الثلاثاء، 15 نوفمبر 2016

العلاقة بين التربية والثقافة: إشكالية الممارسة والتطبيق

مقدمة:
يعدُّ الإنسان صانع الثقافة وحاملها وناقلها من جيل إلى جيل، وهذا لن يتم بمعزلٍ عن التربية التي تشكل جزءاً لا يتجزأ من ثقافة المجتمع، بل أن العمليات المختلفة التي تمكن الثقافة من الاستمرار والتطور هي عمليات تربوية.

في هذا المقال سنسلط الضوء على عدة عناصر رئيسية أهمها:
 التعريف بمفهومي التربية والثقافة.
• العلاقة الديناميكية بين التربية والثقافة
• إشكالية العلاقة بين التربية والثقافة
• الخاتمة.

أولاً: التعريف بمفهومي التربية والثقافة.
مفهوم التربية:
تتعدد الآراء حول مفهوم التربية في المقام الأول إلى الاختلاف حول موضوع التربية، وإلى الاختلاف في الفسلفات والبيئات الثقافية التي تتمايز وتتباين بتباين القوى والعوامل المؤثرة من فلسفية وثقافية واجتماعية ودينية.

ما يهمنا في تعريف التربية حسب ما أشار إليها د. طارق عبد الرؤوف عامر في كتابه " أصول التربية " الاجتماعية – الاقتصادية – الثقافية " بأنها عبارة عن: عملية تطبيع اجتماعي تهدف إلى إكساب الفرد ذاتاً اجتماعية تتميز بها عن سائر الكائنات الأخرى في جميع مستوياتها التطورية، فهي التي تجعل من الفرد عضواً عاملاً في الجماعة حيث يتطبع الفرد بطباع الجماعة المحيطة به، وعملية التطبع هذه تحدث في إطار ثقافي معين تختلف من مجتمع إلى مجتمع آخر.

مفهوم الثقافة:
يعتبر البعض بأن الثقافة هي خلاصة العلوم والتجارب البشرية والدينية التي توجه الفرد الوجهة الصحيحة، بينما يقصرها البعض الآخر على تهذيب المواهب بالمعرفة والتمرس بالتراثات الفكرية والأدبية والفنية ممّا يؤدي إلى غنى فكري واسع يسمح للعقل البشري أن ينسق ويوحد بين الثقافات.

خلاصة للأطروحات المفاهيمية السابقة نقدم تعريفاً شاملاً واسعاً لمفهوم الثقافة عرفهّ الانجليزي تايلور عام 1871م بأنها تلك المجموعة المركبة التي تتضمن المعارف والمعتقدات والفن والحق والأخلاق والأعراف وكل الاستعدادات والعادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان باعتباره عضواً في المجتمع.

يمكننا القول بناءً على التعريفات السابقة لمفهومي الثقافة والتربية بأن الثقافة هي عبارة عن عملية مكتسبة تعتمد على التعليم وهذا ما يؤكد حاجتها إلى العملية التربوية، كما أن التربية هي الأساس الذي يقوم عليه استمرار الثقافة وتناقلها من جيلٍ إلى آخر.

ثانياً: العلاقة الديناميكية بين التربية والثقافة:
تكمن طبيعة العلاقة بين التربية والثقافة في كونها علاقة ديناميكية متفاعلة مستمرة لا تقتصر على زمان أو مكان معين بل هي علاقة ايجابية تجديدية تسعى دوماً إلى نقل الثقافة بصورتها الصحيحة إلى الشعوب والعوالم بطريقة حضارية معتمدة على وسائل تربوية متطورة يكون الهدف الأسمى منها نشر الثقافة وتعزيزها وبقائها.

