بوابة علم الاجتماع | مدونة متخصصة في علم الاجتماع بوابة علم الاجتماع | مدونة متخصصة في علم الاجتماع
random

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...

قراءة في كتاب المجتمعات الافتراضية، التكنولوجيا ورقمنة الإنسان - وديع جعواني

قراءة في كتاب
المجتمعات الافتراضية، التكنولوجيا ورقمنة الإنسان
إبراهيم أحمد ملحم
(ملحم، ابراهيم أحمد، المجتمعات الافتراضية، التكنولوجيا ورقمنة الإنسان، عالم الكتب الحديثة للنشر والتوزيع، 2017)

من إنجاز: وديع جعواني
أستاذ فلسفة
دكتوراه في علم الاجتماع، كلية الآداب مراكش، المغرب.



ملخص:
 يحاول ملحم من خلال مقاربة لسانية وسوسيولوجية توقيف الزمن، ولفت الانتباه إلى الحياة الافتراضية، التي تبصم معيش الإنسان المعاصر، والعربي على وجه التحديد. حولته من كائن واقعي إلى آخر رقمي، ومن اجتماعي إلى منعزل، ومن تحكم الوعي والأخلاق إلى لاوعي رقمي. هذا واستطاع إعادة تشكيل مفاهيم الرقمية والإفتراضية، وتعديد ايجابيات الانتقال من المجتمع الواقعي إلى آخر افتراضي، مع الوقوف عند الانعكاسات التواصلية والاجتماعية والنفسية لهذا الانتقال. ولقد استطاع نحث بنية مفاهيمية خاصة به، أساسها الرقمنة، التسول والانتحار والعصبيات واللاوعي الرقمي وغيرها. واعتبر مستقبل المجتمعات الافتراضية والحد من انعكاساتها مرهون بحوكمتها وتوسيع دائرة التربية الرقمية.

الكلمات المفتاحية: رقمنة الإنسان- المجتمعات الافتراضية، سلبيات الرقمية- مستقبل الرقمنة والافتراضية


تقديم عام:        
يأتي هذا الكتاب كتتويج لأعمال سابقة للأستاذ إبراهيم ملحم، ومنها "الرقمية وتحولات الكتابة 2015"، والتي تغيت دراسة الظاهرة المتسجدة على المجتمع العربي، بل والكوني، إنها "الرقمنة"، كتحويل  لفضاء العيش من المجتمع الواقعي إلى آخر افتراضي، يتحول فيه الإنسان من روح ومادة إلى رقم. هذا العمل تتلاقى فيه العديد من التخصصات. في شكل كتابة راقية انسيابية، يعتمد المنهج الأدبي التحليلي من جهة والمنهج الاجتماعي السوسيولوجي والسيوكولوجي من جهة ثانية. فرغم تكوين صاحبه الأدبي إلا أنه استطاع أن يلامس قضية ذات جدة بمنطق متعدد المداخل.
حضرت الاستشهادات والإحصائيات بقوة داخل الكتاب، ومع ذلك يميل صاحبه إلى الوصف أكثر من نزوعه إلى التحليل العلمي. ينطلق الباحث من خلفية أخلاقية، يحكم من خلالها على التغير الاجتماعي العميق الذي أحدثه المجتمع الافتراضي خاصة بالعالم العربي. وإذا كان في كثير من المواضع يتحدث عن المجتمع الافتراضي بمعناه العام، فهو يقصد بشكل أولى العربي وليس الغربي.
الكتاب الأول من نوعه بالعالم العربي من حيث الاهتمام بالمجتمع الافتراضي، في حين تناولت كتابات أخرى الانترنيت أو التواصل الافتراضي. لامس العديد من المواضيع المركبة الخاصة بالعلاقات والتواصل والانعكاسات داخل هذا المجتمع. ويمكن أن يعتبر بمثابة مدخل يفتح الآفاق للبحث السوسيولوجي والسيكولوجي والقانوني واللساني أكثر من تقديمه أجوبة شافية وكافية. ويلاحظ وكأن صاحب الكتاب ينطلق من مسلمات يحاول إثباتها وليس العكس، بأسلوب وصفي، لا يخلو من نزعة دينية ترفض التقدم، لأنه رغم الايجابيات التي عددها إلا أن الطاغي هو السلبيات، التي تحملها المجتمعات الافتراضية على المستوى النفسي والاجتماعي.
