الأحد، 28 أغسطس 2016
شغل فوكو كرسيا سمي ب”تاريخ الانساق الفكرية” في الكوليج دي فرانس بين 1971 و 1994, وتمثل هذه المساهمة الفكرية التي تحتل مكانة استراتجية في فكر الفيلسوف المعنونة ب”يجب الدفاع عن المجتمع” مجموعة من الدروس القاها بالكوليج, فتولى تلامذته جمعها وتنقيحها ثم نشرها باسم المعلم ميشيل فوكو. الى جانب اعمال اخرى, ابرزها كتابين: (غير الاسوياء ; و تاويلية الذات).
وتتجلى اهمية هذا العمل في كونه جاء بين اصدارين لفوكو وهما: (المراقبة والمعاقبة, مولد سجن) وكتاب (تاريخ الجنسانية, ارادة المعرفة).. بحيث يحتل مكانة خاصة ونقطة التحول في فكره ومشروعه.. الذي سيبرز في كتباته الاخيرة عن تاريخ الجنون.
كتب فوكو في احدى رسائله: “لا هوبز ولا كلوزڤيتز ولا صراع الطبقات..، إنما الحرب الأهلية”°1 وهو الذي كان مهتما بقراءة تروتسكي وغيفارا وروزا لوكسمبورغ وكلوزڤيتز كما يذكز بذلك صديقه دانيال دفير. وبهذه العبارة يلخص فوكو دروسه السبع في حديثه عن ملائمة نموذج الحرب لتحليل علاقات السلطة وحدد السلطة بشكلين: السلطة الانضباطية التي تطبق على الجسد بواسطة تقنيات الرقابة ومؤسسات العقاب, والسلطة الحيوية التي تمارس على السكان.. اي ذلك الانتقال من الانسان/الجسد الى الانسان/ النوع.
وقد استهل المترجم الدكتور الزواوي بغوره في تقديمه بهذه العبارة لميشيل فوكو في الصفحة 20 يقول فيها: “لا يجب أن ننسى، قبل كل شيء، أن ماركس في أواخر حياته، كتب إلى إنچلز في سنة 1882 قائلا له: ولكن صراعنا الطبقي، تعرف جيدا أين وجدناه، لقد وجدناه عند المؤرخين الفرنسيين عندما كانوا يروون صراع الأعراق”، وهو ما يعني بأن الخطاب الثوري لا يمكن فصله عن خطاب حرب الأعراق الذي قطع مع خطاب الاستمرارية الذي تقول به السيادة”.°2 وهو بذلك يؤرخ للصراع الطبقي الذي حدثنا عنه ماركس بربطه بصراع الاعراق ومن ثم يكون له الحق في تاسيس نظريته حول السلطة انطلاقا من معطى الحرب العرقية.
وهكذا انتقل فوكو الى البحث في عمق مأثور كلوزڤيتز الشهير”السياسة هي استمرار للحرب بوسائل أخرى”. فخلص الى أن السياسة هي المعاقبة ومواصلة التفاوتات في القوة الظاهرة في الحرب أو الناتجة عن الحرب..
هذه الحرب التي يفتعلها الناس فيما بينهم على ارضية الاختلاف العرقي يجيب فيها ميشيل فوكو بهذه القولة التي وردت في اخر صفحات الدرس الثالث يعبر فيها: “إن ما نراه كقطيعة وانقسام زوجي في المجتمع، ليس مواجهة بين عرقين غريبين الواحد عن الآخر، أو عرقين متغايرين، وإنما هو انشطار العرق ذاته إلى عرقين، إلى عرق أعلى وعرق أدنى. أو أيضا: انطلاقا من عرق معين، ظهور جديد لماضيه وتاريخه الخاص. باختصار، إنه الوجه المقابل والباطن لذات العرق”. وهذا يوحي الى ان الحرب هنا بين الانا الظاهرة والانا الباطنة للذات نفسها.. التي جرى تمزيقها الى اجزاء واطراف متنافرة بعد ان كانت ملتحمة تكون جسد الانسان الواحد في الامة الواحد.
