بوابة علم الاجتماع | مدونة متخصصة في علم الاجتماع بوابة علم الاجتماع | مدونة متخصصة في علم الاجتماع
random

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...

التحفيز وسيكولوجية الحوادث في الصناعة د.وديع جعواني


التحفيز وسيكولوجية الحوادث في الصناعة
د.وديع جعواني

تقديم :
إن الحوادث تنم عن التحول في طرق الإنتاج من اليدوي إلى الآلي، فالملاحظ أن معدل الحوادث ارتفع مع تزايد الاعتماد على التقنية، كما ارتفع مع تزايد حجم الإنتاج وظهور العمل التسلسلي، والتكراري، وليس غريبا أن نجد العديد من الدراسات النفسية التي أعطت للحوادث حيزا كبيرا في دراستها للإنتاج الصناعي، فبعضها ركز على التعب، واهتم البعض الآخر بالتوافق العضلي بين العامل وطرق الإنتاج، في حين درست أخرى الذكاء أو ظروف العمل المادية والعوامل الذاتية الخاصة  بالعامل.
إن الحوادث ليست تعبيرا عن ظروف العمل المزرية بل تعبير عن الرفض واللامبالاة، كما قد تكون نتيجة لمجموعة من الأمراض العضوية، كالربو وقلة البصر والخوف من الأماكن المظلمة والضيقة، وغيرها من الأسباب التي كان مجال العمل يعج بها، فالعمل في إطار المصانع لم يكن يحضى بالأهمية ولا بالأولوية المطلوبة.
وشكلت الحادثة عموما وفي مجال الصناعة خاصة موضوعا لعلماء النفس، الذين رؤوا فيها ظاهرة إنسانية، تكشف عن المعاناة والألم، الذي يعانيه العامل في وضعيات إنتاجية، ولعل علماء القانون أيضا قد اهتموا بهذه الظاهرة غير المتوقعة وغير المرغوبة، سواء من طرف صاحب العمل أو العامل، لكن المفهوم احتاج عقودا حتى يتبلور ويختمر، سواء داخل الأدبيات العلمية أو في المنظمات الدولية، ولعل الاهتمام بهذه الظاهرة ليس قديما بل وليد الإنتاج الصناعي الآلي، فالورشة عرفت أنواعا من الحوادث، لكنها لم تكن بالخطورة التي تكون عليها في إطار الإنتاج الحديث، مما جعل منها موضوعا سيكولوجيا تعددت حوله النظريات والتفسيرات.
ولقد تنوعت النظريات المفسرة لظاهرة حادثة الشغل، من النظرية القدرية القائمة على الحظ، إلى النظريات الطبية، المعتمدة في تفسيراتها على المرض العضوي أو العصبي، إلى نظريات التحليل النفسي، التي ركزت على الحالة النفسية واللاشعور، ثم نظريات علم النفس التجريبي، التي تؤكد على  تعدد الأسباب بناء على تنوع التجارب الإنسانية، وإذا كانت بعض النظريات تركز على تأثير العوامل الشخصية(الذكاء والمهارة، حدة البصر، التوافق الحركي، السن والخبرة، الانفعالات، قوة البصر، التعب وسمات الشخصية، فإن أخرى تركز على الظروف البيئة، ومنها شكل الإضاءة، هل هي طبيعية أم صناعية، ودرجة الحرارة، وصعوبة العمل، وطرق تشجيع العامل على السلوك السليم وظروف العمل البيئية مثل التهوية، كما ظهرت نظريات أخرى لتفسير أسباب الحوادث، ومنها دراسات المخاطر، والتي وظفت شجرة المسبباتarbre des causes [1]، كما اهتمت المدرسة السلوكية بالخريطة المعرفية la carte cognifive ورد الفعل والمهارة والتكيف داخل المصنع.