اعتمد قراءة دياكرونية، وقفت عند ماضي الرقمية وتحولاتها المعاصرة إلى آفاقها المستقبلية، يقوم على دراسة وصفية استيثيقية، من محاسن المجتمعات الافتراضية إلى مساوئها. ولقد نحث مفاهيم جديدة، ومنها المواطنة الرقمية، رقمنة الإنسان، والتسول الرقمي والعنف الرقمي،  وجدد أخرى، ومنها الرقمية والافتراضية. ويقول هو عن كتابه "جاء هذا الكتاب ليضيء زوايا مظلمة من حياة الأفراد ومجتمعاتهم الافتراضية، وبخاصة تلك التي أخذت تنتقل من المجتمعات إلى الحياة اليومية إلى المجتمعات الافتراضية، وما نجم عن الاختلاف بينهما نتيجة ظروف متعددة، أهمها، غياب المواطنة الرقمية وإخفاق سياسات الإدماج فيها"[1].
1-غزارة البناء المفاهيمي:
شكل المدخل المفاهيمي أهمية بالغة، حيث يجد القارئ نفسه أمام تسارع ملفت لتبني مفاهيم وصياغة أخرى وإعادة تشكيل تلك المتوافرة. مفاهيم تدور كلها في حلقة الرقمي والافتراضي. حاول الوقوف عند تغير معنى المجتمع الافتراضي وتمييزه عن الرقمية، تغير في التعريف الذي قدمه هاورد راينغولد سنة 1993، باعتبارهم أفرادا تجمعهم اهتمامات مشتركة ويتبادلون الدردشة والمعلومات والرسائل والصور والفيديوهات وفق نظام البرمجة (1,5) القائم على النشر غير الفوري. ويرى أن المجتمع الافتراضي بهذا التعريف يمكن أن يتخذ معنى أوسع وأعمق، ويحدد له مقومات، ومنها[2]:
·       موقع الويب، كفضاء تسكن فيه المجتمعات وفق شروط؛
·       الأفراد المشاركون في الحياة على الموقع، مع حرية التعامل بين جميع الأطراف؛
·       البنية التحية الرقمية، جودة التصميم و(سرعة الولوج والتنقل فيه)؛
·       الأمن والحوكمة.
ويعتبر حرية التعبير والانضمام من أهم مقومات المجتمعات الافتراضية، حيث استطاعت استيعاب الأفراد بعد تراجع العولمة، التي أدت أدوارها بكفاءة في الانفتاح والتواصل الحر، ويقول[3]"إن المجتمع الافتراضي هي ثمرة ما أدته العولمة من أدوار". ويسجل اختلاط المعنى الحاصل بين العوام  وبعض الأدبيات حول الرقمية والمجتمعات الافتراضية، ويشير إلى انزياح معنى كل واحد منهما مع الزمن؛ فإذا كانت "الرقمية" تطلق على ما يوضع بالحاسوب متصلا بالأنترنيت أو ليس كذلك، فإنها اليوم أصبحت مرتبطة بما ينشر عليها حصرا وفوريا عبر الصيغة الرقمية(02)، وتحتاج الرقمية إلى الربط الدائم بالشبكة والتوصل بالجديد والتفاعل معه، أما "الافتراضية" فظهرت في حقل البصريات (الصورة المعكوسة). وما يوصف بالإفتراضي هو ما يتشكل في وسط افتراضي يستخدم التكنولوجيا، مثل ما ينشر على مواقع التواصل الاجتماعي، وتسقط صفة الافتراضية على كل ما ينشر على وسيط آخر(الورق) أو النشر الالكتروني على مواقع ليست متخصصة للتواصل الاجتماعي.
كما لا يمكن أن نفهم طبيعة المجتمعات الإفتراضية من دون الوقوف عند تركيبها، وهنا انطلق من أطروحة اريك فروم Erich Fromm، والقائمة على قاعدة "يحول الإنسان نفسه كما يحول العالم من حوله بنفس الطريقة، لكنه لا يقوم بذلك إلا وفقا لطبيعته ولطبيعة الأشياء من حوله"[4]. ومن جهة أخرى يميز هذه المجتمعات عن الواقعية ويعدد خصائصها:
·       زوال البناء الطبقي والطبيعي القائم على أساس، مثل الغنى والفقر والطبقة؛
·       انهيار البناء السكاني، حيث لا يتأسس  تركيبها على الجنس والقومية، بل على أساس رقمي، الكل ليس سوى رقم؛
·       تداخل البناء المهني؛
·       انتقال البناء المؤسسي إلى المجتمعات الافتراضية، وذلك بنزوع المؤسسات الواقعية إلى إحداث مواقع وصفحات؛
·       تغير البناء التنظيمي: غياب سلطة الأب والأسرة والدولة.
