بوابة علم الاجتماع | مدونة متخصصة في علم الاجتماع بوابة علم الاجتماع | مدونة متخصصة في علم الاجتماع
random

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...

حسناء بيشرادن، المتخيل الإجتماعي حسب "تشارلز تايلر" ومآله في المجتمعات العربية و الإسلامية ( نصوص وقضايا)



المتخيل الإجتماعي
ومآله في المجتمعات العربية و الإسلامية
( نصوص وقضايا).

حسناء بيشرادن
طالبة باحثة في علم الاجتماع السياسي.

يعد "تشارلز تايلر" من أهم العلماء البارزين في الفلسفة السياسية والفلسفة الأخلاقية وله مجموعة من الإنجازات من  بينها كتاب"المتخيلات الاجتماعية الحديثة" الذي يعتبر من الكتابات التي لقيت نقاشا وتداوللدى الباحثين في المجتمعات العربية والإسلامية في فترة مابعد 2011 نظرا لمعالجتهلقضايا معاصرة مرتبطة بالهوية والحداثة ، وقدم أيضا طروحات مهمة وإشكالات تتعلق بالحداثة وتداعياتها ومؤسساتها، إضافة إلى موضوعات عميقة وشاملة ذات علاقة بالدولة المدنية، العلمانية والديمقراطية، وتحضر هذه الموضوعات بقوة في  المجتمعات الغربية التي  استطاعت ملامسة الحداثة بتعدد أوجهها وأبعادها انطلاقا من تنوع وتعدد التصورات المعطاة لمفهوم الحداثة ومايحمله من حمولات تبنى وتمارس حسب المتخيلات الاجتماعيةلهذه المجتمعات.
     ومن أجل فهم وتحليل الممارسات المتعلقة بالحياة المشتركة للمجتمعات فيما هو مرتبط بالحداثة والديمقراطية. فلا يمكن فهمه بإغفال المتخيل الاجتماعي الجديد كمحدد أساسي أو براديكم جديد لفهم المجتمعات وما تعرفهمن قضايا مرتبطة بالحداثة والديمقراطية ، المدنية والعلمانية.
فإن " تشارلز تايلر"إستطع تقديم بعدا جديدا  للمتخيلات الاجتماعية الحديثة في المجتمعات الغربيةإستنادا إلى أفكار مجموعة من العلماء من بينهم، "يورغن هابرماس" و"بنديكت" و"آدرسون" وآخرون، لأنه يشترك معهم في مناقشة قضايا ترتبط بالحداثة المعاصرة.
_إذن ما المقصود بالمتخيل الاجتماعي حسب "تشارلز تايلور"؟ وما مآل مفهوم المتخيل الاجتماعي في المجتمعات العربية والإسلامية؟



_ أولا:" تشارلزتايلور" والمتخيل الإجتماعي
إن تحليل المتخيل الاجتماعي وتحديد ما المقصود به له أهمية كبرى في فهم قضايا العصر المتمثلة في الحداثة والمدنية، كما يتطلب الأمر استحضار مفاهيم  جديدة للتحقق من ماهية ما تعرفه هذه المجتمعات من تحولات وتغيرات، وتحليل النسق واستيعاب سيرورة مايجري فيها، إضافة إلى فهم التحول الذي شهدته بعض المجتمعات وانتقالها من وضعية إلى وضعية أخرى عن طريق الاستجابة لمطالب عامة الناس بتنامي الحس الجمعي، مما دفعهم الى تجسيد  الحداثة والديمقراطية في المجال العام،وإرساء دعائم الدولة المدنية  في ظل النظام الأخلاقي.
فإن المتخيل الاجتماعي حسب " تشارلز تايلر" ليس منظومة من الأفكار بل هو مايجعل الممارسات ممكنة من خلال إضفاء معنى لها،فيما يتعلق بالحداثة الغربية والخصوصية الغربية.وبالتالي فإن فهم معنى المتخيل الاجتماعي يجعل الفرد يستوعب خصوصية الحداثة الغربية وما تتميز به من إقتصاد السوق ، المجال العام، والشعب الذي يحكم نفسه بنفسه، وانتشار الدولة البيروقراطية الحديثة، والعلم والتكنولوجيا.
فالمتخيل الاجتماعي يعتبر من  بين المفاهيم تعقيدا كما يرى " تشارلز تايلر"  ويقول في هذا الصدد " إن المتخيل الاجتماعي شيئا أوسع وأعمق من الصيغ الفكرية التي قد يعتمدها الناس عندما يفكرون في الواقع الاجتماعي بعيدا عن الانخراط فيه. وأنا أفكر في الطرائق التي يتصور الناس من خلالها وجودهم الاجتماعي، وكيف ينسجمون مع الآخرين، وكيف تجري الأمور بينهم وبين أقرانهم، وكذلك في التوقعات التي تجري تلبيتها عادة، إضافة إلى الأفكار والصور المعيارية الأعمق الكامنة خلف هذه التوقعات."(1)،ويقصد بالمتخيل الاجتماعي ذلك الفهم المشترك الذي يجعل الممارسات الاجتماعية ممكنة إضافة إلى الإحساس العام المشترك بالمشروعية.
ولقد حاول "تشارلز تايلر" وضع تحديد ما المقصود بالمتخيل الاجتماعي من خلال تقديمه لفروقات تميز المتخيل الاجتماعي عن النظرية، وحدد هذه الفروقات في ثلاث نقاط أساسية،وهي كالتالي :
  1. الفارق الأول : أن المتخيل الإجتماعي منصب عن الطريقة التي يتخيل بها عامة الناس واقعهم الإجتماعي.
  2. الفارق الثاني: أن المتخيل الاجتماعي هو موضوع مشترك لدى مجموعات واسعة من الناس، إن لم يكن مشتركا لدى المجتمع كله.
  3. الفارق الثالث والأخير: هو أن المتخيل الاجتماعي يعتبر ذلك الفهم المشترك الذي يجعل الممارسات الاجتماعية ممكنة إضافة إلى الإحساس العام المشترك بالمشروعية(3). فلا يمكن الخلط بين المتخيل الاجتماعي والنظرية لكون مفهوم المتخيل الإجتماعي أعمق وأوسع عكس النظرية.