·        فما هي الحادثة، وما هي حادثة الشغل؟
·        وما هي أهم النظريات التي تناولت حادثة الشغل؟
·        وكيف تنعكس على أداء العمل؟
1-تعريف الحادثة وحادثة الشغل :
الحادثة ظاهرة لازمت العمل والإنتاج منذ القدم، لكن اختلفت طريقة تعريفها أو معالجتها، فإذا كانت خاضعة للصدفة أو للقضاء والقدر في الحضارات ما قبل الثورة الصناعي، فإنها بعد ذلك ستصبح نتيجة وانعكاسا لظروف العمل والإنتاج، وأصبح الحديث عن حادثة الشغل، بما تمثله من خطر يجب توقعه واستباقه، ووضع كل الضوابط والشروط لحماية العامل، ويمكن الوقوف عند بعض التعريفات التي حاولت فهم طبيعة الحادثة، حيث يعرفها فرج طه في كتابه "علم النفس الصناعي والتنظيمي"على أنها  "حدث يقع للفرد أو يتورط فيه، دون سابق معرفة أو توقع، وينتج عنه أضرار تصيب الفرد أو الآخرين أو المعدات أو الممتلكات"[2]، والتعريف يركز على مسألة الفجائية  soudainetéكشرط أساسي، وعلى مفهوم الضررle détriment ، ويرى محمد عويضة في كتابه "علم النفس الصناعي" إن الحادثة بمعناها الواسع، كل ما يحدث دون أن يكون متوقع الحدوث، مما يترتب عليه ضرر للناس أو الأشياء"[3]، وهو نفس التعريف الذي يقدمه عويد المشعان، والذي يرى أن الحادثة بمعناها الواسع "كل ما يحدث دون أن يكون متوقع الحدوث، مما ينجم عنه في العادة ضرر للناس أو الأشياء، فلو ترتبت عليها إصابة أحد الناس سميت إصابة"[4]، وهذا التعريف ركز كذلك على عامل الفجائية والضرر، لكنه يضيف الإصابة، والتي يمكن التمييز بينها وبين الحادثة، فهذه الأخيرة قد تتخذ أشكالا متعددة ومظاهر مختلفة، أما الإصابة فعادة ما تكون موحدة، وهو ما يؤكده طه فرج، حيث يرى أنه إذا نتج عن الحادثة جرح أو عاهة أو وفاة تسمى إصابة، والحادثة أشمل وأعم من الإصابة، إذ لا تشمل الإصابة إلا نوعا واحدا فقط من أنواع الحوادث، ويتساءل المشعان ما الذي يمكن أن نسميه حادثة؟، ويقدم ثلاث تعريفات:
· سقوط من دون خدش؛
· سقوط من سلم مع رضوض؛
· سقوط مع كسر وغيره.[5]
ليؤكد المشعان على أن العرف في مجال الصناعة يقتصر على الإصابات، التي تقعد العامل عن العمل ليوم أو أكثر، لكن يمكن الوقوف عند تعريف آخر أكثر تداولا لحادثة الشغل، وهو الذي يقدمه مونتو  Monteau  ودونيس فام Denise Pham، والذي يرى  أنها " كل حادثة تقع في مكان العمل لشخص أو أكثر، عاملا أو رئيسا وكيفما كانت الأسباب"[6]، ويتضح من خلال هذا التحديد أن مفهوم حادثة الشغل، مرتبط بنطاق العمل، ولا يمكن اعتبار حادثة شغل كل خطر أو سوء، وقع للعامل خارج مكان الشغل، لكن القوانين والتشريعات المعاصرة، حاولت إحداث نوع من التغيير على هذه القاعدة، حيث أصبحت الحادثة غير مرتبطة بمكان العمل، بل هناك معايير وشروط محددة قانونيا لتحديد حادثة الشغل، وإن لم تقع في فضاء العمل، بل تذهب بعض التشريعات إلى أن كل حادثة قد تقع في طريق الذهاب أو الرجوع من العمل من وإلى البيت قد يمكن اعتبارها حادثة شغل، لكن مع الأخذ بعين الاعتبار المدة الفاصلة بين السكن ومقر العمل.
2-العوامل المسببة للحوادث في العمل.
