السبت، 20 أغسطس 2016
قَتْلُ العَلاّمَة، قصة قصيرة
بقلم: محمد فطومي *
حين ترتفع يده صوب وجهه بأناة، لست تدري إن كان سيعدّل نظّارتيه ذات العدستين العسليّتين، أم سيعيد تحت أذنه خصلة من شعره الرّماديّ المجعّد، أم سيدفع كرتي القطن التي يسدّ بها أنفه أعمق. ورغم الدّاء الذي استقرّ في رئتيه، وبلوغه سنّا متقدّمة تختُل الفراسة وترتسم فيها جليّا على أهداب الرّجال المغامرين ظلال من العصيان والإذعان معا، إلاّ أنّه كان يحافظ على قسمات قويّة. بالعودة إلى الوراء هبط جبريل في المطار قبل سنتين من أوّل لقاء جمعه بصفوان. يومها لم يكن في انتظاره أحد، بدا له الكون بأسره يترقّب تلك الآونة ليضحك. وراوده شعور بأنّه مُذَنَّب هرم يُنقع في المحيط. رحلته الكونيّة شارفت على نهايتها، مع ذلك قرّر ترتيب احتضار فنّيّ يليق بطواف طويل عنيد. استأجر بيتا في العاصمة. دام احتضاره النّاعم سنتين. لم يمت. وكما لو كان حلما، وجد نفسه في الطّريق إلى المدينة التي وُلد وتربّى فيها. الغصن الذي حلّق منه أوّل مرّة حفّته غابة كثيفة. اهتدى إلى بيته بمشقّة. كانت المشاهد تلطم مُخيّلته كجراد يرتطم بزجاج نافذة، الوجوه تومض كالبرق الواحد تلو الآخر؛ لاح له العُقاب يحوم فوق براح الدّجاج. الطّير الحرّ لا يقع على الجيفة. هكذا يقول أبوه. كان صبيّا يركض بين الصّبية ويصرخ مثلهم: «حرام! حرام!». يعلو الصّياح وضجيج القرع بالحجارة والعصيّ على صهريج الماء وعلب الصّفيح، فيرحل الطّير.. أمضى خمسا وثلاثين عاما في الغربة، انتقل خلالها بين بلدان كثيرة. لمّا عاد ليستقرّ في مدينته لم يكن قد بقي له من الأملاك سوى أدوات النّحت وبعض الأثاث العتيق والتّحف والملابس الأنيقة وبيانو أوبرا كانت قد أهدته إيّاه ابنته الكولومبيّة. كان دائما يقول لأصدقائه: “علينا أن نساعد الجمال على تخليد حكمه المطلق بمنعه من الجلوس طوال الوقت على العرش”. دَرَس و درَّس في عديد الكلّيّات. يقول إنّه زرع ناسا في كلّ مكان، وإنّه قد غيّر على نحو ما خارطة الحظوظ وأقحم الكثير من الشّخصيّات على سطح الأرض.. الأرض؛ يضغط على العبارة بإجلال وتفخيم لحروفها؛ ثمّ يعقبها بزفرة حارّة قبل أن يُردف: ..تلك الرّواية الضّخمة الرّائعة!.
أمسيات الصّيف أعمار قصيرة. يتقاطر فيها النّاس من كلّ الجهات على ساحة المتنزّه. يغدون ويروحون. ينتعش التّرويج للّذة والأوهام حول المنجم البشريّ لساعات مديدة. قطافُها أيضا. في قلب المعمعة ينزوي جبريل في ركنه كبؤرة. يسترق النّظر عبر باب الحانة. ينتصب مُعلّقا في العراء كثقب مزلاج تلتقي عنده رياح ذاكرتين؛ أولى عاد ليجسّدها وتالية عُمّرت للتوّ. تضطرم الحكايات في صدره. تتسلّق حنجرته بإصرار.. كان منكّس الرّأس حين أحسّ بقامة تُشاغب عينيه. رفع بصره مُتأمّلا ملامح الرّجل ذي الابتسامة العريضة الذي برز أمامه فجأة..
– “أستاذي!”، هتف الرّجل وهوى بقامته على جبريل يقبّل صدغيه. سحب كرسيّا وجلس بجواره. مسح بيده على كتفه بحنان يكبحه بعض الحياء، وقال بصوت يغلب عليه التّأثر:
أنا صفوان ابن الدبّاغ.. تذكرني؟
قال جبريل وقد غمرت حنجرتَه نشوةٌ عارمة:
كنتُ جالسا في هذا المكان بالذّات حين مرّ أبوك على الجادة من الجهة الأخرى وقد التصقت بساقه أشلاء كيس قذر من النايلون.. الأنيق.. مشى يجرّه طويلا دون أن ينتبه إليه.. في الأخير علق الكيس بشيء آخر وأخلى ساقه.. كلّ ذلك ولم ينتبه.. عندها أدركتُ أنّه على وشك أن يموت.. لم يخطىء حدسي.
لاحقا صار صفوان يزور جبريل و يسهر معه حتّى ساعة متأخّرة من الّليل. نما بينهما أنس خاصّ كما لو أنّ كلاهما يعلّق الآخر تميمة. فكّر صفوان أن يُخبر جبريل بالكلمات التي خطرت بباله وهو يتأمّل الأثاث ويقرأ بشغف مساحات البيت الفارغة. الكلماتُ تدغدغ لسانه. في الّليل تبدو الأمور كلّها معقولة. ذاك سحره. خشي من أن يُذيعها فتضحك منه في الغد شمس الفواتير والإسمنت والقوت والضّحى السّاخر. صرف النّظر.