اما الدرس الرابع فقدم فيه نقدا لاذعا للملوك الظالمون والمؤقتون كما يصفهم ويردون ان يكونوا كل شيء باسم اي شيء وذكر نموذج وليام الفاتح الذي ساهم في رسم معالم التاريخ المضاد حيث تقول الشذرة: “إن وليم الفاتح Guillaume le conquérant لا يحب أن يسمى بالفاتح، لأنه يريد أن يخفي أن الحقوق التي يملكها وأشكال العنف التي يمارسها على إنچلترا كانت هي حقوق الفاتح. يريد أن يظهر كوريث لسلالة شرعية، لذا وجب إخفاء اسم “الفاتح”، مثله في ذلك مثل كلوڤيش الذي كان يتجول متباهيا حتى يوحى بأن مملكته تعود لاعتراف قيصر روما غير المؤكد.
يحاول هؤلاء الملوك الظالمون والمؤقتون أن يكونوا كل شيء وباسم أي شيء.
يحبون كثيرا أن نحدثهم عن انتصاراتهم لكن لا يحبون أن نعرف أن انتصاراتهم هي هزائم الآخرين، أو أنها كانت ‘هزيمتنا’ نحن. إذن، سيكون دور التاريخ أن يبين لنا أن القوانين خادعة والملوك يتقنعون والسلطة تصنع الوهم والمؤرخون يكذبون. لن يكون إذن خطاب التاريخ المضاد تاريخ الاستمرارية، بل سيكون تاريخ التمزق، تاريخ كشف الأسرار وعودة الحيلة، إعادة.. ظهور لمعرفة مهربة ومخبأة؛ سيكون تفكيكا لحقيقة مختومة.” °3
ففي مقابل التاريخ الحقيقة هناك تاريخ مضاد يشكف اقنعة الملوك وزيف المعرفة المهربة ويبزر لنا الحقيقة السريالية.. ويضيف فوكو: “ترون إذن، أن الأمر يتعلق بمجد وعار تاريخ خطاب الأعراق المتصارعة، وما أردت أن أبينه لكم، هو هذا الخطاب الذي فصلنا، بشكل مؤكد، عن وعي تاريخي- قانوني ممركز حول السيادة، وأدخلناه نحن في شكل من التاريخ وفي شكل من الزمن، حالم ويقظ في الوقت نفسه، حالم وعارف بأن مسألة السلطة لا يمكن أن تنفصل عن.. مسألة الاستعباد والتحرر والانعتاق. لقد سأل.. بيترارك: “ما الذي يمكن أن يكون في التاريخ غير مدح روما؟” ونحن نسأل- وهو ما يميز من دون شك وعينا التاريخي، الذي يرتبط بظهور هذا التاريخ المضاد- : “ما الذي يوجد في التاريخ ولا يكون نداء للثورة أو خوفا منها؟” ونضيف فقط هذا السؤال: “وإذا حدث وغزت روما، من جديد، الثروة؟” °4
ان سؤال بيترارك الذي يطرح نفسه يوضح مدى سريالية الحكايات التي كتبها المنتصرون في الحرب عن مجدهم دون ان يشيروا الى انهم غزاة.. استعمروا.. وقتلوا.. ثم احكموا سيطرتهم وسيادتهم ومن ثم فرضوا السلطة الانضباطية..
وليس الى هنا وحسب بل عمد “خطاب الملك” الى استخدام مرجعية نظرية لاهوتية حتى تجعل منهم اصحاب الارض والحق وهنا يذكر ميشيل فوكو في درسه الخامس هذه القصة معبرا: “تجدون أولوية الغزو والهيمنة مصاغة فعليا فيما أسميه بكلمة “خطاب الملك”. عندما يعلن جاك الأول Jaques 1 في الغرفة المنجمة أن الملوك يجلسون على عرش الإله، فإنه يستعمل مرجعية نظرية لاهوتية_ سياسية للحق الإلهي. ولكن بالنسبة له، هذا الانتقاء الإلهي_ الذي يجعل منه فعليا ملك إنچلترا_ كانت له علامة وكفالة وضمانة تاريخية في انتصارات النورمانديين”. °5
وياتي هذا الخطاب لتثبيت الاحقية في السلطة ولشرعنة السيادة ومن ثم دسترة الحق في قتل الاخر حتى يتسنى للمنتصر ان يعيش ويبسط يده على الاض التي حدودها تنتهي عند اخر رجل سقط ميتا في الحرب.
