السبت، 20 أغسطس 2016
رأس المال الفكري
بقلم: حسين عبد المطلب الأسرج *
يعدّ رأس المال الفكري المورد الأهم لجميع الدول، والأداة الرئيسية لتحقيق أهدافها في التنمية، وتتزايد أهمية رأس المال الفكري في ظل الاقتصاد المعرفي، حيث أصبح من أكثر الموجودات قيمة، الأمر الذي أدى إلى سعي المؤسسات للحصول عليه والاستفادة منه بما يؤمن لها فرصة تحقيق النجاح والاستمرار والنمو.
ففي ظل اقتصاد المعرفة أصبحت المعرفة من أهم الأصول الرئيسية لأي نمو اقتصادي أو اجتماعي، ومنه تحول العالم من البحث والتصادم من أجل مصادر الموارد النادرة إلى البحث والتصادم من أجل السيطرة على أكبر قدر ممكن من مصادر المعرفة، وهذا يعني أن المعرفة في هذا الاقتصاد تشكل مكونًا أساسيًا في العملية الإنتاجية كما في التسويق، وأن النمو يزداد بزيادة هذا المكون القائم على تكنولوجيا المعلومات والاتصال باعتبارها المنصة الأساسية لهذا الاقتصاد. ومن هنا تنبع أهمية رأس المال الفكري من كونه أكثر الأصول قيمة حاليًا إذ إنه يمثل القوى الفكرية العلمية القادرة على تطوير وتقدم المشروعات. وبعبارة أخرى كانت المصادر الطبيعية في السابق أهم مكونات الثروة الوطنية، ثم أصبح رأس المال متمثلاً في المصادر الطبيعية والنقد والموجودات الثابتة، أما الآن فقد حل محلها رأس المال الفكري الذي يعد أهم مكونات الثروة الوطنية وأغلى موجودات الأمم.
ويُقصد برأس المال الفكرى تلك الفئة من البشر التى تملك الخبرة والمعرفة والقدرة الإبداعية والمواهب الفطرية التي تمكنها من دفع عجلة التقدم على المستوى الوطني، وهو ما يميز أمة عن أخرى بقدرتها على تحويل رأس مالها الفكري إلى قيمة من خلال ما تحدثه من إنجازات واختراعات وابتكارات في شتى المجالات، ومن هنا يمكن لرأس المال الفكري العربي أن يحدث تأثيرا كبيرا في تطور الدول العربية – فيما لو أحسن استخدامه وإدارته والمحافظة عليه.
لذا يجب على الدول العربية عموما، والمؤسسات العربية – الحكومية والخاصة – أن تهتم بكوادرها الذين يمتلكون الخبرة والمهارة والمعرفة والقادرون على القيام بأدوار متعددة من أجل تعزيز وتحسين جودة الخدمات والسلع التي يقدمها القطاع الحكومي والخاص. وبناء على ذلك اصبح الاهتمام بتنمية برأس المال الفكري في الدول العربية ضرورة حضارية تفرضها التطورات العلمية والمعرفية والتكنولوجية التي يشهدها العالم، وتؤثر في الجوانب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، ويتطلب ذلك إصلاح المنظومة التعليمية وتشجيع البحث العلمى وإتاحة وتنظيم وسائل اكتساب العلوم وتطويرها، خاصة العلوم التكنولوجية الحديثة، من جهة و ربط متطلبات سوق العمل بنوعية التعليم من حيث الكم والتخصصات المختلفة من جهة أخرى.
ويلاحظ أنه رغم الانتباه إلى أهمية رأس المال الفكري وتشجيع الابتكار في عدد من الدول العربية وخاصة في الدول الخليجية باعتبارهما مفتاح عصر ما بعد النفط، إلا أنه يمكن ذكر عدد من المعوقات يذكر منها: ضعف الرؤية المستقبلية لبرامج تنمية رأس المال الفكري، وعدم وجود منظومة إصلاحية تعمل جنباً إلى جنب مع المنظومة التعليمية، ونقصد بالإصلاحية تكييف النظم واللوائح والتعليمات لتسير في الاتجاه نفسه، حيث يمثل الموجود منها، وهو كثير، حجر عثرة أمام التقدم، خاصة فيما يتعلق بأسلوب عمل الجهات الرقابية المختلفة التي لاتعي أدوارها. يواكب ذلك أسلوب اختيار أصحاب القرار في الوظائف القيادية، وما يمكن أن تحدثه هذه القيادات من تغيير وتقدم إن كانت من المبدعين والموهوبين، أو عكس ذلك إن كانت إفرازا لأنظمة الفساد والمحسوبيات أو من أصحاب القلوب الضعيفة التي تخشى اتخاذ القرار أو التوقيع عليه؛ خوفاً من فقد مواقعها. وختاما، إن فكرة تنمية رأس المال الفكري في الدول العربية تحتاج كثيراً من التأمل حيث تتشابك فيها كثير من المحدّدات والمعطيات، ذات العلاقة بالقناعات الذهنية للمجتمع في مستوياته كافة، لكنه أمر يحتاج من المخلصين والمهتمين والمؤهلين – لا المتقاعسين ذوي المصالح الضيقة، أو الأجندات الخفية – وقفة جادة ومخلصة وتكاتف جميع الجهود لتوفير البيئة الملائمة التى تبدأ حين يتجه المجتمع بكل أفراده وإمكاناته نحو المعرفة كوسيلة للتقدم، ويمثل التعليم حجر الزاوية في منظومة المعرفة حيث يعده كثير من المتخصصين هدفاً ووسيلة في آن واحد، لذا يجب خلق منظومة إصلاحية تتمثل فى توفير بيئة حاضنة، تبدأ من تكييف القوانين والنظم واللوائح والتعليمات لتتناغم مع المنظومة الجديدة، وتوجيه كافة الطاقات والإمكانات المادية والبشرية نحو الارتقاء المعرفى، ويتطلب ذلك التخلص ما أمكن من الحرس القديم الذي يعيق تحقيق التقدم بالتمترس خلف شعارات لم تعد ملائمة للعصر!