صور العلاقة الديناميكية بين التربية والثقافة تتمثل في النقاط التالية:
أولاًتعدّ التربية رافداً أساسياً في نقل الثقافة وتعزيزها داخل أيّ مجتمعٍ من المجتمعات وهذا بحاجة إلى تخطي الأنماط التقليدية الموجودة داخل أيّ منشأة تعليمية والتي ترتكز فقط على المناهج التعليمية النظرية بل بحاجة إلى الوسائل العملية كالمسرحيات، وانشاء المعارض الثقافية الداعمة لمفهوم الثقافة والحفاظ على هوية وتراث الشعب أو الإقليم الذي يعيشون بداخله. وهذه النقطة تعدّ الأكثر فهما ووعياً لدى الطلابِ على اختلاف مراحلهم العُمرية في فهم الثقافة وتبسيطها والقدرة على ممارستها والحفاظ على معانيها بدون أيّ تشويش أو لغطٍ يعكر استيعاب المفهوم ونقله للأجيال الآنية واللاحقة على حدٍ سواء.

ثانياًإن العلاقة بين التربية والثقافية ليست مقصورةً فقط على الجانب التعليمي بهدف نقل ثقافة مجتمعٍ ما والحفاظ عليه، بل إن طبيعة العلاقة تتخطى ذلك في نقل الثقافة وتمثيلها على المستوى "الأممي" العالمي عبر عقد المؤتمرات السنوية الداعمة لمفهوم الثقافة، حيثُ إن إنشاء المؤتمرات التربوية وحياكتها بشكلٍ علمي رصين يصور اللغة والتراث والعادات والتقاليد والحضارة العريقة لبلدٍ ما ومحاولة صياغتها بشكلٍ يعكس شخصية الباحث المحب لوطنه وبلده والساعي لتطوير ثقافته بعيداً عن أي مؤثرات داخلية أو خارجية من شأنها أن تعزز مفهوم الولاء والانتماء لوطنه وحضارته وتراثه الذي يمثل القيم الثقافية الأصيلة على مدار عقود آنية ولاحقة.

تدفع العلاقة الديناميكية بين التربية والثقافة إلى تعزيز الانسجام والتناغم بين الأرض والإنسان وبين الهوية والتراث، بل تدفع إلى تشكيل مرحلة جديدة تعرف بالتطبيع التربوي الثقافي والتي آشبه ما تكون بولادة جديدة تنصهر معها قيم الولاء والانتماء في سبيل الحفاظ على الثقافة وترسيخها في عقول أبنائها بحيث يصبح المثقف وغير المثقف والمتعلم وغير المتعلم على قدرٍ من المسؤولية في الحفاظ على تراثه وهويته من الاندثار والانصهار وطمس للحقائق وتزييفٍ للمعالم نتيجة لعدم تشكل الوعي الكافي بين صفوف أبناء المجتمع الواحد.

ثالثاً: إشكالية العلاقة بين التربية والثقافة:
إن إشكالية العلاقة بين التربية والثقافة في القرن الحادي والعشرين ليست مسألة فردية فحسب بل مسألة جماعية تقع على عاتق كافة أفراد المجتمع الواحد من أجل الحفاظ على جميع مكونات الثقافة وحمايتها من أيّ محاولات طمس وتشويه يصاحبها بين الحين والآخر، ولهذا السبب فإنني أقدم عدداً من المقترحات اللازمة للحفاظ على الثقافة وإبقائها الواجهة الأساسية لأي مجتمعٍ من المجتمعات منها ما يلي:
1- ألاَّ نكتفي فقط بالوسائل التربوية النمطية التقليدية التي ترتكز على المناهج التعليمة المدرسية فقط بل يجب تحديث الوسائل التعليمية عبر إدخال الجانب العملي في فهم وتبسيط مفهوم الثقافة من خلال تنظيم الرحلات المدرسية، والتعريف بهوية وتراث المدينة أو القرية التي تم زيارتها وإجراء تقارير مدرسية من قبل الطلاب الزائرين لها والتحدث بها إعلاميا إمام زملائهم في الصف أو الإذاعة المدرسية، وهذا يذكي الروح المعنوية بين الطلاب أنفسهم بوجه خاص وبين المعلمين أنفسهم بوجه عام.

