الثلاثاء، 23 أغسطس 2016
أوربا الاستعمارية كيف رأت الآخر ؟
عبدالعليم محمد
سار المدفع, رمز القوة الأوربية. مع المبشر, رمز الهيمنة الدينية معاً ليستعمرا أطراف العالم القديم, فكيف نظر الاستعمار الأوربي للشعوب التي احتلها? 

من الواضح أن هذا العنوان يضعنا مباشرة في رحاب التاريخ, في نهاية القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر, وأوائل القرن العشرين, عندما شرعت القوى الرأسمالية الأوربية الصاعدة في التطلع إلى تقسيم العالم غير الأوربي, والسيطرة عليه في إطار التنافس بينها, وهذا التطلع إلى تقسيم العالم غير الأوربي في آسيا وإفريقيا والعالم العربي والإسلامي, لم يكن في جميع الحالات متأسساً على اعتبارات ذات طبيعة اقتصادية فقط, أي تتعلق بالأسواق والمواد الخام والتجارة ورءوس الأموال, وإنما في الكثير من الأحيان كانت الدوافع الطاحنة وراء الموجات الاستعمارية تنصرف أكثر إلى عناصر المنافسة والهيمنة والسيطرة والنفوذ وبسط السيادة على المناطق الأخرى في العالم غير الأوربي وغير الغربي, ذلك أن المؤسسة الاستعمارية في بعض الحالات لم تكن مربحة اقتصادياً ولم يكن عائدها في هذه الحالات يفوق كلفتها الاقتصادية والمالية والبشرية التي تتحملها العواصم الاستعمارية, وربما تقع حالة الجزائر في إطار الاستعمار الفرنسي في هذا السياق, وفي بعض الحالات أيضاً لم يكن الرأسمال الاقتصادي الأوربي مقبلاً على التوظف في المستعمرات, وكان عائد توظفه في بلدان نشأته يفوق بكثير عائد هجرته إلى المستعمرات الجديدة.

ولم يكن من الممكن أن تشرع الدوائر والمؤسسات الاستعمارية في التطلع إلى السيطرة على العالم غير الأوربي وغير الغربي هكذا مباشرة وبالقوة فقط, التي تملكتها أوربا نتيجة نهضتها وحداثتها وتطورها الرأسمالي عبر القرون الثلاثة السابقة لهذا التاريخ, أي القرون الخامس عشر والسادس عشر والسابع عشر وهي القرون التي أنجزت فيها أوربا مراحل النهضة والإصلاح الديني والتنوير, وأرست فيها معالم المجتمع الجديد البديل للمجتمع القديم الإقطاعي والمستند إلى المؤسسة الدينية الكاثوليكية.

وهكذا تضافرت القوة العسكرية الأوربية مع عناصر أخرى قد لا تقل عنها تأثيراً وفاعلية في تحقيق السيطرة والهيمنة, على العالم غير الأوربي, حيث سار المدفع, رمز القوة الأوربية مع المبشر بالديانة المسيحية لدى أصحاب الديانات الوضعية والوثنية, وأضيف إلى المدفع والمبشر, التكنيك الأوربي الجديد ومنتجاته المتجسدة في الأدوات والسلع التي كانت جديدة آنذاك على هذه الشعوب.

في البدء كان الاستشراق

وتمثلت نواة هذه المعرفة الضرورية للمؤسسة الاستعمارية في مصطلح (الاستشراق) وهي المعرفة المنظمة والأكاديمية عن شعوب الشرق, ثقافتها, عاداتها, تقاليدها, تاريخها, شخصيتها, وقد تشكلت هذه المعرفة التي تضفي على نفسها (طابعاً علمياً) عبر الرحلات التي قام بها المستشرقون الغربيون, والمعارف التي تحصل عليها بعض هؤلاء من خلال الاطلاع على ما كتب عن الشرق, أو ما كتبه الشرق عن ذاته, وقد تطورت هذه المعرفة بحيث أصبحت مرجعية ضرورية لمعرفة الشرق لا غنى عنها, إن للدوائر الرسمية الاستعمارية ذاتها, وإن للراغبين في معرفة الشرق من مواطني أوربا أو لتشكيل صورة (الشرق) لدى الأوربيين.