كذلك ينبغي الاطلاع على تجارب الدول التي أخذت بأسباب التقدم المعرفي مدخلاً للتقدم الشامل في مختلف نواحي الحياة، والاستفادة منها، وذلك فيما يخص السياسات أو الخطط في المستويين الإستراتيجي والتكتيكي، في المناهج وطرق التدريس ووسائل إعداد المعلمين وبناء المؤسسات التعليمية وكوادرها على اختلاف مهامها. من جهة أخرى لابدّ من توفير الموارد التي يحتاجها رأس المال الفكري من إمكانات تقنية متقدمة ولوجستية وبشرية ومادية، وتمكين العاملين المتميزين من حضور المؤتمرات واللقاءات العلمية، وإحضار من يمنحهم مزيداً من المهارات والمعلومات في مجال اهتمامهم، كذا توفير الأدوات والمعامل والميزانيات اللازمة لتنفيذ الاختراعات والأفكار الإبداعية، وتكون حصيلة هذا التقدّم إنشاء موارد جديدة ذات قيمة اقتصاديّة واجتماعيّة. كما ينبغي التركيز على بناء صناعات القرن الحادي والعشرين؛ وذلك بالاهتمام بعلوم الحياة والصحّة، وعلوم التكنولوجيا الصغيرة والطاقة البديلة المتجدّدة والمستدامة وتكنولوجيا المياه الصافية والوسائل الرقميّة والزراعة المتقدّمة والهندسة المعماريّة وتطوير البرمجيّات وعلوم التربية المتقدّمة والتكنولوجيا الخضراء .. إلخ.
ولهذا إذا أردنا التقدم فلا سبيل سوى استغلال رأس المال الفكري باعتباره أهم أصول هذه الأمة .لهذا فانني أوصي بما يلي:
1.      ضرورة تفعيل مفاهيم رأس المال الفكري ضمن الهيكل التنظيمي للوزارات والمؤسسات كوحدات تنظيمية مستقلة، وكذلك تطوير الهياكل الحالية وفقًا لمفاهيم ووظائف إدارة الموارد البشرية كفلسفة وليس كإجراءات، ما يساعد على تشجيع الأفراد على الابتكار والإبداع عن طريق إفساح المجال أمامهم لتقديم أفكار ابتكارية تهدف إلى التميز والتفوق.
2.      تطوير وإعداد الخطط الاستراتيجية للوزارات والمؤسسات كي تستوعب مفاهيم وقيم وأهداف رأس المال الفكري والحرص على مشاركة المديرين في كافة المستويات في صياغتها.
3.      تبني نشر مفاهيم وثقافة إدارة المعرفة وقيم رأس المال الفكري من خلال ورش عمل وحلقات نقاشية على أن يتم الإسراع في تنفيذ ذلك من أجل الارتقاء بالأداء.
4.      التواصل مع وسائل الإعلام المختلفة لنشر ثقافة إدارة المعرفة ورِأس المال الفكري من خلال تشجيع المؤسسات والأفراد على ضرورة استيعاب مفاهيمه ومكوناته وطرق قياسه.
5.      استقطاب المواهب والكفاءات المتفوقة مع رعاية هذه الكفاءات عن طريق وضع برامج للاحتفاظ بهم والمحافظة عليهم وذلك لخلق بيئة ابتكارية تدعم القدرات التنافسية.
6.      وضع الإطار العلمي والعملي لتطوير وإدارة المواهب وصياغة النظم الكفيلة لتحقيق التميز المؤسسي لتنمية وتطوير المواهب على كافة المستويات ما يساهم في تعظيم رأس المال الفكري.

* الكاتب: الأستاذ حسين عبد المطلب الأسرج، جمهورية مصر العربية

مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ بوابة علم الاجتماع | مدونة متخصصة في علم الاجتماع 2018 ©