ومن جهة أخرى لا يكتمل تعريف المجتمعات الافتراضية في نظره إلا بعد وضع تصنيف لها[5]:
·       مجتمعات افتراضية مترابطة رقميا(الفرد متصل على مدار الساعة)؛
·       مجتمعات افتراضية هامشية(تعلق الفرد داخل مساحة مخصصة له على ما نشر ثم يغادر وقد لا يواظب على ذلك)؛
·       مجتمعات افتراضية مفككة تحكمها علاقات عابرة بين الأفراد(موقع يوتيوب)؛
·       مجتمعات افتراضية نفعية، تقدم خدمات، مثل ويكيبيديا؛
·       مجتمعات افتراضية هجينة، ومنها سناب شات Snapchat؛
·       مجتمعات افتراضية إشهارية، ومنها Linked.in ؛
·       مجتمعات افتراضية مسيئة، ومن أهمها   Secret Whisper, Confide,.
إذا كان مفهوم الرقمية والافتراضية قد استأثر باهتمامه فإنه قد نحث مفاهيم أخرى لا تقل عنها أهمية؛ الإنسان الرقمي، رقمنة الإنسان، التسول الرقمي، الانتحار الرقمي، العصبيات الرقمية، القناع الرقمي، والعنف الرقمي، وغيرها. والإنسان الرقمي هو ذلك الكائن الذي ينقطع عن الوجود المادي ويتحول إلى كائن رقم في مجتمع لا متناهي من حيث العدد، هذا التحول هو ما يعتبره "رقمنة للإنسان". أما "التسول الرقمي Digital Begging"، الذي يميزه عن التسول الالكتروني  Electronic Begging أو التسول عبر الانترنيت Internet Beggingوعبر الرسائل النصية، ويقصد به "طلب أحد أفراد المجتمعات الرقمية وضع إشارة إعجاب أو تعليق على ما ينشره نتيجة إحساسه بفقر حسابه"[6]. بينما يعتبر "الانتحار الرقمي" بمثابة إفراط في نقد ما نشره الآخرون، وهو ما يؤدي إلى تعليق المشاركة أو الطرد. في حين يقصد ب"العصبيات الرقمية" تلك الأنانية والتشبث بالرأي الذي لا يتخلص منه الأفراد والذي سببه التربية البطريركية، والقناع يعتبره ذلك الاسم المستعار أو الهوية المستعارة، التي تخفي الحقيقة والعنف الرقمي بالتعليقات أو التحرش أو بفبركة الفيديوهات أو التعليق السلبي على ما ينشر أو عن طريق نشر فيديوهات مخلة في صفحة أحدهم من دون علمه.
2-القراءة الإيجابية للمجتمعات الافتراضية:
 انتقل من التعريف إلى عرض أبرز محاسن المجتمعات الافتراضية، التي لخصها في ست نقاط، أهمها التعاطف الإنساني والقناع الرقمي والهوية الرقمية والصداقة والإبداع والقارئ الرقمي. ليشير إلى أن التعاطف يحدث فجأة وبطريقة غير مسبوقة، بعد مشاهدة صورة أو فيديو، الذي ينزوي معه الوعي ويتجلى اللاشعور محرضا على الكتابة الانفعالية غير المسؤولة، وضرب مثالا بالطفل الكردي-السوري "ايلان" ذو السنتين الملقى على وجه في رمال الشاطئ. ويتجلى التعاطف الإنساني في الاهتمام بطرق التعبير وتجاهل الصورة(صورة الطفل)، حيث يتم الاهتمام بصورة الشعر وتجاهل صاحبه، ونفس الشيء بالنسبة ل" للكلمة والصورة"، استرعت التعابير الساخطة على موت "ايلان" الانتباه، بينما لم تلقى الصورة نفس الحظوة. ومن التجليات كذلك "ربط الصورة بصورة"، حيث نسج أحدهم علاقة بين صورة "ايلان" وصورة ابنه، الذي التقط له صورة وهو ملقى على وجه نائما على السرير في نفس وضعية موت الأول،  أما التعاطف عبر"الصورة والكاريكاتورية" فتتجلى في إقامة بعضهم  العلاقة بين الصورة  وصور رمزية في الذاكرة العربية، مثل نكبة فلسطين.
