الحالية حتى أصبحت غريبة عن مقاصدها الأولية؟ (…) كيف استهلكت من كثرة الاستخدام بحق وبدون حق، كيف هرمت وشاخت وأصبحت عالة على التاريخ، وهي التي كانت تشحن التاريخ وتدفع العرب نحو الفتوحات والأمجاد؟ كيف خارت القوى، وانحطت العزائم؟ كيف أصبحت الآيات القرآنية تسحب في هذا الاتجاه أو ذاك، لتأييد هذا الزعيم أو ذاك بحسب الحالة أو الحاجة؟ كيف دخلنا في معارك الفتاوى الحامية التي تقذف بعضها البعض كالرجم بالصواريخ؟"([45]).

وعلى أساس التمييز بين المقدّس والدنيوي بين المتغير والثابت في شبكة الحياة الثقافية ومنظوماتها يقترح تركي الحمد بناء منهج لدراسة الثقافات وتحليلها على نحو علمي. وعلى أساس هذه المنهجية يمكن تحديد طبيعة التعامل مع الثقافة وتشخيص مشكلاتها بصورة علمية ومنهجية ([46]).

وتأسيسا على هذه المنهجية فإن " الجانب المقدّس في ثقافتنا هو النظرة الإسلامية إلى الأمور والأشياء سواء ما تعلق منها بالفرد أو الجماعة أو الكون أو العلاقة بين هذه الأشياء، وهو الشيء الذي يجب أن يتمتع بالثبات والاستقرار لأن فيه تكمن ذات الأمة وروحها " ([47]). وغير ذلك من عادات وقيم وممارسات فهي أمور تأخذ شأن دنيوي دينامي متحرك قابل للمعالجة والتجديد والاجتهاد. وهذا من شأنه أن يضمن ازدهار الحضارة ونمو التجديد والابتكار في ثقافتنا وحياتنا.

ومن هذه الأرضية يؤكد محمد نجيب عبد المولى على الضرورة التاريخية للفصل المنهجي بين المقدّس بصورته الحقيقية وبين المظاهر الاجتماعية التي أُسبغت عليها خصائص القداسة. ومن هذا الموقع يؤكد أيضا على أهمية تدخل العقل الإنساني للتمييز بين العناصر القدسية والعناصر الدنيوية للحياة الثقافية العربية الإسلامية. وانطلاقا من ذلك كله يقول الكاتب " إن الخروج من الأزمة لن يكون تنكرا للمقدّس بل سيكون بحثا عن المعقول فيه وقناعة بأن معقوليته متسترة لا بد من الكشف عنها. بذلك لا يكون المعقول خارج سجل المقدّس بل هو مستتر في ثنايا الظاهر يأبى البروز إلا بفعل الذات العاقلة"([48]). والباحث هنا يريد أن يقول بضرورة تحرير المقدّس من الإضافات الأسطورية التي تخللته عبر التاريخ وإعادة الاعتبار التاريخي للمقدّس الحقيقي وهذا يعني اكتشاف اللحظة العقلية في المقدّس ذاته. وفي هذا الصدد يمكن الإشارة إلى أعمال الكواكبي ومحمد عبده والأفغاني والطهطاوي ورواد عصر النهضة العربية الذي حاولوا تحكيم العقل في المقدّس وعقلنته ومن ثم ترويضه معرفيا في وقت ساد فيه الفكر الخرافي وهيمنت عقلية التواكل وانحسرت فعاليات العلم.

لقد كرس ابن رشد حياته العلمية انتصارا للعقل على قدسيات النص الديني، وكان حريصا في ذلك على شموخ الحقيقية الدينية وسموها، وقد تأسس لديه أن سمو الحقيقة الدينية لا يمكنه بأي حال أن يتعارض مع دورة العقل، وفي سياق ذلك كله كان يؤكد بأن اعتماد العقل في فهم الدين هو الطريق الحقيقي نحو فهم الدين وتمثل قيمه. ولذلك وانتصارا لحكمة العقل كان يرى بأن التعارض بين العقل وظاهر النص يجب أن يتم تجاوزه لصالح العقل أو بما يقتضيه العقل وذلك تيمنا بمقولته الشهيرة بأن " الحق لا يضاد بالحق بل يعاضده ويشهد له ". وتأسيسا على ذلك يمكن القول بأن العقلانية الرشدية كانت تتويجا للمقدّس على أسس عقلية أو عقلنة للنص الديني، وهذا يقتضي تحرير المقدّس من شطحات اللامعقول، وتحصينه ضد منظومة الخرافات والأوهام التي أحاطت به عبر التاريخ. وعقلنة المقدّس وفقا لذلك يشكل المسار الحقيقي الذي يكفل للمقدّس حالة الديمومة والاستمرار على أسس عقلية راسخة. " إن البحث عن مشروعية إعمال العقل في النص الديني كما في سائر المجالات الأخرى يبدو للوهلة الأولى مسألة نظرية تخص طبيعة المعرفة والأدوات المحققة لها، إلا أن المقصد العميق لابن رشد من كل ذلك هو تغيير طرق التفكير حسب العبارة الكانطية والتسليم بأمر واحد هو قدرة العقل على تناول القضايا النظرية بما في ذلك تلك التي تناولها النص الديني "([49]).