طبيعي أن تتعدد أشكال الحوادث والإصابات في العمل الصناعي، فالإنتاج متعدد الأشكال،  فيه ما يحتمل الخطورة، وقد يتخذ شكل أعمال روتينية بسيطة وسهلة، لذلك اختلف المنظرون والباحثون المهتمون بقضايا حوادث الشغل حول الأسباب الحقيقية وراءها، لكن هناك شبه إجماع على أنها يمكن أن تتوزع إلى فئتين، مرتبطة بالإنسان أو العوامل الذاتية، مثل الذكاء والخبرة وسمات الشخصية، وأخرى خاصة بظروف العمل البيئية، مثل التهوية والإضاءة وساعات العمل وغيرها. فما هي أهم العوامل المسببة للحوادث في الصناعة؟ وما هي العوامل التي تؤدي أكثر إلى الحوادث، هل الذاتية أم البيئية؟
2-1 العوامل الذاتية:
أ-الذكاء وصلته بالحوادث: 
يلعب الذكاء أهمية كبرى في الحماية من الحوادث، خاصة في الأعمال الصناعية، ويؤكد المشعان في كتابه "علم النفس الصناعي" على أن القول العام يميل إلى الافتراض أن الغبي يتعرض للحوادث أكثر من الذكي، إلا أن الدراسات العلمية لا تجد مبررا لذلك، حيث قام فارمر Farmer Edward  وشامبرزChambers بدراسة هذه المشكلة، ولم يجدا أي ارتباط بين تقديرات الذكاء، وبين تعدد الحوادث عند عمال ترسانة حربية[7]، وهو نفس ما أكدته العديد من الدراسات، حيث ترى أنه لا وجود لارتباط بين درجات الذكاء وبين تكرار الحوادث عند العمال، لكن من المتوقع حدوث إصابات مرتبطة بالذكاء، خاصة التي تكون نتيجة أخطاء في الحكم، وليست أخطاء مرتبطة بالمهارات اليدوية، ولقد أكدت بعض الدراسات أن نسبة الحوادث ترتفع عند العمال الذين يقل ذكاؤهم عن المتوسط[8]، ويرىالشيخ كامل عويضة في كتابه "علم النفس الصناعي" أن الذكاء قد يكون هاما في بعض الوظائف، وغير هام في أخرى، ويفترض وجود حد أدنى من الذكاء عند العامل لتجنب الحوادث في العمل[9].
ب-قوة البصر:
تساهم حدة البصر في التعرض للحوادث، وهناك دراسات أكدت على ذلك[10]، ففي دراسة كيفارت ويتفن عن الإبصار في 12 وظيفة، كشفت الدراسة أنه في 11 وظيفة، كانت نسبة الذين لم يرتكبوا حوادث أعلى عند العمال الذين يمتلكون قوة إبصار مناسبة، بخلاف أولائك الذين لم يجتازوا اختبار الإبصار، أما الوظيفة 12 لم يوجد بها أي فرق في الحوادث، وارتكب 37% من عمال تشغيل الآلات، الذين اجتازوا اختبار الإبصار بنجاح حوادث، بينما عند من لم يجتز الاختبار بلغت 67% في دراسة أخرى[11].
ت-سمات الشخصية :
تؤكد العديد من الدراسات والأبحاث وجود علاقة بين الحالة الانفعالية ووقوع الحوادث، ووجد كذلك أن الإنتاج يرتفع ب %8 في الفترات التي يكون فيها الشعور بالأمل والسعادة والبهجة، عنه في حالة الغضب والخوف والقلق، كما تؤثر العلاقات الشخصية على الحوادث، حيث ترتفع عند العمال الذين لا يحبهم زملاؤهم، أما المحبوبون فكانت سجلاتهم تخلو من الحوادث[12].
ودرس كيرWa Ker في أبحاثه لسنة 1950، ومنها "Accident proneness of factory departments" سمات الشخصية وتأثيرها على الحوادث، حيث يرى أنه إذا كان صحيحا ما يفترضه الأطباء النفسيون وعلماء النفس عن وجود صفات معينة في الشخصية، تعطي لصاحبها درجة معينة من الاستعداد للتورط في الحوادث، وإذا كانت هذه القابلية للحوادث موجودة بالفعل كسمة شخصية تميز فردا عن آخر، فإنها يمكن أن تكون ظاهرة نفسية جماعية، تميز قسما من شركة عن غيره، وتميز مؤسسة عن غيرها، لذلك يرى كيرker  ضرورة دراسة الجو النفسي الكلي الذي يعمل فيه العامل، والذي يختلف من قسم لآخر ومن مؤسسة لأخرى، ليتبين مدى تأثيره على الحوادث.