في إحدى الليالي انتبه إلى صندوق نرد مفتوح على دفّتيه، معلّق كلوحة على الجدار المُقابل لسرير جبريل. خطا نحوه. تأمّله عن قرب. كان بطان الرّقعة ممحوّا تماما حتّى أنّه يصعب تخمين لونه الأصليّ. قطع جبريل عليه انغماسه قائلا:
اشتريته هذا الصّباح من أحد المقاهي.. سيؤنسني هذا الصّندوق بقصصه التي لا تنتهي والهزائم التي في صدره
لم يكد يتمّ كلامه حتّى صعقه ألم شديد في ظهره. ارتبك صفوان لدى رؤية صديقه يتلوّى. كان عليه من أجل تأمين وسيلة ينقله بها إلى المستشفى أن يتركه بمفرده نهشا للأوجاع المتزايدة. حين وصل به كان شبه مغشيّ عليه. أسبوع في العناية المركّزة كان كفيلا ليستعيد جبريل عافيته ويحصل على إذن بالخروج. أمدّهما الطّبيب قبل المغادرة بظرف مُغلق وأخبرهما بأنّ على جبريل إجراء عمليّة جراحيّة وإلاّ فسيكون من الصّعب تجاوز الأزمة المُقبلة.
كان لصفوان في خلوة مع الطّبيب حديث طويل جعله يكتشف كما يكتشفِ الأطفال بداهات تافهة جدّا، أنّ في الحياة صدفا مُسلّية للغاية. أخفق صفوان في إقناع جبريل ببيع البيانو لتغطية مصاريف العمليّة. إلاّ أنّه أفلح في إقناعه بقبول صنع تمثال من الجبس لـ ـ”ابن سينا” لصالح رابطة أسسها حديثا فريق من الصّيادلة و الأطبّاء. وقّع جبريل عقدا تسّلم بمقتضاه نسبة من المبلغ المتّفق عليه. أجّر مُستودعا للغرض. ثمّ انطلقت الأشغال حثيثة.
كان عوما ضدّ التيّار. جهّز صفوان القالب. توأما من صفيح الحديد المقوّس إذا ما تناظرا شكّلا ما يشبه جرس كاتدرائيّة. صبّا في القالب عجين الجبس. حين جفّت الكتلة انهمك جبريل في نحتها مُستعينا بصور ورسوم عليها مقاسات وأدوات يدويّة وأخرى كهربائيّة من مُختلف الأحجام. قال صفوان وهما يفكّان القالب:
فرصة ليعرف الجميع قيمتك. ردّ جبريل:
يغيظني أن لا أكون قد أثرت إعجاب النّاس لأنّي أبيع شبابي، بل فقط لأنّ البدلة التي اشتريتُها بثمنه قد لاءمتني.. يغيظني ذلك في العمق، لكن لا بأس، جميل دائما أن نثير الإعجاب.. لم ينطلق نشاط الرّابطة بعدُ، لذا فإنّ مقرّها مازال بدوره غير مُستغلّ، وهو عبارة عن فيلاّ فسيحة يشرف على حجراتها بهو ذو أرضيّة رخاميّة أنيقة. استغرق صنع تمثال العلاّمة شهرا. نُقل إثره إلى مقرّ الرّابطة مغطّى بقطعة قماش أسود، مربوطة بإحكام من جهة القاعدة. همّا بإدخال التّمثال إلى بهو المقرّ لكنّ مشكلة حالت دون ذلك. التّمثال يفوق الباب طولا وعرضا.. قال جبريل:
سأتصرّف.. صفوان! أحضر كلّ الأدوات..كلّها
أحضر صفوان المعدّات بحماس كأنّه في مهمّة إسعاف. أماط جبريل الغطاء عن التّمثال. لم يستطع الرّجال إخفاء انبهارهم. انضمّ إليهم بعض الفضوليّين من المارّة. اتّسعت الحلقة. تناول جبريل مطرقة وإزميلا وأخذ يشذّب العباءة. ثمّ انتقل إلى العمامة. أساء التّقدير فسدّد لها ضربة تشقّق لها الرّأس بأكمله وتصدّع نصفين. خيّمت الخيبة والأسف كأنّ العلاّمة أُعدم للتوّ أمام أنظارهم. حافظ جبريل على تماسكه كما لو أنّ شيئا لم يحدث. طلب تمكينه من مهلة بأربعة أيّام لتدارك الخطأ، اشترط خلالها الحصول على مفتاح المقرّ ليقيم فيه ريثما ينتهي من أشغال التّرميم. انصرفوا جميعا. من جهة الشّارع كان خلف الباب رجل يعمل، أمّا من الدّاخل فكان خلف الباب رواية ضخمة. في الموعد المُحدّد حضر صفوان ومعه ممثّلون عن الرّابطة ورئيس البلديّة وآخرون. اصطفّوا أمام التّمثال عاقدين أيديهم أمام بطونهم. كان يعلو وجوههم فرح شبيه بفرح أطفال يشاهدون مهرّجا. فكّ جبريل الرّباط بتأنّ وقد استحالت عيناه كتلتين صغيرتين من التّأهّب، ثمّ بحركة خاطفة سحب السّتار الأسود عن التّمثال كاشفا عن مجسّم لامرأة فاتنة.

* الكاتب: محمد فطومي، الجمهورية التونسية
الصورة لتمثال ابن سينا في مدينة اسطنبول


مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ بوابة علم الاجتماع | مدونة متخصصة في علم الاجتماع 2018 ©