وفي حديث للمعلم فوكو عن القوانين في علاقتها بحدود السلطة ووسائل السلطة مستندا على نص لجون وور يقول في الدرس الخامس: “وهذا ما نقرؤه في نص لجون وور John Warr، في كتابه: فساد ونواقص القوانين الانجليزية بمثابة “حيل، وشراك وخبث”. إن القوانين شراك وحيل: إنها لا تشكل حدودا للسلطة، ولكنها وسائل للسلطة، وهي ليست إمكانية لإقامة العدل، ولكنها وسائل لخدمة المصالح. وعليه فإن الهدف الأول للثورة هو أن يتم إلغاء جميع القوانين ما بعد النورمانديين، ما دامت تضمن بطريقة مباشرة أو غير مباشرة النير النورمانديين. يقول ليلبورن Lilburn : القوانين تم تشريعها من قبل الغزاة”، والمحصلة يجب إلغاؤها من الجهاز القضائي كلية..”. هذا الاقتباس الذي استطاع من خلاله ان يظهر نواقص القوانين ويبرز ما تحتويه من خبث.. والتي لا تخدم في اخر المطاف الى المصالح وليس العدل والصالح العام. وذلك باعتبار القوانين وسائل مباشرة لفرض السلطة من طرف الغزاة.°6
اما الدرس السابع فأهم ما جاء فيه إشارة لنداء بولانيفلييه الى النبلاء يدعوهم فيها الى اعادة فتح المعرفة ومن ثم استعادة الوعي واسترجاع المعارف والمكاسب لان المعركة الحقيقة في المجتمع عندما تضع الحرب اوزارها لن تكون بالسلاح وانما بالمعرفة.
وهنا يعبر فوكو: “من هنا نداء بولانڤيلييه إلى شيء جوهري_ وهو نداء يتخلل عمله كلية وليس كما هو الحال مثلا عند المؤرخين البرلمانيين (وخاصة الشعبيين) الإنجليز في القرن السابع عشر_ نداء إلى تمرد النبلاء الذي انتزعت أرضهم وجردوا من حقوقهم. وهذا هو الشيء الأساسي الذي دعا النبالة إلى إعادة فتح المعرفة: إعادة فتح لذاكرتها الذاتية واستعادة الوعي واسترجاع العلوم والمعارف. لقد دعا بولانڤيلييه النبالة إلى هذا الأمر في المرحلة الأولى: “لن تسترجعوا السلطة ما لم تسترجعوا نظام المعارف الذي انتزع منكم. لن تسترجعوا السلطة ما لم تعملوا وتبحثوا وتسعوا إلى امتلاك المعارف. لأنكم قاتلتم دائما من دون أن تضعوا في الحسبان أنه ابتداء من لحظة معينة فإن المعركة الحقيقية، داخل المجتمع، لا تتم بالسلاح ولكن بالمعرفة”.°7
ينتهي الفيلسوف ميشيل فوكو في اخر الدرس الى الخلاصة التي تقول: “إننا نصل إلى هذه الفكرة وهي أن الحرب كانت بالأساس الأرضية الحقيقية للخطاب التاريخي. فماذا يعني هذا؟ يعني أن الحقيقة، على عكس الفلسفة أو القانون، لا تبدأ عندما يتوقف العنف. بالعكس، فعندما شرعت النبالة في حربها السياسية ضد الأغلبية والملكية، فإن شيئا كالخطاب التاريخي الذي نعرفه الآن قد تأسس، وذلك داخل هذه الحرب وبالتفكير في التاريخ كحرب.”°8 وذلك لما لهذا الاستنتاج من اهمية.. تتجلى اساسها في تبيين ارضية الخطاب التاريخي التي لن تكون الا مجسدة في الصراع الدائم للحرب لكون الحقيقة لا تبدا عندما يتوقف العنف. ذلك انها لا تصاغ على شكل قانون او تدرس في المدرسة ضمن كتاب فلسفة. ومنه يفرض التفكير في التاريخ كحرب وان الخطاب التاريخي يتم استيعابه داخل الصراع الحربي وليس خارجه.