وعلى غرار ما سجله تاريخ العصور الوسطى الغربية من اجتياح للمقدّس شمل مختلف جوانب الحياة، فإن مساحة المقدّس اليوم تحاصر أبجديات العقل العربي وتمنعه من الانطلاق. " لقد خلع التقديس حلته على جميع الأشياء، ولم نعد نميز بين ما هو مقدّس فعلا وبين ما هو غير مقدّس. أما أسلافنا القدماء من الأئمة المجتهدين وكبار العلماء والفلاسفة فإنهم كانوا يتناقشون في هذه المسائل وما هو أخطر منها بكثير دون أن يشعروا بأنهم خرجوا عن الإسلام أو الإيمان ( كانوا يناقشون مثلا في مسألة الوحي وخلق القرآن)([50]).

 لقد اكتسبت مجموعة من المفاهيم والتصورات صفة الثبات المطلق أو خاصة المقدس وفقدت بالتالي الصلة مع الواقع والمحيط المتغير فأصبح الإدراك الذي تنقله وبالتالي الأحكام الصادرة عنه إدراكاً وأحكاماً مرتبة أو مشوشة على الأقل وهذا ما نتبّينه من خلال التعامل العربي المعاصر مع أحداث هذا العالم وتحولاته([51]). لقد أضفي الطابع القدسي على مختلف جوانب ومعطيات الحياة في الحياة الثقافية العربية. وتستمد هذه القداسة تدفقها من التراث الذي تحول إلى طاقة قدسية مولدّة. وهذا التقديس يزاحم قدرة العقل على الحضور والمشاركة إنه حالة من المنع الشاملة التي تحرم العقل من التجول والتداول والبحث والتدبر. وهي حالة تتنافى مع الروح الحقيقية للإسلام الذي هو دعوة بلا حدود إلى التأمل والتبصر والتفقه والعلم والمعرفة. وهذا يعني أن الإضافات القدسية والسحرية على التراث ليست من الدين أو في جوهره، إنها إضافات منافية لروح الدين وجوهر التراث الإسلامي الحقيقي.

وقد حان الوقت لأن نعترف بأن التراث العربي الإسلامي يستحق أكثر من التبجيل والتقديس المجاني إنه يحتاج إلى التبجيل الفكري وروح المحاججة العقلية التي تصونه وترتفع به إلى سموه الحقيقي. إن التقديس العفوي للتراث يضعه في مستودع الجمود والتصلب والفساد. ولذا لا بد من إحياء هذا التراث علميا بطاقة التساؤل والتداول والحوار والجدل والمناقشة المستمرة التي تمنح هذا التراث روح التجديد والابتكار وتعطيه القدرة والقوة في أن يتجول إلى قوة تنوير ودفع حضارية نتجاوز معها مفازات التخلف ومنحدرات السقوط.

وهكذا علينا كما يقول هاشم صالح " إما أن نجرؤ على مواجهة هذا الأب - التراث الواقف فوق رؤوسنا بكل رهبته وهيبته، فنجبره على المصارحة وإقامة علاقة جديدة معه، وإما أن ننسحق تحت وطأته فيموت ونموت معه. هذا الأب – التراث الواقف في وجهنا بصمت كصمت الدهر، آن الأوان لأن نهزه قليلا ونضطره لأن يفتح فمه لأول مرة فيروي لنا قصة البدايات ويفك عنا أسر القرون " ([52]).

فالأوهام الكبرى تتبلور اليوم في وعي الإنسان العربي وتفرض نفسها على هيئة حقائق مطلقة لا تناقش ولا ترد. لقد بلورت هذه الأوهام وعيا شعبيا خاطئا يعوق كل نهضة وكل تفكير سليم. وهذه الأوهام تحتاج إلى معاول النقد وطاقة الحوار إنها تحتاج إلى أبجدية عقلية جديدة قوامها الإيمان الراسخ بأن طاقة العقل المتحرر من إيقاعات الأساطير هو وحده هو الذي يمكنه بناء وعي تاريخي يناسب حركة العصر ويتناغم مع جوهر الحقائق الكلية والنوعية. لقد آن أوان وعي تاريخي عقلاني يبدد الوعي الأسطوري والخرافي في ثقافتنا العربية المعاصرة، لقد آن أوان خروج العقل العربي من أنقاض الأوهام الأسطورية التي فرضتها عقلية التقديس والتدليس. ونحن نعتقد بأن الإيمان سوف يخرج أكثر قوة واتساعا ومصداقية بعد إجراء هذه العملية الجراحية الخطيرة، وهي عملية استئصال أورام المقدّس وأوهامه من تراثنا وتفكيرنا. وعندها ستنطلق روح العطاء الفكري نحو إيمان جديد مطهر من قذى القرون الوسطى وأوهامه.

فالثقافة العربية كما أسلفنا تعاني من هيمنة مقدس أسطوري يتجدد باستمرار. وعلى خلاف اتجاهات التطور الطبيعي للمجتمعات الإنسانية فإن هذا المقدس اللاعقلاني ينبت ويستنبت في مختلف أنساق المعتقدات السياسية والاجتماعية والدينية. وتتزايد دورة هذا المقدس الأسطوري ويزحف في مختلف جوانب الفكر ومساحات الاعتقاد في الثقافة العربية المعاصرة. وغني عن البيان أن هذا المقدس الأسطوري يختلف تماما عن المقدس العقلاني الإسلامي الذي تحدد فقهيا في ثلاثة أقانيم ترمز إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وإلى القرآن الكريم كتاب الله، وإلى سنة النبي (ص). أما المقدس الأسطوري اللاعقلاني فيتمثل في ظهور دعوى الأنبياء الجدد الذين فتحوا باب الاجتهاد في التحريم والقتل والمنع والامتناع، في أيديولوجيات وعقائد أسطورية مبتدعة تتجسد في دعاوى الترهيب والإرهاب، كما تتمثل في تقديس رجال السياسة، وتعظيم رجال الدين، في ولادة أساطير قديمة جديدة، ودعوات متقادمة متجددة، وأفكار وبدع محدثة، في قدسية النصوص والأحداث، في تقديس الكلمات والمواقع والأشياء، في كرامات الأولياء الصالحين، وفي وجبروت أهل النفوذ والسلطان. وهذا الطابع القدسي الجديد غالبا ما يرتبط بعقلية التحريم وعقلية المنع والامتناع، وهكذا تتحول الثقافة العربية المعاصرة إلى حقل من الممنوعات إلى مساحات ممتدة تنـزرع فيها ألغام " التابو" في كل حدب وصوب. إنها حالة الانتصار الشامل لمقدس رهيب محاط بكل مخارز القمع والإكراه الذي يقطع على العقل إمكانية الحركة والمناورة والحضور.