     بهذا الدافع قدم تشارلز تايلر مبرر إستخدامه للمتخيل الاجتماعي وهو معرفة الطريقة التي يتخيل بها الناس العاديون محيطهم الإجتماعي لأنه لا يمكن التعبير عنه عن النحو النظري(2).
ويساهم فهم المتخيل الإجتماعي على القيام بالممارسات الجمعية التي تصنع حياتنا الاجتماعية، بواسطة الحس الاجتماعي كمحدد أساسي لكيفية تآلف الجماعات فيما بينها في إقامة الممارسات العامة المشتركة، وتكمن هذهالممارسات في طريقة فهم المتخيل الإجتماعي، وتشكل العلاقة التي تجمع بين الممارسات وخلفيات الفهم عنصر مهم يجعل الممارسة ممكنة.
ويرى "تشارلز تايلر" أن المتخيل الإجتماعي هو المخزون المشترك بين الجماعة، ويتمثل هذا المخزون في الأفعال المشتركة والتي تكون في متناول الجماعة ، وتعرف هذه الأخيرة كيف تجسد هذا المخزون انطلاقامن الفهم إلى الممارسة، لأن لهذه الأخيرة دور مهم  في إقامة متخيل إجتماعي .
كما أن النظرية استطعت اختراق النظام الأخلاقي للمتخيلات الاجتماعية الجديدة  بشكل تدريجي  مما يساهم في إجراء تحول عميق في المتخيل الإجتماعي في المجتمعات الغربية .
و يرتبط المتخيل الاجتماعي الجديد في المجتمعات الغربية  بخلفيات الفهم و بالممارسات العامة والنظام الأخلاقيويعد هذا الأخير من أهم المتخيلات الجديدة في الحداثة الغربية .