واختار كير 53 قسما من إحدى الشركات التي يعمل بها 12060 عاملا(أقسام مختلفة)، وجمع بياناتها لسنة 1943، أكثر من أربعين متغيرا في كل قسم، وتراوح معدل الحوادث ما بين 0 إلى 22 لكل 100 عامل في السنة، أما الخطورة  فتأرجحت  بين 0% و %75[13]، ومن المتغيرات الكثيرة التي درسها تبين أن قليلا منها هو الذي يرتبط ارتباطا دالا بالحوادث، واتضح أن الحوادث تميل لتحدث بأعداد أكثر في الأقسام ذات الفرص القليلة للتنقل الداخلي، وبأعداد قليلة بين صفوف العاملات اللواتي تتقاضين مرتبات هزيلة.
ولتفسير ملاحظاته، أكد كير ker على أن الأقسام ذات الاحتمال القليل للترقي يرجع ذلك إلى أن إمكانية التعرف الضعيفة، لا تجعل العامل أكثر يقظة واهتماما ونجاحا في عمله، ليسمح له بالترقي (فالاحتمال القليل للترقي قد يكون له قابلية عالية للحوادث)، أما فيما يتعلق بالأخذ بنظام الاقتراحات، فإن ذلك قد يتسبب في تخفيض الحوادث وخطورتها، حيث عادة ما تكون اقتراحات العامل لتخفيف المخاطر فعالة، كما أن هذا التضامن يزيد من تعاون العمال مع المختصين بأمور الأمن في القسم، أما أقسام الضوضاء فذلك راجع إلى أنها تشتت الانتباه، ومن تم يزداد احتمال وقوع الحوادث لينقص الانتباه للأخطار، التي تحيط بالفرد، كما أن الضوضاء قد تكون عاملا عارضا مصاحبا للحوادث، وكلاهما يرجع إلى العمل الخطير، الذي عادة ما يكون مصحوبا بها، وهكذا فهي عامل مسبب للحوادث أو عارض أو هما معا، أما ارتباط خطورة الحوادث بالذكور، فمن المحتمل أن يرجع  ذلك إلى كون الإناث قليلا ما توضع في أعمال خطيرة[14].
ث-التعب :
رغم أن التعب يؤدي إلى ارتكاب الحوادث، إلا  أنه لا يمكن تحديد النقطة، التي يمكن القول عندها أن العامل سيرتكب حادثا، ولكنه من المؤكد أن التعب الشديد يؤدي إلى زيادة نسبة ارتكاب الحوادث، وعلى سبيل المثال وفي بعض مصانع القنابل والمقذوفات في الحرب العالمية الثانية في انجلترا، انخفض معدل الحوادث بنسبة 60% بين العاملات، عندما انخفضت ساعات العمل من 12 ساعة يوميا إلى 10 ساعات[15]، ويجب التمييز بين الحوادث التي تنتج عن التعب، وتلك الناتجة عن السرعة الزائدة في أداء العمل.
ولقد درس  فيرنون vernon في بحث منشور سنة 1940 تأثير عامل التعب على الحوادث، وتبين له أن للتعب تأثير كبير على  معدل الحوادث(تقليص ساعات العمل من 12 إلى 10)، ولاحظ من خلال هذه الدراسة أن معدل زيادة الحوادث يفوق بكثير نسبة زيادة ساعات العمل اليومية[16].
ح-الخبرة والسن:
للخبرة دور هام في الوقاية من الحوادث، ففي دراسة أجراها فارمرز وتشامبرز في انجلترا حول سيكولوجية الفروق الفردية ومعدل الحوادث، وجدا أن هناك علاقة وثيقة بين الخبرة المهنية وارتكاب الحوادث، وأوضحا أن معدل الحوادث ينخفض كلما ازدادت مدة الخدمة[17]، ويلاحظ في دراسة أخرى أن 50% من الأفراد قد أصيبوا بحوادث في الستة الأشهر الأولى من عملهم، وكانت 33% في الستة أشهر الموالية، وأقل من 30% منهم أصيبوا بعد أن قضوا عامين، والرسم البياني الآتي يبين ذلك[18]:
الرسم رقم 1: معدل الحوادث في إحدى الشركات عند العمال الجدد.