وعند حديثه عن القناع الرقمي قدم له تعريفا جماليا "هو الهوية التي يطلع عليها الأفراد، لان الحقيقة ليست ذات أهمية كبيرة، ما دامت هناك رقمنة للإنسان"[7]، ويضيف على أنه يتمثل في الصورة التي يضعها أحد أفراد المجتمع الافتراضي لتكون محل صورته الشخصية، ويتميز بخصائص دينامية، منها الإزالة والتغيير، وقد تبقى ثابتة في حالة استقرار المشاعر أو الأحداث، ويتيح لمن هو مسن أو من ليس له نصيب من الجمال تعديل شكله. ويعدد أنماط الأقنعة؛ ومنها الأقنعة  النموذجية، وأخرى خاصة بالراحلين عن الدنيا، وأقنعة الحيوانات والطيور، ومنها الثقافية أو أقنعة المشاركة الوجدانية والسمعة الرقمية وأقنعة الزمن الغابر(الحنين إلى الشباب). ويشير إلى أن التكنولوجيا مكنت الإنسان من تطويع الأقنعة التي كانت حكرا على الممثلين والمبدعين، صنعها وصدقها، وهو ما يطرح أسئلة عميقة على الرقمية.
ومن ايجابيات الافتراضي أنه يمكن من اختيار الهوية الرقمية، باعتبارها تسمية يطلقها الفرد على نفسه لتحل محل الاسم الخاص بالعالم الواقعي، وقد تكون اسمه الحقيقي، لكنها تبقى هويته لأنه يصعب التحقق منها. فالمجتمعات الافتراضية تتيح مسألة اختيار الإسم بعد أن فرض عائليا. لكن لا يسلم الأمر من النقد لأن هذا ضد قوانين هذه المواقع، حيث تطالب بالتبليغ عن الاختراقات والحسابات المزيفة وتطالب أصحاب الصفحات بأسمائهم الحقيقية، لكن لا يتم التدخل إلا في حالة تعرض المكاسب المالية للخطر. ويحدد أنماطا من هذه الهوية، ومنها الرومانسية والثقافية والدينية والاجتماعية  والطفولية. ويرى أنها تبدأ بالإسم ولا تنتهي عنده.
ولقد قدمت المواقع والمجتمعات الافتراضية الجديد على مستوى الإبداع الرقمي،  حيث أعادت طرح الإشكاليات النقدية الأدبية الكبرى، ومنها الاستلاب وفقدان الهوية والتجديد، ومكنت من تحويل النقد من مهمة علمية للمتخصصين إلى ممارسة عامة، يتمكن الكل من التعليق على الإبداعات، التي يتم نشرها على مواقع التواصل الاجتماعي. ومن جهة أخرى يؤكد على أن الإبداع الرقمي يعاني من مشكلة المساحة على الصفحات(خمسة أسطر وتنتقل إلى الصفحة الموالية)، مما يشكل صعوبة في المتابعة خاصة من الهواتف الذكية، ويكون الإعجاب المفرط أو اللامبالاة هو السيد وليس القراءة. وساهم الانتقال من الحاسوب إلى الهاتف النقال في إعادة تشكيل القصيدة أو القصة القصيرة لتتماشى مع مساحة الكتابة وطبيعة القارئ والكتابة، ويقول" لقد تنازلت القصيدة الطويلة عن عرضها للقصيدة القصيرة"[8]. ومن جهة أخرى وقف عند  الايجابيات من حيث " الدرجة صفر للكتابة" وهو تعبير استعمله للتأكيد على أن الكاتب لم يعد في برج عاجي، بعيد عن آراء القارئ، بل أصبحت إبداعاته متابعة بشكل مباشر ويكون النقد فوريا، ومن أهم الاستنتاجات فيما يتعلق بالايجابيات[9]:
o      مازال الإبداع النقد الأدبي لم يقتحم ساحة النصوص الإبداعية المنشورة في مواقع التواصل الاجتماعي؛
o      فرض الانتقال من وسيط ورقي إلى رقمي(الهواتف الذكية والحواسيب)، شذرية النصوص؛
o      واكبت ذائقة أو خلل نقدي نشر هذه النصوص، تتمثل في الإعجابات أو كتابة التعليقات محل الخطاب النقدي المسؤول؛
o      اتجه المبدعون إلى غنائية الشعر بالفصحى والعامية محافظين على شذرية ما يكتبون ومقتحمي مناطق بجرأة كانت عصية على الاقتحام.