من جهة اخرى وفي سياق الحديث عن تعميم تكتيك المعرفة التاريخية عبر الدستور والثورة والتاريخ الدائري.. الذي يطرح فيه اشكالية الثنائية -المتوحش والبربري- يوضح فيه بان مشكل اشتراكية او بربري او بربري هو خاطئ بالاساس. وذلك بالاعتماد على نص يعود الى الثورة السريالية كما يفترض ذلك فوكو. هذا النص الذي قدمه له احد الاشخاص عندما كان يغادر الدرس الثامن. ويستشهد قائلا: “إنه نص لروبير ديسنوس يبين فيه بشكل جلي كيف أن مشكل “اشتراكية أو بربرية” أو الثورة والبربرية مشكل خاطئ. سأعتمد على هذا النص، وإني أفترض أنه نص من الثورة السريالية. لا أعرف، لأنه يفتقد إلى الهوامش. وهذا هو النص، وهو ينتمي مباشرة إلى القرن الثامن عشر: “خرجوا من شرق الظلمات، المتحضرون يواصلون سيرهم نحو الغرب مثل أتيلا Attila وتيمورلنك Tamerlan وآخرين غير معروفين. الذي يقول متحضر يقول كذلك إنه بربري قديم، بمعنى أولئك الذين أفسدهم العدو (الرومان واليونان). المبعدون من أنهار المحيطات وقمم الهملايا هؤلاء الرفاق الذين خانوا مهماتهم، ووجدوا أنفسهم الآن في مواجهة من يصطادهم وهم في حاجة إليه. أبناء كلموك kalmouk وأحفاد الهن Les Huns، أولئك الذين نزعوا ملابسهم المستعارة من حجرات وخزائن أثينا وطيبة وأدرعهم الملتقطة من إسبرطة وروما، وظهروا عرايا، كما كان آبائهم. وأنتم أيها النورمانديون، المزارعون وصيادو الأسماك، وصناع السيدر، اصعدوا قليلا بهذه القوارب والزواريق الخطيرة، إلى هنالك حيث الدائرة القطبية، وامخروا طويلا قبل أن تصلوا إلى تلك النهايات الرطبة والغابات الطريدة. اعترف بسيدك يا Meute ! كنت تظن أنك ستهرب من الشرق وهاهو الشرق يصطادك، عندما أعطاك حق التخريب الذي لم تستطع الاحتفاظ به، وها أنت تجده بين ظهرانيك، ما أن اكتملت دائرة العالم. أرجوك، لا تقلد الكلب الذي يرغب في عض ذيله. ستمضي دائما نحو الغرب، قف قليلا وقدم لنا حسابا عن مهمتك، أيها الجيش الشرقي الكبير، الذي أصبح اليوم يدعى: الغربيون”.°9
وهو يعتقد بان هذه الخطابات التاريخية التي ظهرت في القرن 18. كانت محكومة بذلك الشكل, فالامر لا يتعلق بالثورة او البربرية.. ولكن باقتصاد البربرية في الثورة.
وكانت اخر اشارة له في هذا الدرس تتجلى في ان: “الشكل الآخر للتنشيط التاريخي داخل الثورة هو: كره الإقطاعية، ولما يسميه أنتريغ Antraigues، الحليف النبيل للبورجوازية: “إنه السخط المرعب الذي عاقبت به السماء، وهي في قمة غضبها، أمة حرة”. وذلك في المحور الذي خصصه للنقاش في قضية الاقطاعية والرواية القوطية.°10
واذا كان هذا الدرس التاسع قد ركز على فكرة تنشيط الخطاب التاريخي للثورة.. فان الدرس العاشر سيحاول ميشيل فوكو ان يقارب نقطة اساسية تتمثل في اعادة التشكيل السياسي لفكرة الامة وربطها بالثورة..