2- إنشاء مراكز ودور للنشر الثقافي تهتم بالثقافة وأن يكون هدفها توعوياً وتنموياً في آن واحد. توعوياً يتمثل في توعية المواطنين في كيفية الحفاظ على هوياتهم وعاداتهم وتقاليدهم من الانهيار والانصهار واعتبارها جزءاً أساسياً من الماضي القديم وغرسها في نفوس أبنائهم بهدف تثبيت أحقية الهوية والتراث، وعدم نسيانه أو إغفاله نتيجة لعولمة الهوية والحضارة، ومحاولة نسيانها بشتى الطرق والوسائل. أما تنموياً يتمثل في الاستفادة من الثقافة في تنمية مهارات الفرد وصقلها بالمعارف اللازمة كي يكون قادراً على فهم ثقافة مجتمعه والتصدي لمحاولات عولمة الهوية والحضارة والثقافة تحت عنوان الانسلاخ عن الماضي وتبني قيم جديدة أكثر رقياً وتحضراً، وهنا تكمن ثقافة الوعي الفكري الهادف الذي يقع على عاتق المؤسسات الثقافية في توضيح الفكرة وتبسيطها ومحاولة نقلها للأجيال اللاحقة بهدف غرس فكرة الولاء والانتماء للوطن وعدم الوقوع فريسة تحت وطأة التغييرات الحاصلة في المنطقة والتي تعرف بالإصلاح الثقافي والذي يكون هدفها استبدال قيم الفرد بل تجريده من كافة القيم التي يتبناها وتنميطه بأفكار جديدة مناهضة للأفكار الثقافية التي يتبناها.

3- الأخذ بزمام المبادرة والوعي بين طلاب الجامعات والمفكرين والباحثين في سبيل الارتقاء بالثقافة مع الآخذ بعين الاعتبار التنسيق مع الوزرات والمؤسسات ذات العلاقة بالشأن. وهذا يعني بأن حلقة التعاون لن تكون مقتصرةً فقط على جانب معين بل هي نتاج حلقات متعاونة من كافة أفراد المجتمع الواحد تأخذ منحى تشكل الوعي وبناء مرحلة جديدة من التعاون الثقافي والفكري يكون أحد أركان أعمدته الفرد والهوية والفكر.

الخاتمة:
استطيع القول بأن التربية هي العمود الفقري للثقافة، وأن الثقافة هي روح التربية، وكلاهما لا يستطيعان العيش بمعزلٍ عن الأخر، لأن التربية ليست فقط سلوك مكتسب يقود إلى تبني مفهوم الثقافة للمتعلمين على مقاعد الدراسة فحسب بل هي سلوك وطريقة تقود بهؤلاء الأفراد إلى كيفية بناء التصورات النظرية والعملية في الحفاظ على هوية مجتمعاتهم من الانصهار والاندثار بفعل تأثيرات إصلاحية يراها البعض بأنها خلاص المجتمع من القيم والعادات والتقاليد البالية وأنها سرّ تخلفهم وتراجعهم للوراء سنوات طوال.


إن سر تقدم أي مجتمعٍ من المجتمعات هو الإيمان العميق بأهمية الثقافة لديهم عبر فهم الطرائق والأساليب التربوية الناجحة التي تقود بهم إلى الحفاظ على هويتهم وعراقة مجتمعاتهم وبلدانهم من التآكل والاندثار وهذا لن يتم إلا بالتعاون المشترك بين جميع أفراد المجتمع الواحد أفراداً وجماعات ودولة، وأن يأخذوا على عاتقهم بأن العولمة الثقافية لن تكون بديلاً أساسياً عن هويتهم وثقافتهم وعاداتهم حتى وإن برزت الوجه الحسن والجميل إلا أنها تخفي وراء ضحكاتها نوايا خبيثة هدفها استئصال جذور الثقافة واستبدالها بثقافة جديدة على مقاسها تحت شعارات وهمية لا طائل من ورائها سوى تفريغ المجتمع من ثقافته وإبقائه قيد التبعية الثقافية لهم في كافة شؤون الحياة.

م. ص . شبكة الالوكة 
مشاركة

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ بوابة علم الاجتماع | مدونة متخصصة في علم الاجتماع 2018 ©