وفي مواجهة هذا المدّ الأسطوري لمقدس لاعقلاني، يوظف في خدمة القمع والإرهاب، فإن الثقافة العربية مطالبة اليوم بالعمل المتواصل من أجل بناء طاقة علمية ومنهجية جديدة تستطيع أن تسجل حضورها في عالم اليوم وفي مواجهة المقدس الأسطوري والكشف عن جوانبه التي تتنافر مع العقل وتتعارض مع الدين. إن الثقافة العربية المعاصرة مطالبة اليوم بالعمل المستمر على إحياء النزعة العقلية وإزالة الطابع القدسي المزيف للوجود. إنها مطالبة بأمرين أساسيين هما: تحديد علمي وموضوعي للحدود الفاصلة بين المقدس الإسلامي وبين الدنيوي، وهذا عبر رؤية عقلانية يقرّها الدين ويباركها العقل من جهة. ثم يتوجب على هذه الثقافة أن تهتك حجب وأسرا المقدس اللاعقلاني الأسطوري وأن تعيد للعقل والإنسان مكانته ودوره في تفسير الكون والحياة والوجود على نحو علمي من جهة ثانية.

سقوط النخب الثقافية في العالم العربي؟

لا يحتاج الباحث إلى كثير من التأمل للتعرف على هوية النخب الثقافية والدينية والإعلامية العربية وذلك عندما يتم النظر إلى هذه في واقع النخب من منظور الواقع الاجتماعي المتخلف الذي تعيشه المنطقة العربية بصورة عامة. ولا يخفى على أحد مهما بلغ مستواه المعرفي أن المنطقة العربية محكومة بأنظمة سياسية استبدادية واضحة المعالم منذ عهد الاستقلال في بداية القرن الماضي. فالنخب العسكرية والعائلية هي التي تحكم البلدان العربية بالحديد والنار. وضمن مركزية الاستبداد السياسي فإن النخب الثقافية والإعلامية والدينية ندور في فلك النخب السياسية الحاكمة وتعمل على تعزيز وجودها وإعادة انتاجها. وقد عملت الحكومات العسكرية الاستبدادية على تفريغ النخب العربية من محتواها النضالي والتنموي لتجعلها طاقة تساند كل أشكال الاستبداد والاستعباد في المنطقة.

لقد علمتنا الثورات العربية دروسا كبرى في مدى سقوط النخب التي عاشت وتعايشت منذ أكثر من نصف قرن ونيّف على فتات السلطة فتشكلت في أحضانها، ونمت في ظل سيطرتها وهيمنتها. وضمن هذا التصور يمكن القول أن النخب الثقافية العربية فقدت كل مقومات النخب القادرة على توجيه الحياة السياسية نحو الأفضل إنها نخب تتناسب طردا مع أوضاع الاستبداد وتطلعاته. لقد شاهد المواطن بأم عينه تقلب المثقفين ورجال الدين في مواقفهم من الأنظمة السياسية الاستبدادية القائمة إذ تقوم هذه النخبة على مساندة أي نظام سياسي يصل إلى السلطة أو أي نظام يمتلك شروط القوة. ويمكن ملاحظة هذا الأمر في سوريا وفي تونس واليمن لقد كانت النخب الثقافية والدينية نخب تابعة للأنظمة السياسية القائمة وكانت هذه النخب تبدل لونها مع كل تغيير جديد وتعطي ولائهها لما يتسنم مجد القوة وعنفوان التسلط.

فالنخب الثقافية والدينية والإعلامية تشكلت في أحضان الأنظمة القائمة واستطاعت الأنظمة أن تتلبها وتوظفها في توليد الأيديولوجيات والأفكار والتصورات التي تعزز من حضور هذه الأنظمة السياسية القائمة. وأصبحت هذه النخب في الغالب نوعا من البرباغاندا الإعلامية والأيديولوجية للأنظمة السياسية القائمة. واستطاعت هذه النخب أن تفرض نفسه عبر نصف قرن من الزمن بوصفها نخبا رديفة للسلطة تنافخ عنها وتبرر وجودها.

وقد حملت هذه النخب سمات المجتمع المتخلف الذي نشأت فيه وتماهت مع طبيعة التسلط السياسي والاجتماعي القائم فتحولت إلى نخب رثة ضعيفة غير قادرة على الفعل وبقي دورها في مجال التبرير السياسي والأيديولوجي لأنظمة التسلط الاجتماعي.