3-طغيان السلبي على الايجابي:
يؤكد أنه لا يمكن فهم هذه المجتمعات من دون الوقوف عند تأثيراتها، ويقر أن هناك اتفاقا بين الجميع، بما فيهم الأوساط العلمية والأكاديمية على أن لوسائل التواصل الاجتماعي والمجتمعات الافتراضية  سلبيات على كافة المجالات، بدءا من الانشغال عن مهمات الأسرة البسيطة إلى تهديد الأمن القومي والدول، ويتجلى هذا التأثير على جانبين، الاول خاص بنوعية السكان، لأن أكثر من نصف الرواد شباب، أما الثاني فيرتبط بالفائدة المرجوة من هذه الكثافة، ويقف عند مظاهر هذا التأثير[10]:
o      الحشد والتأييد والمناصرة؛
o      تحويل الإنسان إلى رقم ضمن أرقام تستغل في الإشهار؛
o      التركيز على إتقان مهارة الحاسوب وتجاهل إتقان الثقافة الرقمية؛
o      تطورت وسائل التواصل الاجتماعي إلى حد يصعب معه التأكيد على أن ما حدث انعكاس لها أم تطور طبيعي في أنماط الحياة نفسها.
واهتم ملحم بالدوافع أو ما سماه بسيناريوهات المجتمعات الافتراضية أو الوجه الخفي لها، حيث يعيد طرح سؤال عريض عن مجانية خدماتها، ليؤكد على أن الإحصائيات ومداخيل هذه المواقع في تنامي متسارع باستمرار، وفق قاعدة "تزايد عدد السكان، تزايد الربح". ويضرب مثالا لأرباح الفايسبوك، التي ارتفعت من 1,5 مليار دولار في الربع الأخير من 2013 إلى 2,5 مليار دولار في الربع الأخير من 2014 إلى  48,5 مليار دولار في نفس الفترة من سنة [11]2015. لكن هذا لا يحدث من دون انعكاسات سلبية، ومنها:
o      انقطاع الخدمة: فقد يحدث انقطاع، وتكون المعاناة مشتركة بين الفرد والموقع، ويؤكد أن خسارة الفايسبوك مثلا عن انقطاع كل ثانية تقدر ب 407 دولار في حالة التوقف؛
o      الوقوع في المصيدة: تدرس هذه المواقع شخصية المنخرط وتستهدفه بالإشهار المناسب لتكون نسبة النقر مرتفعة؛
o      افتقاد الشفافية الرقمية: فقدان الشفافية الاجتماعية بين الآباء والأبناء والزوجات. وأصبح من الصعب تتبع منشورات وكتابات الأفراد. ويأتي ذلك في سياق تأكيد هذه المواقع على تشجيع الاستقلالية، ورفع شعار خدمة الفرد وإشباع أهوائه ورغباته.
هذا ووقف ملحم عند المساوئ التي تنتج عن الانضمام للمجتمعات الافتراضية، ومنها ستة، اللاوعي الرقمي، تضخيم الحقائق، التحرش الرقمي والعزلة والعنف الرقمي والتسول الرقمي. حاول تفسير اللاوعي الرقميDigital Unconscious ، من خلال الرجوع إلى مفهوم اللاوعي unconscious الفردي عند فرويد وإلى اللاوعي الجمعي Collective Conscious عند كارل يونغ. واعتبر اللاوعي الرقمي تجليا للتخلص من الثقافة التقليدية، ومن تم كبتها من طرف الفرد الرقمي حتى لا يظهر كمتخلف أو رجعي أمام اقرانه[12]. وجعل ذاكرة النظرة للمرأة أحد مظاهره، بسبب التمييز والذكورية في المجتمعات الزراعية التقليدية، لكن بدأت تتغير هذه العقليات، بعد أن عانت المرأة من النظر إليها "كحيوان جميل، وشيطان لطيف". هذا وعانت في أوروبا قبل القرن 19 من الحرمان من الحقوق، وكانت الكتابة والتعليم هو ما يمكنها من مقارعة الثقافة الذكورية. لكن من أخطر تجليات اللاوعي الجمعي هو تحريك العقلية البطريركية بعد النجاح الملحوظ الذي حققته المرأة من خلال التعبير عن نفسها شعرا ونثرا، والقابعة عبر اللاوعي، فتظهر صورة انفعالية غير خاضعة للوعي أو لمنطق العصر عن طريق الكتابة ضد المرأة أو توظيف الصور الفوتوغرافية والكاريكاتورية الساخرة منها. وتتحرك استجابات الرقميين في ثلاثة اتجاهات[13]:
·       السخرية، التي تكون غالبا من فئة الذكور؛
·       تسجيل الإعجاب مع البعد عن التعليق سلبا أو إيجابا، عادة من طرف النساء والمتبصرين من الرجال الذين يختارون الحياد؛
·       غياب تسجيل الإعجاب والبعد عن التعليق.