أما في دراسة بأحد المؤسسات الصناعية للمعادن، كان وقوع الحوادث لمجموعتين من العمال بين %5 و%6 خلال الشهر الأول، و%4 و5% في الشهر الثاني، وفي نهاية الشهر السادس انخفضت إلى ما بين %6 و%3، وأوضحت هذه الدراسة الحاجة إلى التدريب[19]، ويمكن التأكيد على أن معدل وقوع الحوادث له علاقة بالعمر، والجدول الآتي يبين ذلك[20]:
الجدول رقم 1: معدل الحوادث بإحدى المصانع حسب السن.
الفئات
معدل وقوع الحوادث
 عند الذكور%
معدل وقوع الحوادث
 عند الإناث %
21-17
173
41
28-21
75
36
28-35
65
18
35-45
50
26
45-60
43
37
60+
35
0

ويلاحظ أن الحوادث تتناقص عند الرجال في تناسب مع السن، بينما عند النساء ليس هناك ارتباط واضح، والخلاصة هو أن معظم الأبحاث لم تكشف عن نتائج ثابتة من مؤسسة لأخرى، وبينت أن معدل وقوع الحوادث كان عاليا بين العمال الصغار في السن عن غيرهم.
ج-قبول المخاطر:
يرتبط بإتباع العامل لسلوك معين، علما أن هناك احتمالا لفشل العمل، ولقد أجرى روكويل دراسة عن قبول المخاطر في مكان تواجد الآلات الصناعية، وفي هذه الدراسة صمم جهازا لإثارة روح الخطر مع وجود فرصة تسمح للعامل بقبول هذا الخطر أو الابتعاد عنه، ولقد كشفت النتائج الأولية عن وجود فروق فردية بين الناس في رد الفعل اللازم للخطر، ولقد نقل هذا الجهاز في بيئة صناعية وطبق على 37 عاملا، وتبين أن المجموعة التي قبلت مواقف الخطر ارتكبت كثيرا من الحوادث الصناعية، كما كانوا أقل مهارة، وكانت توجد بينهم فروق مادية واسعة في أداء العمل، مقارنة مع المجموعة التي لم تقبل مواقف الخطر[21].
خ- التوافق الحركي:
تفترض أن البطء في الاستجابة يؤثر على تكرار الحوادث، ومع ذلك فالسرعة في الاستجابة ليست لها علاقة في حد ذاتها بتكرار الحوادث في الصناعة، ولقد قام فارمر وتشامبرز باستخدام مجموعة من الاختبارات، تتكون من اختيار تنقيط وأداة لقياس سرعة الاستجابة للإثارة، واختبار آخر يتطلب أن يغير المفحوص أداءه العضلي بما يتفق مع المثيرات المتغيرة، وعندما قسما مجموعة من 500 من العاملين إلى مجموعتين، على أساس تقديراتهم، واحدة متفوقة في الأداء، وأخرى أقل تفوقا، وجدا أن المجموعة الأخيرة تعرضت إلى %48 من الحوادث أكثر من المتفوقة[22].
ف-العوامل الانفعالية:
سجلت بعض الدراسات أن هناك عاملين يتصلان بالحوادث في المؤسسات الصناعية، النضج الانفعالي والحالة الانفعالية، فمن خلال دراسة أمريكية وجدت أن هناك أربعة عناصر، الاتجاه الخاطئ والتسرع والعصبية، والخوف والقلق والاكتئاب، وهي المسؤولة عن 33% من الحوادث، وأكدت الدراسة أن الحالة الانفعالية مسؤولة بشكل كبير عن الحوادث[23].