فالنخب العربية كما يقول موسى رحوم عباس في مقابلة خاصة أجريناها معه "هي نخب مصنوعة أنتجت في ظل أنظمة شمولية يقودها الفرد المتستر بغطاء الحزب الواحد ( العراق، سوريا، الجزائر، مصر، السودان،.. .)" والكل يعرف كيف تنتج هذه الأنظمة نخبها، فنظام التعليم والابتعاث، وتبني الشعراء، والموسيقيين، ورجال الدين، وحتى أئمة المساجد، والإعلاميين، فمن المطرب إلى الباحث، لا طريق للترقي سوى طريق الحاكم، وعلى هذا فخطاب هذه النخب هو صدى لسيدها وولي نعمتها، وبعيدا عن الشعاراتية الفارغة لن تجد في المسكوت عنه في خطابهم، ولا المصرح به سوى مقولات هذه الأنظمة، مع تفاوت فيما بينهم في الهامش المتاح في هذا النظام اتساعا وضيقا ففي مصر الهامش يختلف عن العراق وسوريا، لكننا في النهاية أمام ثقافة إقصائية للآخر، ووصمة الخيانة واللاوطنية والرجعية هي الختم الرسمي لكل خطاب مختلف.

فالنخب الدينية كما يرى رحوم محكومة بتيارين: أولا -النخب الرسمية ( شيخ الأزهر يعين من قبل الحاكم وهو موظف رسمي وكذلك المفتي العام في سوريا ولبنان والعراق.. ...) ثانيا - - النخب المهاجرة أو المغيبة في المعتقلات ولا طريق آخر، وخطابها مأزوم وموتور نتيجة المعاناة والقهر وكلما ازدادت الأنظمة تطرفا ووحشية، ازدادت هذه النخبة تطرفا مقابلا

وفيما يتعلق بالنخب الإعلامية: فقد تحولت إى نوع من البروباغندا لتسويق الأنظمة الشمولية، وهي تلعب دورا خطرا في الترويج للحاكم، ففي سوريا مثلا لا توجد إذاعة أو صحيفة غير رسمية وحتى ما تسمى قنوات خاصة، هي قنوات مملوكة لمقربي الأنظمة، ومصادر تمويلها مشبوهة، وتتبنى الخطاب الرسمي بكل تفاصيله، وتنشر التعصب السياسي للجهة التي تمثلها، وتكاد الوجوه نفسها نراها ليل نهار.

المثقف العربي والانزلاق الطائفي:

في الآونة الأخيرة ومنذ اندلاع الأحداث الدامية في سوريا والعراق واليمن نشأت طائفة من المفكرين الطائفيين الذين خطفوا الأضواء وتقدموا الصفوف وضجت بهم الأرجاء. وقد تميز هؤلاء المثقفون الجدد بقدرة هائلة على إثارة غير معهودة لنوازع التعصب الطائفي وتأجيج الكراهية المذهبية إلى حدّ الدعوة إلى سفك الدماء والقتل. وقد انتشرت السموم الفكرية لهؤلاء المفكرين عبر محطات التلفزيون وصفحات المواقع الإليكترونية الصفراء انتشار النار في الهشيم. وفي هذا الزمن المفجع الذي ألم به جحيم الطائفية وعصفت بأركانه كل أمواج الحقد المذهبي أصبحت الثقافة الطائفية موضة ثقافية رائجة اليوم تستهوي القلوب وتنتعش لها النفوس اليائسة والقلوب البريئة. وفي أرداف هذا التعسف الإنساني والبؤس الأخلاقي، وعلى إيقاعات هذا الواقع المأساوي استطاع فرسان الثقافة الطائفية وركّاب أمواجها أن يصبحوا من المعروفين في ميدان الثقافة الطائفية، وأن يأخذوا مكان الشهرة في أروقتها وتضاريس حضورها ! وقد امتهن هؤلاء الطامحون موجة الحقد الطائفي كوسيلة للارتقاء الثقافي والتألق الفكري والصعود السياسي. وكما يقول المثل: لكل عصر دولة ورجال وقد انبرى هؤلاء ليمثلوا هذا العصر الطائفي بدولتهم الفكرية ورجولتهم الطائفية فأصبحوا بامتياز أبطال هذا العصر وفرسانه.

وتتمثل وظيفة هؤلاء "المثقفين الطائفيين الجدد" في صب الزيت على النار الطائفية إذكاء توقدها ونشاطها، فهم يذرعون في نفوس الناس الخوف والكراهية والحقد والنزعة إلى الثأر الطائفي عبر مقولاتهم وأفكارهم وتصوراتهم الجهنمية، ثم يختلقون القصص والروايات ويزورون التاريخ والحوادث ويؤججون المشاعر ثم يدعون إلى القتل والاقتتال تحت عنوان الكراهية الطائفية والحقد المذهبي الأرعن اللعين.

ولا نستطيع أن ننكر اليوم أن هذا النوع من المثقفين الطائفيين الجدد يشكلون ظاهرة ثقافية فكرية اجتماعية جديدة لها أبعادها في الساحة الفكرية، وهذه الظاهرة تحتاج إلى تحليل سوسيولوجي معمق من أجل الكشف عن الحقيقة التائهة في أغوار الظروف الاجتماعية التي تحيط بهم فتفعم إلى مستنقع التعصب والتمذهب.

وإذا انطلقنا من المنطلق الثقافي لمعنى المثقف ودلالته فإنه لمن البداهة بمكان أن نقول لا يمكن للمثقف الحقيقي أن يكون طائفيا؟ فالثقافة الحقيقة تتنافر كليا مع الفكر المذهبي والطائفي. ونحن نطلق على دعاة الثقافة بالمثقفين الطائفيين ولطالما نضع كلمة المثقف بهذا المعني ضمن مزدوجتين للدلالة على التحفظ في إسقاط هذه الكلمة على جماعة من المهووسين والساقطين دعاة الطائفية والمذهبية والحقد والكراهية.