وحاول توضيح فكرته عن طريق تصنيف شكلين من الكتابة مع ذكر الصور الكاريكاتورية:
·       الكتابة بصيغة الكتابة: يوظف الكاتب تقنيات القص مدعومة بإقامة أدلة نقلية على ما يريد قوله، مثل حكاية"كيد النسا"؛
·       الكتابة بصيغة الصورة: واعتمد خمسة نماذج للتوضيح، وكلها تظهر ضعفا لغويا لدى الرجال ، فليسوا على قدر من الثقافة والاحترام للمرأة، ويرسمون صورة سلبية لها، ويؤكد على غياب صوت المرأة الفعال، بل تعذر حتى على الأديبات التعبير والانتفاضة، وهو ما يقلل من شأن القائلين بغذر اللغة بالمرأة، أو عدم فسحه المجال لها من أجل التعبير.
·       الرسوم الكاريكاتورية: يتم نقل صور مسيئة للمرأة من الانترنيت بشراهة بسبب الانفعالات المكبوتة والمناهضة للمرأة، وهو ما يسميه بالعدوى الرقمية Digital Contagion ويدخل الكثيرون فيما يسميه الإيحاء الرقمي Digital Suggestibility، لأنهم لا يستطيعون تقبل التغيرات المعاصرة والمكانة التي حضيت بها المرأة. وتتخذ اللوحات الكاريكاتورية ضدها الكثير من الأشكال. ويرى أنه مستقبل اللاوعي الرقمي لن يتغير، ويقول"سيحافظ الرجل على نمطية صورة المرأة بل على معاملتها بنفس الطريقة، لأن الانترنت والرقمي تشجع المكبوتات على الظهور والخروج أكثر من الوسائط الورقية ويتحجب العقل عن التفكير والتعقل"[14].
أما النوع الثاني، وهو تضخيم الحقائق، فيتم من خلال ثلاثة وسائط أساسية، الصورة؛ والتي يتم فيها اعتماد العديد من التقنيات(يصنف منها خمسة) والفيديو،  الذي تطور مع توظيف الهواتف الذكية، واعتماد تقنية التكبير Zoom، بينما للتعليق ثلاثة أشكال. ويرى أن التضخيم تزايد مع الرقمية، ويقول: "لقد وجدت التكنولوجيا الفرد الافتراضي الذي لا يتأثر بالمشاعر السلبية من جراء الوقوع في الخطأ، ولا يتردد في بث المعلومات والصور والفيديو قبل تحري مصداقيتها"[15]. ويرى أنه لا يمكن تجاهل سلبيات التحرش الرقمي، ويميز بين ذلك النوع "تحريك الرغبة داخل شخص ما نحو عمل معين بقصد الإساءة إليه، عن طريق الانترنيت سواء عبر برمجة(0/1) أو (0/1.5) أو المستخدم (0/2) مثل مواقع التواصل الاجتماعي". أما التحرش الالكتروني فأكثر شمولية واتساعا من الرقمي، يتم عبر الأجهزة التي لا تتيح حوارا حيا، كما هو الحال في البريد الالكتروني والرسائل النصية عير الفاكس. ويحدث التحرش عبر ثلاثة وسائط؛ الدردشة، الفيديو والتعليق. ومن خطورة التحرش أن المتحرش والمتحرش به يبقيان بعيدا عن الأسرة، وتتخذ المشاركات طابع الخصوصية، وتحديدا في حالة استعمال أسماء مستعارة. ورغم سن القوانين العقابية التي تحد من التحرش إلا أنه من الصعب ردعه.