وفي البداية مع مونلوزييه في ابراز اطروحته حول الهيمنة والكلية من خلال علاقات الهيمنة في الثنائية الوطنية (عرق معتوق- عرق العبيد) بحيث يقول: “المثال الأول، إذن: تاريخ من نمط يميني، ينتمي إلى خط رد فعل النبالة في القرن الثامن عشر، وكتب من قبل مؤرخ في بداية القرن التاسع عشر هو مونلوزييه. نجد في هذا التاريخ، الأفضلية معطاة لعلاقات الهيمنة. بالطبع هنالك هذه العلاقة الثنائية الوطنية، علاقة الهيمنة التي تتميز بها الثنائية الوطنية، تلك الثنائية التي نقرؤها في كل تاريخ. وكتب مونلوزييه نجد هذه الثنائية الوطنية الاي تفصل بين مجموعتين، يقول عن الشعب: “العرق المعتوق عرق العبيد، الشعب القبلي، منحت لكم شهادة لتكونوا أحرارا، وليس لنا نحن النبلاء. فالبنسبة لنا كل شيء هو حق لنا وبالنسبة لكم كل شيء هو عفو. لسنا من الجماعة التي تنتمون إليها، بل نحن كل واحد بأنفسنا”. °11
ويشير في الاخير الى مولد الجدل مع اوغسطين تييري وهنا يحدثنا فوكو مسائلا ومعلقا قائلا: “يقول أوغسطين تييري: إن الثورة الفرنسية، ليس إلا الحلقة الأخيرة لصراع بين المنتصرين والمنهزمين دام ثلاثة عشر قرنا. وعليه، فإن على التحليل التاريخي، بالنسبة لأوغسطين تييري، أن يبين كيف أن الصراع بين منتصرين ومنهزمين استطاع أن يعبر كامل التاريخ وأن يؤدي إلى حاضر ليس هو صورة للحرب والهيمنة اللاتماثلية، وإنما هو صورة لكونية الأمة والدولة” °12 .. والذي من خلاله نساهم في تشكيل فكرة الامة سياسيا.. ومن ثم يجري ربطها بالثورة.
اما الدرس الحادي عشر والاخير فقد خصصه للحديث عن الانتقال من سلطة السيادة الى السلطة على الحياة ومن النسان باعتباره جسدا الى الانسان باعتباره نوعا.. الشيء الذي سيشكل مولدا للسلطة الحيوية ويذكرنا بميادين تطبيقها ثم تمفصل الانضباط والمعيار. وينتهي الى ذكر وظيفة وميدان العنصرية مع النازية والاشتراكية.
وهنا يضرب لنا مثال موت فرانكو يقول: “لنأخذ كمثال على ذلك موت فرانكو Franco، ونعتبره رمزا لما نحن بصدده هنا. يعتبر موت فرانكو حدثا في غاية الأهمية نتيجة للقيم الرمزية التي وظفها، خاصة وأنه مارس سلطة السيد على الحياة والموت وبتلك الوحشية التي تعرفونها، وبالدموية التي تجاوزت كل الديكتاتوريات. فلقد حكم بشكل مطلق ولمدة أربعين سنة، وكان له الحق على الحياة والموت. ولكن في اللحظة التي مات فيها، سيدخل هذا النوع الجديد من السلطة على الحياة التي تجعل الفرد يعيش بعد موته. تلك السلطة التي حققت انتصارات علمية وتعمل على إحياء الأفراد حتى عندما يكونون بيولوجيا قد ماتوا منذة فترة طويلة. وهكذا فإن الذي مارس السلطة المطلقة على الحياة والموت وطبقها على الآلاف من الناس، هذا الشخص قد سقط بضربات سلطة حسنت الحياة ولا تفكر بالموت إلا قليلا، وهي لم تحاول أن تعرف أنه قد مات، وإنما حاولت أن تحييه بعد موته. أعتقد أن الصدمة بين هذين النظامين من السلطة، سلطة السيادة على الموت وسلطة تنظيم الحياة، تجد رمزها في هذا الحدث الصغير المرح”.°13
اما العنصرية فكان حديثه الاخير.. ابرز من خلالها اهمية العنصرية الحيوية التي بواسطتها يمكن ممارسة حق القتل..