 ومن الطبيعي أننا عندما نتأمل في بنية المثقفين الطائفيين وفي تكوينهم سنجد بأن هؤلاء الدعاة أبعد ما يكونون عن أي دلالة للثقافة، فهم أجهل الناس وبني البشر بأبجديات الثقافة الحقيقية ومسلمات التفكير الصحيح، ومع ذلك استطاعوا أن يغرقوا الساحة الفكرية بسمومهم الفكرية ليحتلوا مكانا هاما في الساحة الثقافية بين مثقفي الطائفة والمذهب؟

ومن الطبعي أنك عندما تقرأ فيما يكتبون وفيما إليه يذهبون تجد درجة طاغية من الجهل وفقدان العقلانية والمنطق والقيمة الأخلاقية، وتلمس بوضوح غياب أي ثقل ثقافي أو فكري يدل على أبسط ابجديات الفكر والثقافة والعقلنة.
خاتمة: الأمل الثقافي في زمن موحش:

 يتضح من مجريات البحث في قضية الثقافة والمثقف النقدي أنّ ثقافة الجمود وعقلية التمذهب استطاعت أن تتكاثف في أعمق طبقات الوجدان لدى المثقفين العرب المعاصرين، أن تتأصل في أعماق اللاّشعور والبنية الباطنية للعقل لتشكّل جوهر الشّخصية العربية للمثقف العربي المعاصر. وقد كشفت الأحداث الدامية في سوريا وفي لبنان والعراق واليمن وليبيا... وفي كل مكان من أصقاع العالم العربي الملتهب، أنّ أغلب المثقفين الكبار، الذي كان يُفترض أن يعوّل على علمهم وحكمتهم ورجاحة عقولهم في الأزمات وفي المنعطفات التاريخية، قد انحدروا إلى الدرك الأسفل من السّلوك الغرائزي الطّائفي والعرقيّ والمذهبي الأرعن، وانضمّوا إلى القطيع المهجّن بقيم الجهل والتخلّف والعفن التاريخيّ. ولم يستطع كثير من المفكّرين اللاّمعين العرب أن يُخْفُوا هذا التدفّق السادي المهووس والمدجن بقيم السقوط في مستنقع من الأوهام النزوية الماضوية التي تجد صداها في أعمق طبقة من طبقات الوعي والوجدان، فانضمّوا إلى القطيع يردّدون أناشيد التعصّب، ويتمايلون على إيقاع التمذهب، ويهزجون بكل خرافات الماضي وأباطيل التّقاليد التي لا يمكن أن تصمد أما العقل والمنطق والبرهان..

 ولم تكن الشّعارات الفكرية الرنّانة التي رفعها هؤلاء المفكرون إلا سرابا خُلّبا وأوهاما وأضغاث أحلام، التي ما أن وضعت على محك الأزمات والصّدمات حتى سقطت الأقنعة الأيديولوجية الجميلة وظهر الوجه الحقيقيَّ المخيف لهؤلاء المثقفين فخرج العفن التاريخي من الأعماق قيحا وصديدا وتعصّبا، وتفجرت في الأجواء قواهم الشيطانية في صورة عفن الثّقافي هجين فتنكروا شغفا لقيم العقل والعقلانية والقيم الإنسانية، وتماهوا في دورة العشق المبجل لكل معاني الاستبداد والقهر والانتقام. وهنا في هذه المنطقة الخطرة من الكمائن المضادة للعقل والعقلانية تنتفض النزعات الشيطانية الكامنة في اللاّوعي واللاّشعور الذي يشكل أعمق أعماق الإنسان.

أقول، وقد ينطوي هذا القول على بعض الحقيقية، إن حالة التّخلف الحضاري الثقافي المتصلب التي نعيشها اليوم يصعب كسرها وإزاحتها وقد أصبحت على درجة كبيرة من الاستحالة، وإننا إذا شئنا تبديد هذه الوضعية المتخلفة فإننا تحتاج إلى قوة نووّية قادرة على تفجير هذه الوضعية وتفكّيك بنيتها وتدمير معالم وجودها. وعلينا في كل الأحوال أن نعمل على تفجير هذه الصخرة "السيزيفية" هذه اللعنة الحضارية التي حلت بالأمة، وأن نبدد وجودها ونحيلها إلى غبار كوني عدمي كي لا تسقط من جديد في وديان الجمود، والظلام. ومن أجل تفجير هذا التخلف المريع، هذه الصخرة الجاثمة على صدورنا منذ مئات السنين، لا بد لنا من واحدة من صواعق "زيوس" القادرة على تدمير هذه اللعنة وتفجير هذا الكابوس المزمن. ومن أجل هذه الغاية الحضارية كم نحن بحاجة إلى "بروموثيوس"[53]جديد يتحدّى ظلام الكون بصواعقه القاصمة، ليضيء، بالنور والحبّ والسلام، عالمنا المظلم الموحش.