وهكذا فإن الاستشراق هو باختصار المعرفة التي أنتجها الغرب عن (الشرق) عن شعوبه وثقافاته, أو بعبارة أخرى هو (الشرق) كما يراه الأوربيون, أو كما هو متجسد في الخيال الغربي, ويمكننا أيضاً القول إن الاستشراق هو الشرق كما ينبغي له أن يكون في نظر أوربا, وليس كما هو كائن بالفعل وفي الواقع, واستناداً إلى ذلك فإن الشرق المنتج في إطار الاستشراق والدوائر الاستعمارية هو صورة غريبة مختلفة عند الغرب جغرافيا وثقافيا وعرقيا, ومليئة بالتناقضات, فالشرق في إطار هذه الصورة استبدادي لا يعرف ولم يعرف الديمقراطية, أو أن يحكم نفسه بنفسه كما أنه يعاني من الدونية في مواجهة التفوق الغربي, ومختلف في كل شيء عن الغرب, فهو يكتب من اليمين إلى اليسار, وليس من اليسار إلى اليمين كما يفعل الغرب, أو يكتب بطريقة مختلفة عمّا هو مألوف في الغرب, كتب أحد أفضل المتخصصين في اللغة اليابانية من الغربيين وهو (lain basil hall Chambe), كتاباً بعنوان (أشياء عن اليابان) وفي هذا الكتاب يضيف الكاتب أمثلة عدة لاختلاف وتناقض السلوك الياباني عن السلوك الغربي يقول: (عندما تقوم بمغادرة الفندق فإنك تحاسب المالك شخصياً وليس العامل, وهم يحملون الأطفال على ظهورهم وليس بين أيديهم, وبعد الحمام يستخدم اليابانيون للتجفيف منشفة رطبة...).

المعرفة .. الوجه الآخر للقوة

وهذه النظرة الأوربية الاستعمارية التي ترتكز على القوة والمعرفة تستهدف تسويغ السيطرة على الشرق, وتبرير المؤسسة الاستعمارية وممارساتها في الواقع, ذلك أن معرفة الشرق والشرقيين هي مقدمة للسيطرة عليهم وفرض الاحتلال والاستعمار عليهم, ففي خطاب آرثر جيمس بلفور في 13 يونيو عام 1910, برر احتلال إنجلترا لمصر بمعرفة الإنجليز بمصر وأحوالها وتاريخها وحضارتها, وضرورة احتلال إنجلترا لمصر تنبع من معرفة بلفور والإنجليز بتاريخ هذا البلد, والمعرفة في تقديره هي أداته للتطلع صوب الآخر والخروج من الذات, وتملك نظرة شاملة إلى القريب والبعيد, ذلك أن المعرفة في إطار نظرة بلفور هي عبء الانتقال من المحلي إلى العالمي, والخروج من الأول إلى أفق السيطرة الكونية, ورغم أن بلفور قد نفى ظاهرياً أن تكون نظرته قد تأسست على التفوق والدونية, أي تفوق الإنجليز ودونية المصريين إلا أن جوهر خطابه قد تأسس فعلاً على هذه (العلاقة) حيث يمتلك (هو) القوة والمعرفة باعتباره رجل الدولة البريطاني الخبير في السياسة الخارجية للإمبراطورية البريطانية, ولا يمتلك المصريون لا القوة ولا المعرفة, وهذا النمط من العلاقة لا يقتصر فقط على بلفور وإنما يمتد ليشمل رجال الادارة الاستعمارية, فنظرتهم تتأسس على الاستعلاء والتفوق وتتغلف بمسوح رسالة كونية, مهمة الرجل الأبيض في العالم غير الأوربي, رسالة الحضارة الأوربية في العالم, والمعرفة بالآخر الذي ليس بمقدوره أن يعرف نفسه نظراً لتأخره وجهله, هذه المعرفة التي تستبدل الآخر (الشرقي) بثقافته وحضارته وتاريخه وواقعه بتمثّلات ذهنية وعقلية تأخذ طابعاً (علمياً) رغم حضوره المكوّن السياسي والأسطوري فيها, هذا المكوّن الذي يتوافق مع الأهداف السياسية في السيطرة والاخضاع - أي سيطرة الأوربيين على الشرق - ومع الخيال الغربي عن الشرق, الغريب والمختلف والقاسي والمستبد.