ويختلف الأفراد في حالاتهم الانفعالية، عالية(طيبة) ومنخفضة(سيئة)، والعلاقة بين هذه النوبات وتكرار وقوع الحوادث توضحه إحدى الدارسات، التي قام بها هيرس Hersey، والذي وجد أن العامل المتوسط يكون منخفضا في الحالة الانفعالية حوالي 30% من الوقت، وأن أكثر من 200 حادثة بسيطة، التي قام بدراستها وقعت أثناء مثل هذه الفترات، ويؤكد غيره من علماء النفس، من أمثال كاردول دور عدم الثبات الانفعالي وتسببه في وقوع كثير من الحوادث[24].
وعلى الرغم من قصور اختبارات الشخصية في الكشف عن التعرض للحوادث، إلا أن هناك أسبابا تدعو إلى الاعتقاد بوجود صلة بين التعرض للحوادث وسوء التكيف، وقد ذكر هيملرHimler قائمة مكونة من 27 سمة، واعتبرها مؤدية لوقوع الحوادث، ويرتبط أكثر من نصفها بسوء التوافق[25].
2-2- العوامل البيئية والموضوعية:
أ-الإضاءة والحرارة:
من المؤكد أن الحوادث التي تقع في ضوء النهار أقل من التي تقع تحت الضوء الصناعي، ففي إحدى الدراسات لشركات التأمين، ومن خلال إحصائها لجميع الحوادث الصناعية تبين أن الحوادث التي تقع بالنهار أقل ب 25%  من الحوادث التي تقع بالليل، وفي بحث أجراه فيرنون بانجلترا  عن الوقاية من الحوادث وجد أن الإضاءة الصناعية تتسبب في زيادة 25% من مجموع الحوادث كذلك[26].
وبلغ عدد الحوادث البسيطة في المناجم(التي تكون درجة الحرارة مرتفعة فيها) ثلاثة أضعاف مقارنة مع المناجم التي تعرف درجة حرارة منخفضة، ومن الواضح أن درجة الحرارة المثالية تختلف من عمل إلى آخر.
ولقد درس اوبسورن obsorne وفرنون Vernon العلاقة بين درجة الحرارة والحوادث في دراستهما لجماعات من عمال المصانع سنة 1922، فتبين أن معدل الحوادث بلغ أقصى درجات انخفاضه في حالة درجات الحرارة المعتدلة وأنه يزداد كلما ارتفعت درجات  الحرارة[27]، بل هناك من يؤكد أن الزيادة الشديدة في درجات الحرارة لا يصاحبه فقط زيادة في معدل حوادث الشغل بل أيضا زيادة في شدة الحوادث وخطورتها، ويضيفان في دراسة أخرى (فرنون وابسورن) سنة 1931 أنه مع ارتفاع درجات الحرارة يزيد معدل الحوادث عند العمال المسنين عنه عند العمال الشباب[28]، وبالتالي هناك اتفاق بين الدراسات التي اهتمت بدرجة الحرارة على أن ارتفاع درجة الحرارة له أثر على الحوادث .
وتزيد الإضاءة من معدلات الحوادث، وهو أوضحته دراسة فرنون، والتي تؤكد أن معدلات الحوادث زادت ب 25% في ظروف العمل الصناعية، ويشير دي سلفا De Sila إلى أن حوادث السيارات تكثر عند الإضاءة غير المناسبة وأن القيادة بالليل أخطر من النهار، وأكد على أن الدراسات التي تناولت الإضاءة والعمل تتفق في نتائجها بشكل كبير[29].
ب-صعوبة العمل:
أكدت الأدلة التجريبية أن الأعمال المجهدة ليست سببا أساسيا للحوادث، ففي إحدى الدراسات وجد أن نسبة ارتكاب الحوادث في الصباح عند العمال الذين يقومون بجهد عضلي لا تختلف عنها في فترة ما بعد الظهر، وأن نسبة ارتكابهم للحوادث صباحا ومساء لا تختلف عنها عند العمال الذين يشتغلون في أعمال ميكانيكية أو يديرون آلات أو يقومون ببعض الأعمال اليدوية، ولكن لوحظ أن إنتاج العمال أصحاب الأشغال الثقيلة ينخفض في فترة ما بعد الظهر، عنه عند أصحاب الأشغال الخفيفة[30].