نعم. نحن بحاجة إلى صواعق النور والتّنوير لتبديد ظلام التخلّف وكسر جموده وتحطيم تصلّبه، نعم نحن بحاجة إلى "برموثيوس" عربي جديد على صورة نخبة فكرية متمرّدة قادرة على تحطيم أصنام التخلّف...قادرة على حمل شعلة الحق والخير والعقل التي تصعق ظلامنا وتبدّد تخلفنا، وتعيد لنا إنسانيتنا المهدورة. نعم، نحن بحاجة إلى نخبة فكرية شابّة جديدة صاعقة تحمل نور المحبة والسلام والعقلانية إلى أوطاننا المقهورة. بل كم نحتاج إلى عمالقة من المفكّرين الجدد القادرين على حمل الصّواعق الإلهية من أمثال الجاحظ والمتنبيّ والمعرّي والتّوحيدي وابن عربي وجلال الدين الرومي، وابن خلدون، وابن رشد...نحتاج إلى عقول متفجّرة بالحبّ والسلام والبحث عن الحقيقية أمثال غاليلو غاليلي وفولتير وغرامشي ونيوتن وبورديو وجاك لاكان... نحتاج إلى جيل من المفكرين الجدد الذين يملكون القدرة اللاّزمة لتغيير المصير، والانطلاق قدما نحو عالم النور والحياة.

والسؤال الكبير هو: كيف يمكن لأمّة أنهكها التخلّف وأعماها السعي التاريخي في الظّلام أن تنجب من جديد أمثال هؤلاء العظماء المتنوّرين القادرين على النهوض بالأمة؟ والإجابة عن هذا السؤال تكمن في تاريخ الحضارة الذي يعلّمنا بأنّه يمكن للأمة التي تمضي في رحلة التّحضّر، وتنطلق في مسار التّنوير أن تنقّب عن النور، وتفجره قوةً هائلةً في قلب العتمة ودهاليز الظلام، يمكن للشعوب أن تحوّل الجحيم إلى رياض وجنان، والقحطَ إلى ربيع مزهر، والضعفَ إلى قوة صمّاء، والهزائمَ إلى انتصارات مؤزّرة. وتلك هي حالة الألمان عندما يجيبون على السّؤال: لماذا بلدكم جميل وعظيم؟.. فيقولون: إننا خرجنا من الحرب لنتعلّم كيف ندفن الثّارات، ونجعل من بلادنا وطناً حدوده السماء.. تعلّمنا كيف نغادر عصر البكاء على الأطلال، ونبني خراب الحروب، ونستبدل ناطحات السحاب بالثكنات.

ومن أجل هذه الغاية علينا أن نعمل دون توقف على استئصال الشّرور التي انطلقت في عالمنا الثقافيّ من تعصب وحقد وكراهية وتخلف وكراهية للغير واستسلام وكسل ونظرة دونية إلى المرأة وتغييب للعقل والعقلانية ونزعة إلى الطغيان والاستبداد وتقديس للماضي. علينا أن نحزم هذه الشرور كلها ونودّعها من جديد في صندوق (باندورا) رمز الانتقام. وعلى النقيض من هذا الصندوق الموحش، علينا أن نصنع صندوقا شهرزاديا يمتلئ بالأمل والحب والسلام والإيمان بالعقل والمستقبل وعشق العلم والمعرفة والعمل على أنسنة الوجود والارتقاء بالإنسان إلى مرتبة الإنسانية. علينا أن نطلق هذه الخيرات العظيمة لتملأ الدنيا حبا وسلاما ونورا وحضارة.

في أفق هذه الأمل الكبير بالأنسنة الجديدة نؤمن بأن عددا كبيرا هائلا من المثقفين والمفكرين يعملون اليوم بصمت وعمق وهدوء في فضاء شهرزادي جديد من أجل بناء ثقافة جديدة، وهم يمثّلون الأمل والحب والسلام ويرسمون في الأفق قيثارة حب حضارية تصدح في فضاء كونيّ، ولابدّ لأنغامها الوجودية الرائعة أن تتكاثف في يوم من الأيام لتمطر الكون حبّا وسلاما وإيمانا بالعقل والإنسان، لا بد لأنغامها أن تطارد شياطين الكراهية، وكل الشرور الثقافية التي يبثّها الرّاقصون على إيقاعات الثقافة السّوداء التي تملأ الكون قبحا وشرورا. نعم. هناك من يقرع أجراس السلام والمحبة في ربوع أوطاننا، وقد تستطيع هذه الأجراس يوما أن توقظ العقل العربي من سباته، فيتفجّرَ عطاءً، وينهض من جديد لينفض عن نفسه غبار الموت ويتطهّر بالنور من أدران الظلام.. والمهمّة يقينا ستكون صعبة وشاقّة على الأجيال المتعاقبة من المفكّرين والمؤمنين بقدرة الأمة على النهوض، ومع ذلك يحدونا أمل كبير بحجم المجرة، مستلهمين في ذلك عبارة كانط المأثورة: "علينا أن نعمل وكأن الشيء الذي لا يمكن أن يكون يجب أن يكون "، نعم يجب علينا ألا نستكين وألا نهدأ، وأن نعمل بصمت وقوة من أجل الغاية الحضارية السامية: النهوض والتحضّر إيمانا بالحقّ والخير وإنسانية الإنسان.

وفي ظل هذا الإيمان وذاك الأمل نأمل أن تظهر النخبة المثقفة الجديدة التي يمكنها أن ترسّخ قيم المحبة والسلام والإيمان بالنقد والحرية والعقلانية. نخبة تشد الخطى على طريق التّنوير والانبعاث الحضاري للإنسان العربي، وما أحوجنا، في هذا المقام، إلى استحضار حكمة كوندورسيه الباعثة على الأمل الدائم إذ يقول: " سوف يأتي اليوم الذي تشرق فيه الشمس على الرجال الأحرار فقط، أولئك الذين لا سيد لهم سوى عقلهم".