وهذا التلازم بين القوة والمعرفة هو الذي أفضى في الواقع إلى هذا النمط في العلاقات بين الغرب الاستعماري والشرق, ذلك أن قوة الغرب الأوربي والأمريكي الاقتصادية والعسكرية والثقافية هي التي وضعت الغرب في موقع (الذات العارفة) المتفوقة والواثقة من معارفها, والقادرة على أن تجعل من معارفها مؤسسة ومرجعية وأن تجعل من الآخر - الشرق - موضوعاً للمعرفة والتأمل والحكم والتقييم, فالغرب في إطار هذه العلاقة هو الذات الفاعلة في الحاضر والتاريخ, والتي تملك زمام المبادرة الحضارية, أما الشرق فهو (موضوع) هذا الفعل ومادته الأولية, ذلك أن تصدّر الغرب مسرح الحضارة الحديثة قد وضع الثقافات والحضارات والأمم الأخرى في مأزق, وفرض عليها خيار محاكاته كنموذج والخضوع له, أو محاربته وخلق نموذج مغاير, كما أن تصدّر الغرب مسرح الحضارة الحديثة قد عمّق من أزمة ثقافات هذه الأمم, إذ بدا واضحاً للعيان عجز هذه الثقافات عن إشباع حاجات أبنائها, وفتح باب الاجتهاد والإبداع لإنجاز هذه المهمة.

ولاشك في أن ردود فعل هذه الأمم والثقافات إزاء الغرب قد اتسمت بازدواجية لاتزال تمارس تأثيرها حتى الآن حيث نظرت شعوب الشرق لمنتجات الحضارة الأوربية بعين الرضا لأنها مفيدة وبنّاءة كالاختراعات الحديثة والسلع المادية, ومن ثم قبلتها ولكنها في الوقت ذاته رفضت وقاومت المفاهيم والرؤى والثقافة التي تقف خلفها, لأنها تهدد البنى الثقافية التقليدية والسياسية القائمة, إذ تمزقت شعوب الشرق بين المنتجات المادية والثقافة التي تقف وراءها, فالأولى مفيدة, بينما الثانية خطرة, وتكمن فيها معرفة شيطانية تهدد المعتقدات الجماعية السائدة والبنى الاجتماعية القائمة عليها, خاصة أن هذه الحضارات (قد شيّدت معماراً دينياً غيبياً عميق الجذور, متوجها إلى السماء وإلى الآلهة عبر العصور), على أن تأمل صورة الغرب الاستعماري عن الشرق أو عن الآخر سواء كان هذا الآخر عربياً أو صينياً أو هندياً أو يابانياً قد يفضي بنا إلى عدد من الملاحظات يجيء في مقدمتها أن هذه الصورة الكلية عن الآخر تجاهلت التفصيلات والجزئيات والاختلافات والفروقات القائمة في مفهوم الشرق لدى الغرب, إذ جمع هذا المفهوم بين ثقافات وحضارات وأمم متنوعة ومختلفة اختلافاً كبيراً, فحضارات الشرق الأقصى الصينية واليابانية تقع في المدار الكونفوشيوسي البوذي, في حين أن العالم العربي الإسلامي يقع في إطار الحضارة الإسلامية, وهذه الصورة الكلية اعتمدت على التعميم, أي تعميم الجزء على الكل واستنطاق وقائع جزئية وغير منتظمة, بطريقة تسمح بتفسيرات عامة, والسعي لبلورة صورة كلية بهذا المعنى وبأهدافه السياسية المضمرة والمعلنة من شأنه الحرص على إخفاء الفروق, وتجاهل التمايزات, واستبعاد التنوع, واختصار الكل إلى أجزاء, وهكذا تتحد صورة العربي والياباني والهندي والصيني في صفات التدني والاستبداد والتوحش, وافتقار الديناميكية والنظر العقلاني.