وهنا يورد هذه العبارات التي تؤسس لشرعنة الحق السيادي القديم في القتل:
من أجل أن تحيا يجب أن يموت أعدائك..”
إذا أدرت أن تحيا يجب على الآخر أن يموت..”
كلما أمت.. كلما عشت..”
ويعبر عن هذا في قوله: “بهذا تفهمون الأهمية _أريد القول الأهمية الحيوية_ للعنصرية في ممارسة السلطة: إنها الشرط الذي بواسطته نستطيع ممارسة حق القتل.إذا كانت السلطة المعيارية تريد أن تمارس الحق السيادي القديم في القتل، فيجب أن تمر عبر العنصرية”.°14
ويختم في خلاصة هذه الدروس معبرا في اخر صفحات الكتاب كما اقتبسها المترجم الدكتور الزواوي بغوره والتي نشرت في كتاب فوكو “Dits et écrits” قائلا: “المهم أن يتم البحث عن مبدأ التحليل التاريخي في ثنائية الأعراق وحرب الأعراق، انطلاقا من هنا وبواسطة أعمال أوغسطين وأميدي تييري سينمو.. ويتطور في القرن التاسع عشر نوعان من.. القراءة والتحليل التاريخي: نوع يتمحور حول صراع الطبقات، والآخر على المواجهة البيولوجية”.°15
ان ميشيل فوكو بتحليله لخطابات حول حرب الاعراق والغزو والاجتياح, ولا سيما خطابات هوبز, وبولانيفلييه, ومونلوزييه, وبوات-نانسي, وأوغسطين تييري… الخ. استطاع اي يبين “جينالوجيا السلطة الحيوية” و “عنصرية الدولة الحديثة”. واكد ان منطق العلاقة بين السلطة والمقاومة ليس هو منطق القانون, بل منطق الصراع: انه لا يتمي الى نظام القانون وانما الى نظام الاستراتيجية. وعليه فان السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل من المناسب قلب مأثور كلوزفيتز, والقول “ان السياسة هي استمرار للحرب بوسائل اخرى”!..
وعلى سبيل الختم نقول باننا لا ندعي شملا واجمالا لجل الافكار التي جاء بها فوكو في دروسه الغنية جدا.. وانما تاتي هذه القراءة البسيطة جدا منا في بضع شذراته التي نعتبرها الاساس في اطروحته.. وحتى يتسنى لنا مشاركتها زملاء البحث في العلوم الانسانية والاجتماعية.. وذلك عبر فحصها ثم نقدها في افق تطوير تصور شامل يكون اكثر دقة.
بقلم

 عمر بولوز
طالب باحث في علم الاجتماع
————–
:
هوامش
°1/
يجب الدفاع عن المجتمع- ميشل فوكو –ترجمة وتقديم وتعليق الدكتور الزواوي بغوره –ص09
نفس المرجع –ص 20°2/-
نفس المرجع -90 و91°3/-
نفس المرجع –ص1004/-
نفس المرجع –ص115°5/-
نفس المرجع –ص120°6/-
نفس المرجع- ص162°7/-
نفس المرجع –ص171°8/-
نفس المرجع –ص200°9/-
نفس المرجع- ص211°10/-
نفس المرجع –ص 225°11/-
نفس المرجع –ص229°12/-
نفس المرجع –ص240°13/-
نفس المرجع -ص246°14/-
نفس المرجع –ص259°15/-
مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ بوابة علم الاجتماع | مدونة متخصصة في علم الاجتماع 2018 ©