[1] - المختار بنعبدلاوي، الثقافة العربية ومعطيات الواقع الراهن والآفاق المنظورة، مجلة الوحدة، عدد غير مذكور التاريخ، صص 44-50، ص 45.
[2] - عبد الله عبد الدايم، التربية والقيم الإنسانية في عصر العلم والتقانة والمال، المستقبل العربي، السنة العشرون، العدد 230، نيسان /إبريل، 1998، (صص 64-86)، ص80.
[3]- أحمد زكي بدوب، معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية، مكتبة لبنان، بيروت،، 1982، ص 222.
[4]- طارق مخنان، أزمة غياب دور النخبة المثقفة الجزائرية في التغيير، أطروحة لنيل شهادة الماجستير في علم الاجتماع، جامعة قاصدي مرباح –ورقلة – كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، قسم العلوم الاجتماعية، مدرسة الدكتوراه، العام الجامعي 2011-2012، ص 12.
[5]- عزمي بشارة، "المثقف" ليس بالضرورة ثوريا لكنه بالضرورة نقدي، محاضرة ألقيت بالحي الثقافي (كتارا) بالدوحة في قطر.
[6] صلاح بوسريف، وُجُـــوه "المُثقَّــف" أو ضرورة التفكير في المفهوم، السبت، 21 يونيو 2014 12:40،موقع أنفاس:
http://anfasse.org/index.php/2010-12-30-16-04-13/2010-12-05-17-29-12/5462-2014-06-21-12-40-38
[7]- محمد الشيخ، "المثقف" والسلطة، دراسة في الفكر الفلسفي الفرنسي المعاصر، دار الطليعة، بيروت،ط 1، 1991، ص18.
[8]- جيرار ليكليرك، سوسيولوجيا المثقفين، ترجمة: جورج كتورة، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت 2008، ص 18.
[9]- جيرار ليكليرك، سوسيولوجيا المثقفين، المرجع السابق، ص 9.
[10]- محمد عابد الجابري، المثقفون في الحضارة العربية، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2000، ص 25.
[11]- محمد عابد الجابري، المثقفون في الحضارة العربية، المرجع السابق، ص 25.
[12]- وليد خالد احمد، محددات الدلالة اللغوية والمفاهيمية لمفردة الانتلجنسيا، الزمان، 17-ديسمبر - 2012:
http://www.azzaman.com/?p=20632
[13]نبيل البكيري، أزمة "المثقف" العربي، الصحوة نت: 13 مايو – 2014:
http://www.alsahwa-yemen.net/print.aspx?id=40426
[14] صلاح بوسريف، وُجُـــوه "المُثقَّــف" أو ضرورة تفكير المفهوم.، السبت, 21 يونيو 2014 12:40،موقع أنفاس:
http://anfasse.org/index.php/2010-12-30-16-04-13/2010-12-05-17-29-12/5462-2014-06-21-12-40-38
[15]- جان بول سارتر، دفاع عن المثقفين، ترجمة جورج طرابيشي، دار الآداب، بيروت 1973، ص 13.
[16]- عباس النوري، تعريف "المثقف" والثقافة، مركز النور للدراسات، 26/12/2007
http://www.alnoor.se/article.asp?id=15807
[17] صلاح بوسريف، وُجُـــوه "المُثقَّــف" أو ضرورة تفكير المفهوم.، السبت, 21 يونيو 2014 12:40،موقع أنفاس:
http://anfasse.org/index.php/2010-12-30-16-04-13/2010-12-05-17-29-12/5462-2014-06-21-12-40-38
[18]- محمد عابد الجابري، المثقفون في الحضارة العربية، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط 2، كانون الثاني / يناير 2000، ص 25.
[19]- محمد عابد الجابري، مفهوم الثقافة... وقاموس الخطاب العربي المعاصر،2007-12-11: مركز دمشق للدراسات النظرية وحقوق الإنسان:
http://www.mokarabat.com/s3011.htm.
[20] صلاح بوسريف، وُجُـــوه "المُثقَّــف" أو ضرورة التفكير في المفهوم.، السبت، 21 يونيو 2014 12:40،موقع أنفاس:
http://anfasse.org/index.php/2010-12-30-16-04-13/2010-12-05-17-29-12/5462-2014-06-21-12-40-38
[21]- إدوارد سعيد، "المثقف" والسلطة، ترجمو محمد عناني، رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، 2006، ص ص 34، 35.
[22]- انظر:
Julien Benda , La trahison des clercs, Editions Grasset, Paris, 2003.
[23]- طارق مخنان، أزمة غياب دور النخبة المثقفة الجزائرية في التغيير، أطروحة لنيل شهادة الماجستير في علم الاجتماع، جامعة قاصدي مرباح –ورقلة – كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، قسم العلوم الاجتماعية، مدرسة الدكتوراه، العام الجامعي 2011-2012، ص 20.
[24]- محمد عابد الجابري، مفهوم الثقافة... وقاموس الخطاب العربي المعاصر! - 2007-12-11: مركز دمشق للدراسات النظرية وحقوق الإنسان:
http://www.mokarabat.com/s3011.htm
[25]- راجع، الانتلجنسيا العربية: المثقفون والسلطة، دراسة د. محمد الدقس، الانتلجنسيا العربية: الواقع والطموح ملاحظات أولية، عمان: منتدى الفكر العربي بالتعاون مع اتحاد المحامين العرب والجمعية العربية لعلم الاجتماع، ط1، عام 1988، ص 141.