في العمق هل كانت صورة الغرب?

على صعيد آخر فإن الصورة الغربية الاستعمارية عن (الشرق) تثير مشكلة أخرى, وهي أنه من المحتمل أن تكون الصورة الغربية عن الشرق قد لحقت بها بعض ملامح صورة الغرب عن ذاته, وأن تكون بعض الصفات التي لحقت بالشرق هي ذاتها صفات للغرب, تكمن في أعماقه وطبقات شعوره ووعيه, ولا يريد مواجهتها أو مكاشفة ذاته بها, ذلك أنه بين الناظر والمنظور علاقة تداخل وتشابك, فنحن لا نرى الآخر إلا عبر ذواتنا, وذواتنا ليست مجردة بل هي مشبعة بالقيم والميول والاتجاهات وثقافة ما, ونظرتنا - أيّا كانت موضوعيتنا - ستكون متأثرة بما نحمل من مشاعر وميول وثقافة, وسينعكس ذلك على رؤيتنا للآخرين والصورة التي تتشكل لدينا عنهم, والتي نحتفظ بها في أعماقنا, وهكذا فإن بعض العناصر المظلمة التي تلازم صورة الغرب الاستعماري عن الشرق قد تكون هي ذاتها عناصر مظلمة في صورة الغرب عن ذاته.

يبقى بعد ذلك أن أحد العناصر التي تدخل في تشكيل صورة الغرب عن الشرق هو الأحكام المسبقة والقبلية عن الآخر, هذه الأحكام المتوارثة والمتناقلة من جيل لآخر, والتي تبلورت عبر العصور والاحتكاك والاتصال إن بالصدام وإن بالتبادل والتجارة.

وهذه الأحكام المسبقة تتسلل إلى العقول والأذهان عبر الأساطير والحكايات والروايات والثقافة الشفهية, وتتسم هذه الأحكام المسبقة بخصائص من شأنها تثبيت هذه الأحكام وتعزيز قدرتها على المقاومة (وهي أنها تأكيد بسيط لمجموعة من الأحكام على مجموعة من البشر).

وهي أحكام ليست بحاجة إلى شروح عالمة, كما أنها تعبر عن معرفة جماعية يعتقد في صلاحيتها, وتظهر كما لو كانت خلاصة خبرة وتجربة الجماعة, ومن ثم فهي عنيدة تستعصي على التغيير والتبديل.

والسؤال الآن هو: لماذا نستدعي هذه الحقبة الكولونيالية في تاريخ أوربا ونظرتها للآخر الشرقي غير الأوربي? ونجيب: إن تاريخ أي حقبة لم يكتب مرة واحدة إلى الأبد, بل نحن في حاجة مستمرة إلى إعادة النظر في تاريخ هذه الحقبة, ذلك أن التاريخ في حد ذاته هو استجواب دائم ومختلف للماضي, حيث يخضع التاريخ ويواكب حاجات اللحظة الراهنة وفي بعض الأحيان القلق الذي يثيره الحاضر والتاريخ من هذا المنظور أداة لمعرفة الإنسان ذاته وليس غاية في حد ذاته

مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ بوابة علم الاجتماع | مدونة متخصصة في علم الاجتماع 2018 ©