ويرى أن العزلة الرقمية Isolation  Digital  من بين السلبيات الخطيرة للمجتمعات الافتراضية، حيث توكد العديد من الدراسات تأثيرها على السلوك، وتسبب العزلة الرقمية أو التكنولوجية Technology Isolation أو العزلة الإلكترونية Electronic Isolation  إدمان الانترنيت Internet Addiction، باعتباره "رغبة ملحة ومتزايدة في قضاء اكبر وقت ممكن أمام الانترنيت بوصفه نوعا من البحث الحي للمثير بهدف تحقيق الإشباع"[16]، ويتحدث عن نوعين من العزلة، اللحظية والعابرة، والملاحظ أنه يخلط بين المفهومين، ويضع تعريفات ومفاهيم أخرى للخروج من العزلة، ومنها المتفرج الرقمي(من دون تعليق) الإجازة الرقمية(استراحة).
أما فيما يخص العنف الرقميDigital Violence ، فيسجل الاختلاف بين العنف بشكل عام والعنف الرقمي، الذي يتخذ شكلين أساسين؛ بث الأفكار والمعلومات المشوهة من جهة، وعنف في التعليق والحوار من جهة ثانية. ويسجل على أن العنف يعتمد على المواضيع الخلافية الدينية والسياسية والشبقية. ويرى أن سببه على مستوى شبكات التواصل الاجتماعي هي التربية الأحادية ذات القطب الواحد(سلطة الأب)، مما ينعكس على الرأي والرأي الآخر. ويؤكد إمكانية التحكم في تعاملاتنا داخل العالم الواقعي، لكن يصعب ذلك في العالم الافتراضي، ولذلك يدعو إلى اعتماد العقل وتجنب الاستجابات الانفعالية.
ويرى أن التسول انتقل من الواقعي الافتراضي إلى الانترنيت بسبب سهولة التواصل والنشر، ويصنف أنواعا منه، التسول عبر الانترنيتInternet Begging  والتسول الالكتروني وعبر الرسائل النصية  SMS، ويؤكد على أن التسول الرقمي Digital Begging  ليس مرادفا لهذه الأنواع، بل يقصد بها طلب أحد أفراد المجتمعات الرقمية وضع إشارة إعجاب أو تعليق على ما ينشره، نتيجة الإحساس بفقر حسابه المدقع، ويرى أن أسباب هذه الظاهرة هو الشعور بالنقص أو الإحراج وعدم الوصول إلى ما وصل إليه أصدقاؤه من حيث عدد المعجبين بما ينشرون. ويتخذ طرائق متعددة يحددها في ستة، ويتحدث عن التسول الرقمي القصري، الذي يربط فيه الشخص بين خدمة معينة والحصول على الإعجاب أو التعليق. ويؤكد على أن الانترنيت فتح مجالا لتعليقات حتى الحمقى والمتسولين بعد أن كان لا ينشر ولا يكتب إلا العلماء. وسجل من جهة أخرى انعكاسات المجتمعات الافتراضية على مستويات عدة:
o      على المستوى الإعلامي: تحولت الصحف إلى مواقع وانعزل أفراد الأسرة عند متابعتها عبر الهاتف الذكي، وعدم فرض ما يشهاده أحدهم على الآخرين، وظهور مساحات للتعبير عن الرأي على مواقع الصحف والقنوات؛
o      على مستوى التعليم: تحولت الحواسيب واللوحات الذكية إلى أدوات لعرض الدروس، ويبقي بذلك الطفل متصلا بشبكة الانترنيت بشكل دائم؛
o      في مجال الأدب: تغير شكل اللغة، وأصبحت تميل إلى التكثيف في المعنى والاستغناء على الاستغراق في الوصف والتعبير عن المشاعر، وبات الشكل يميل إلى القصر، بسبب ضيق مساحة الكتابة على وسائل التواصل الاجتماعي؛
o      في مجال الاقتصاد: تراجعت وتأثرت صناعة الكاميرات اليدوية بسبب تزايد توظيف الهواتف الذكية كآلات للتصوير؛
o      إنسانيا: تغير صوت الإنسان الحي إلى وسائط متعددة تنوب عنه؛