[26]- وليد خالد احمد، محددات الدلالة اللغوية والمفاهيمية لمفردة الانتلجنسيا، الزمان، 17-ديسمبر – 2012:
http://www.azzaman.com/?p=20632
[27]- اسماعيل عبد الفتاح عبد الكافي، الموسوعة الاقتصادية والاحتماعية، قويسنا، القاهرة، 2005، ص 60.
[28]- طارق مخنان، أزمة غياب دور النخبة المثقفة الجزائرية في التغيير، مرجع سابق، ص 17.
[29]- أنطونيوغرامشي، كراسات السجن، ترجمة عادل غنيم، دارالمستقبل العربي،1994، صص 24، 25.
[30]-
Antonio Gramsci , The prison notebook: Selection.trans.Quintin Haor and Geoffrey Nowell-Smith(New York: International Publisheds , 1971),
[31]- أنطونيوغرامشي، كراسات السجن، مرجع سابق، صص، 27-28.
[32] حميد الهاشمي، نحو محاولة لفك الالتباس بين مفهومي الثقافة والمثقف، دار ناشري،20 ديسمبر/2003:
http://www.nashiri.net/articles/intellect-and-philosophy/668-------v15-668.html
[33]- جان بول سارتر، دفاع عن المثقفين، الترجمة العربية بيروت، دارالآداب، 1973.
[34]- طارق مخنان، أزمة غياب دور النخبة المثقفة الجزائرية في التغيير، مرجع سابق، ص 24.
[35]- ادوارد سعيد، صور المثقف، ترجمة، غسان غصن، النهار للنشر، ش..م.ل. بيروت، 1996، صص 37،38.
[36]- ادوارد سعيد، صور المثقف، مرجع سابق، ص41.
[37]- طارق مخنان، أزمة غياب دور النخبة المثقفة الجزائرية في التغيير، مرجع سابق، ص 62.
[38]- يحيى العريضي، نعوم تشومسكي مفكر يهودي يحمل الحقيقة في وجه القوة، السالب والموحب، الأربعاء، 26 / أغسطس / 2014:
http://salebmujeb.com/home/2014/8/438.html
[39]- محمد عابد الجابري، المثقفون في الحضارة العربية، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط 2، كانون الثاني / يناير 2000، ص 25.
[40] عبد المعطي سويد: التناقض الوجداني في الشخصية العربية، دار الحوار، اللاذقية، 1992. (ص:69).
[41] إدوارد بونسل: الكنيسة، العلم والدولة السياسة. المؤتمر الرابع للمجموعة الأوربية العربية للبحوث الاجتماعية.
" الشباب والعنف والدمار، تحرير مراد وهبه، مكتبة الانجلو مصرية 1989( ص25-45).
[42] هاشم صالح، حول مفهوم الحس التاريخي وضرورة تنميته لإدراك معنى التفاوت التاريخي بين العرب والغرب، الوحدة، عدد 81/ يونيو 1991، (صص 6-23) ص 18.
[43] محمد عزيز شكري، التشريع والتربية وتحرير الإرادة الاجتماعية، ضمن: الجمعية الكويتية لتقدم الطفولة العربية، التربية وتحولات القوة في المجتمعات العربية المعاصرة، الكتاب السنوي الثاني عشر، الكويت، 1996/1997، (صص 99-182) ص139.
[44] هاشم صالح، الثقافة العربية في مواجهة الثقافة الغربية والتحديات، الوحدة، عدد 101 / 102، فبراير / مارس 1993، (صص 14-29) ص 18.
[45] هاشم صالح، الثقافة العربية في مواجهة الثقافة الغربية والتحديات، المرجع السابق، ص 25.
[46] تركي الحمد، عن الإنسان أتحدث: تأملات في الفعل الحضاري، دار المنتخب العربي، بيروت، 1997، ص216.
[47] تركي الحمد، عن الإنسان أتحدث، مرجع سابق، ص216.
[48] محمد نجيب عبد المولى، العقلنة فعل تنويري في الفكر العربي الإسلامي، الوحدة، السنة السابعة، العدد 81، يونيو/ حزيران 1991، صص 54-59، ص 55.
[49] محمد نجيب عبد المولى، العقلنة فعل تنويري في الفكر العربي الإسلامي، الوحدة، السنة السابعة، العدد 81، يونيو/ حزيران 1991، صص 54-59، ص 55.
[50] هاشم صالح، حول مفهوم الحس التاريخي وضرورة تنميته لإدراك معنى التفاوت التاريخي بين العرب والغرب، الوحدة، عدد 81/ يونيو 1991، (صص 6-23) ص 18.
[51] تركي الحمد: الثقافة العربية أمام تحديات التغيير. دار الساقي، بيروت، 1993، ص22.
[52] هاشم صالح، الثقافة العربية في مواجهة الثقافة الغربية والتحديات، الوحدة، عدد 101، فبراير/ مارس، 1993، (صص 14-30)، ص 26.
[53] بروميثيوس - في أساطير اليونان – إله أسطوري نزع الشعلة من أيدي الآلهة ليضيء بها أركان الأرض فلا يترك منها ركناً خافياً في عتمة الظلام - هكذا كانت أثينا حين أمسكت بقبس النور لتتفحص الدنيا على ضيائه، وهكذا كانت بغداد المأمون حين أخذت تعبّ من معارف الأولين عبٌّا لم يكد يفرق بين شراب وشراب، إذ كل شراب من مورد العلم عندها سائغ، وهكذا كان عصر النهضة وعصر التنوير في أوروبا.

مصدر المقال من هنا 
مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ بوابة علم الاجتماع | مدونة متخصصة في علم الاجتماع 2018 ©