ت-كيفية تشجيع العامل على السلوك السليم
بعد اكتشاف تطاير الصدأ أو الشظايا في إحدى الوحدات الصناعية، كان من الضروري على وحدة الأمن الصناعي، أو المسؤولين والمشرفين على الإنتاج إلزام العمال بإتخاذ كافة الاحتياطات اللازمة ومنها استعمال الخوذة أو القناع الواقي أو أي أدوات أخرى تمكن من الإحتماء من الأخطار[31].
ث-ظروف  العمل السيئة:
ولقد كشفت دراسة تيفين وماكورميك على أن ظروف العمل غير المناسبة قد تؤدي بشكل كبير إلى الإصابة بالحوادث، ويلخص الجدول الآتي ملاحظاتهما فيما يتعلق بالفروق بين 10 أقسام لأحد المصانع[32]:
الجدول رقم 2: عدد الحوادث في أقسام 10 أحد مصانع منقول عن دراسة تيفين وماكورميك.
القسم
عدد العمال
عدد الحوادث خلال عامين
الإصابات %
لكل عامل في السنة
1
711
903
0.55
2
573
1144
1.26
3
470
723
0.75
4
1099
1599
0.73
5
336
555
0.67
6
582
1123
0.96
7
624
1238
0.98
8
1192
2266
0.94
9
373
529
0.65
10
1101
1945
0.88

ولقد تبين أن متوسط معدل زيارة الفرد للمستشفى في السنة يختلف من فرد لآخر، بينما ينخفض إلى 0.55% في القسم الأول يرتفع إلى 1.26% في الثاني، وهذا يدل على أن بنية العمل(ظروفه) لها تأثير  واضح على الحوادث[33].
ويرى المشعان عويد على أن الأسباب الخارجية للحوادث كثيرة، ومنها ظروف العمل البيئية، حيث يؤكد على أنها كلما كانت حسنة ساهمت ذلك في الرفع من الإنتاجية ومنعت الإرهاق(التهوية، الإضاءة..)، كما يرى أن أجهزة العمل نفسها قد تكون سببا في الحوادث(التلاشي، التقادم الاهتزازات..)، إضافة إلى غياب تنظيم أماكن العمل ونظافتها، ناهيك عن إهمال الآلات وعدم صيانتها، أو تكديس أماكن العمل بالآلات، وعدم حجب أو تسوير الأجزاء المتحركة من الآلات[34].  
v    خلاصة:
الحادثة أو الإصابة في مكان العمل قد تكون لها نتائج اقتصادية على سير المقاولة، لكن الأكثر خطورة هو تدميرها في كثير من الحالات لحياة أشخاص، بتر أعضاء أو فقدان وظيفة أخرى أو التوقف العرضي عن العمل، فالحادثة تتولد عنها في هذه الحالة أزمة نفسية واجتماعية واقتصادية، حيث تؤدي إلى اضطرابات نفسية خطيرة للعامل، لكن وأيضا صعوبة إيجاد بديل عن العمل من أجل إعالة الأسرة، وتتولد  المشاكل الاجتماعية.
لقد عرفت الدراسات المهتمة بحوادث الشغل تنوعا كبيرا داخل علم النفس الصناعي، ويمكن التمييز بين نوعين من الأسباب، ومنها الذاتية والمرتبطة أساسا بالتعب والذكاء والخبرة والتحفيز وقوة البصر وسمات الشخصية والتوافق الحركي مع العمل، فالذكاء يؤثر على مهارة العامل ومدى تكيفه مع العمل التسلسلي أو مع استخدام الآلات، ونفس الشيء بالنسبة للخبرة، فكما قلت خبرة العامل كلما كان أكثر عرضة للحوادث، وهو ما تؤكده العديد من الدراسات، كما يحتاج العمل قدرة بصرية مناسبة، وكلما كان العامل أكثر ضعفا من حيث القوة البصرية كلما كان أكثر عرضة للحوادث، فالعوامل الشخصية إذن لها تأثير على قابلية الإصابة بحوادث الشغل، في حين ترتبط العوامل الموضوعية للحوادث بالإضاءة  ودرجة الحرارة والتشجيع في العمل ومدى صعوبة العمل، فكلما كان مكان العمل أقل إضاءة وتهوية، أو كلما اشتغل العامل في الإضاءة الليلية كلما كان أكثر عرضة للحوادث، كما أن درجة الحرارة داخل الوحدات الإنتاجية عامل يسبب الكثير من الحوادث، باعتبار ارتفاع الحرارة يؤثر على تركيز العامل، ويدفعه إلى الاضطراب، كما تساهم صعوبة العمل في الإصابة بالحوادث، وهو ما بدأت الوحدات الإنتاجية تعيد فيه النظر منذ النصف الأول من القرن العشرين، والتي أصبحت تعتمد مجموعة من الاختبارات التقنية للمهارة ومدى قدرة التحمل قبل تعيين العمال في مهماتهم، في حين تبقى قلة التشجيع من العوامل الأكثر خطورة على العمال، الذين لا يجدون بدا من الإحساس بالاضطراب والاغتراب والعزلة، ما يدفعهم إلى الوقوع في المزيد من الحوادث.