4-مستقبل المجتمعات الافتراضية:
وقد ذهب ملحم فيما يتعلق بمستقبل المجتمعات الافتراضية إلى ضرورة نقدها موضوعيا من أجل إدخال الإصلاحات المناسبة، ولن يتم ذلك إلا من خلال حوكمتها، هذا إذا أراد القائمون عليها الحد من انهيارها. ويؤكد ضرورة مراجعة ونقد هذه الفضاءات، لكن بطريقة موضوعية، فكل من يسعى إلى إصلاحها لابد من أن يعتمد مقاربة معتدلة لا تشدد فيها، فالمنخرطين لا يهتمون بالتغيير، بل يتجاهلون دعاة النقد، ومن اختار طريقه سيعيش انتحارا رقميا، أو ما يسميه حرمان الذات من المزايا التي يتيحها الانتماء إلى هذه المجتمعات[17]، لأن المنخرطين يعرفون جيدا أن بعض ما ينشر ليس لأصحابه أو ضعيف من حيث اللغة والفكر، ومقتنعون أن جزءا منه يتم شراؤه. بينما اهتم آخرون بفضح "الفبركة" وخاصة الصورية، ويؤكدون على ضرورة الانتباه، لأن النصوص والصور ليست بريئة. ويؤكد ملحم على ضرورة توخي الحكمة من طرف المتبصرين، بحيث لا يدخلوا أنفسهم في دوامة النقد، لأن ذلك سيؤدي إلى مقاطعتهم، ويقول بضرورة أن يتحرك المتبصرون في المساحيتين المحسوبتين بدقة، دون نقد شديد لأن ذلك سيدخلهم دائرة التهميش، ولن يقدموا مثالا على الأصلح.
وفيما يتعلق بإصلاح المجتمعات الافتراضية، فيؤكد على أن الجهود الإصلاحية فردية، ولا يمكن تسميتها بالحركات لأنها غير منظمة، وتهتم بثلاثة مجالات؛ التعبيرات الدينية الشائعة والبطريركية، من خلال نقد الثقافة الذكورية واللغة العربية الفصيحة وحروف الكتابة. ومن جهة أخرى يدعوا إلى حوكمة هذه المجتمعات، ويقصد بها إدارة مواقع التواصل الاجتماعي وتسيير شؤونها على كافة المستويات، سواء الامتيازات أو الخلافات والحقوق والالتزامات، ويرى أن لكل موقع حكامته الخاصة، التي يجب تعزيزها في سبيل الحد من الاختراق المحتمل (الهاكرز)، ويقول:"فالحوكمة تقتضي أن تستمر مواقع التواصل الاجتماعي في توفير سبل الأمن والخصوصية والرفاهية لأفرادها"[18].
أما فيما يتعلق بانهيار المجتمعات الافتراضية، فيرى أن ذلك سيحدث بسبب العودة إلى الفردية، حيث تؤكد العصبيات الرقمية أن الإنسان لا يعيش في جماعات، فهو يعاني العزلة الرقمية، وتتجلى هذه الأخيرة في كونه منخرطا عبر الأجهزة الذكية مع الأرقام.


[1] - ملحم، ابراهيم أحمد، المجتمعات الافتراضية، التكنولوجيا ورقمنة الإنسان، عالم الكتب الحديثة للنشر والتوزيع، 2017، ص4.
-المرجع نفسه، ص10-11.[2]
[3] - المرجع نفسه، ص 11.
[4] - نفسه، ص 17.
[5] -نفسه، ص17-22.
[6] - المرجع نفسه، ص 164.
[7] - المرجع نفسه، ص 54.
[8] - المرجع نفسه، ص 77.
[9] -نفسه، ص97-98.
[10] - المرجع نفسه، ص 33.
[11] - نفسه، ص26.
[12] - المرجع نفسه، ص 113.
[13] -نفسه، ص 117.
[14] - نفسه، ص 121.
[15] - المرجع نفسه، ص 134.
[16] - نفسه، ص146.
[17] - المرجع نفسه، ص 176.
[18] - المرجع نفسه، ص 201.

عن الكاتب

hassan karrouk باحث في علم الاجتماع مصمم واجهات المواقه ب الفوتوشوب  ومدير موقع بوابة علم الاجتماع

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

بوابة علم الاجتماع | مدونة متخصصة في علم الاجتماع