وعموما فللحوادث عوامل كثيرة، قد تتداخل فيما بينها، لتساهم في خلق نوع من عدم التوازن السلوكي الحركي أو النفسي للعامل أو هما معا، والذي تنتج عنه الكثير من الحوادث، ويمكن تقسيم أهم العوامل المؤدية للحوادث على الشكل الآتي[35]:


لائحة المراجع
v    عبد القادر طه، فرج، علم النفس الصناعي والتنظيمي، دار المعارف، ط 6، 1988.
v    عويضة،  كامل محمد، علم النفس الصناعي، 1996.
v    المشعان، عويد سلطان، علم النفس الصناعي، 1994.
v    Levy-Leboyer, C., traité de psychologie du travail, 1987



[1] -Levy-Leboyer, C., traité de psychologie du travail, 1987, p 703.
[2] - عبد القادر طه، فرج، علم النفس الصناعي والتنظيمي، دار المعارف، ط 6، 1988، ص 286.
[3] -عويضة،  كامل محمد، علم النفس الصناعي، 1996، مرجع سابق، ص 147.
[4] - المشعان، عويد سلطان، علم النفس الصناعي، 1994، مرجع سابق، ص 144.
[5] -المشعان، المرجع نفسه، ص .144
[6] -Levy-Leboyer, C.,op. cit., p 703
[7] - المشعان، مرجع سابق، ص 148.
[8] -عويضة،  مرجع سابق، ص 131.
[9] - المرجع نفسه، ص 131.
[10] - المشعان، المرجع السابق، ص 148.
[11] -عويضة، مرجع سابق، ص 132.
[12]-نفسه، ص 133.
[13] -فرج، مرجع سابق، ص 299.
[14] -نفسه، ص 299.
[15] - عويضة،  مرجع سابق، ص 134.
[16] - فرج، مرجع سابق، ص297.
[17] - عويضة، مرجع سابق، ص 135.
[18] - المشعان، مرجع سابق، ص 151.
[19] - المشعان، مرجع سابق، ص 151.
[20] - المرجع نفسه، ص 151.
[21] -عويضة،  مرجع سابق، ص 136.
[22] - المشعان، مرجع سابق، ص 149.
[23] - المرجع نفسه، ص153.
[24] - نفسه.
[25] - نفسه، ص 155.
[26] - عويضة،  مرجع سابق، ص 137.
[27] -فرج، مرجع سابق، ص296.
[28] - نفسه.
[29] -نفسه، ص 295.
[30] - عويضة،  مرجع سابق، ص138.
[31] - نفسه، ص 140.
[32] -فرج، مرجع سابق، ص 294.
[33] - فرج، مرجع سابق، ص 294.
[34] - المشعان، مرجع سابق، ص 156.

[35] -شكل من إنجازي، مستوى من مجموعة أعمال حول علم النفس الصناعي.

عن الكاتب

hassan karrouk باحث في علم الاجتماع مصمم واجهات المواقه ب الفوتوشوب  ومدير موقع بوابة علم الاجتماع

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

بوابة علم الاجتماع | مدونة متخصصة في علم الاجتماع