_ثانيا: مآلات المتخيل الاجتماعي في المجتمعات العربية والإسلامية

     يمكن إعتبار المتخيل الإجتماعي فاعل أساسي فيما تعرفه المجتمعات العربية والإسلامية اليوم ، وما عرفته من حراك خصوصا في فترة 2011 ومابعدها في ظل مايسمى بالربيع العربي. إنطلاقا مماشهدته بعض الدول العربية والإسلامية من حركات احتجاجية وانتفاضات شعبية وتمردات ضد السلطة القائمة، ومظاهرات قصد تحسين أوضاع الشعب من أجل بناء دعائم  مجتمع ديمقراطي، وتكريس دولة مدنية حديثة مبنية على مبادئ تضمن حقوق الانسان وحرياته من مساواة وعدالة اجتماعية،وإشراك الشعوب في تقرير المصير.من هنا إذن، يمكن التساؤل عن دور المتخيل الاجتماعي في هذه المجتمعات (العربية الإسلامية)وهل له تأثير على الحياة المشتركة ؟ أم أن المتخيلات الاجتماعية في هذه المجتمعات لازالت الخلفيات التقليدية المرتبطة بالهوية والثراث تحكمها، مما جعلها لا تستجب لواقع الحداثة في مجال عام مشترك، وما تطرحه من قضايا مثل، الديمقراطية والعدالة الاجتماعيةفمازالت الحداثة وقضاياها محصورة بما هو نظري لدى النخب باستيرادها للتجارب الغربية دون خوضها لفهم متخيلات الاجتماعية في هذه المجتمعات مما يجعل كافة الناس لم تستوعب   نظريات الحداثة ، وحسب تشارلز تايلر "يحدث في أكثر الأحيان أن يتسرب إلى المتخيل الاجتماعي ما يبدأ على شكل صورة نظرية يحملها بعض الناس، وربما يكون التسرب إلى أفراد النخبة في البداية، لكنه يتجاوزهم إلى المجتمع كله بعد ذلك"(4) فالأمر هنا مثلا كالحديث عن المساواة والكرامة والإنصاف فيكون الموضوع في البداية يستلهم عقول النخبة لكن بعده يتم تبنيه من طرف عامة الناس.هذا ما نجده غائب لدى الشعوب العربية.
لكن هنا يبقى السؤال مطروحا، مامآل المتخيل الاجتماعي في المجتمعات العربية والمجتمعات الإسلامية؟ هل يمكن القول أن ماعرفته بعض الدول العربية الاسلامية من إنتفاضات شعبية وثورات واحتجاحات له علاقة بالمتخيل الاجتماعي الجديد؟ حيث أصبحت كافة أفراد المجتمع تطمح إلى تحقيق مجتمع تسوده العدالة ويحكمه النظام الأخلاقي وتظهر فيه مؤشرات الحداثة والمدنية عن طريق الديمقراطية وإصلاح النسق السياسي بداية بالأنظمة السياسية وبتعديلات دستورية وتكريس منظومة الحريات الأساسية وحقوق الإنسان، وتجسيد ديمقراطية تمثيلية فعالة ودعمها بديمقراطية تشاركية هنا ربما يتمثل المتخيل الاجتماعي في المجتمعات العربية الإسلامية التي لا يمكن للحداثة أن تصفه،مادام سؤال وجودها وعدم وجودها يطرح بنوع من المغايرة داخل المجال العام.
إذن ما تتبناه المجتمعات في متخيلتها وتصوراتها لحياتها الاجتماعية هو ما يعبر عن واقعها وما يترسخ في مؤسساتها وأنظمتها، ولا يقل موضوع المتخيلات الاجتماعية الحديثة إلى إعادة النظر فيه و محاولة البحث عن هذا الأمر في الواقع العربي الإسلامي لفهم سيرورة المجتمع وصيرورته،وهيمنة التقليدي على الحديث في إطار التقابل بين الحداثة والهوية. وتعثر النخب العربية والإسلامية في رسم وتحديد معالم الدولة المدنية وفق تطلعات المجتمع أي وفق ما تم تقديمه من طرف المخزون المشترك والحفاظ على النظام الأخلاقي في خلق توازن بين الحداثة والهواية دون الدخول في الصراع.
إذن ما مآل الديمقراطية والدولة المدنية في المتخيلات الاجتماعيةللمجتمعات العربية الإسلامية؟ وماهي خلفيات الفهم وتصورات المتخيل الاجتماعي ؟ وكيف تكرس النخب نظريتي الدولة المدنية والعلمانية ؟ وما مصير الديمقراطية والمساواة في مرحلة تجاوزت فيها المجتمعات الغربية الحداثة إلى ما بعد الحداثة في وقت أصبحت النخب العربية والإسلامية تطمح إلى الحداثة في مجتمعاتها ؟إذن، يمكن الإجابة عن هذه التساؤلات  إنطلاقا من فهم المتخيلات الاجتماعية في المجتمعات العربية والإسلامية بمراعاة الفروقات التي تعرفها هذه المجتمعات بين التيار المتمسكبالهوية - مخافة من الحداثة- وبين تياريدعو إلى إحداث قطيعة مع الثراث والإنفتاح قصد تحقيق الحداثة.
بدون خاتمة:
       إنما تم تقديمه حول مفهوم المتخيل الاجتماعي عند "تشارلز تايلور"، والبحث عن مآل المتخيل الاجتماعي في  المجتمعات العربية والاسلامية وما يطرحهالأمر من نقاشات وقضايا عميقة، من بينها ما المقصود بالدولة المدنية والعلمانية والحداثة، مما أدى إلى نشوب صراع فكري بين الأصولين والحداثين، كل هذه النقاشات لها تأثير على أوضاع هذه المجتمعات،  إضافة إلى غياب دور النخبة في تحسين المجتمع وبناء أنظمة ديمقراطية أساسها إحترام منظومة حقوق الإنسان والحرايات العامة، والإستجابة  لتصورات المتخيلات الاجتماعيةباستعاب خلفيات فهمها بحس جمعي يحافظ على خلق التوازن بين خصوصيات المجتمع 
وتجليات الحداثة ..
إن فهم المتخيل الاجتماعي حسب ما جاء به "تشارلز تايلر" في هذا المجال لا يمكن عزله عن موضوعات التي تناولها "تشارلزتايلر" في كتابه المتخيلات الاجتماعية، مما يتطلب تدخل المعنيين لمحاولة تحليل قضايا التي تناولها تشارليز تايلر قصد استنتاج خلاصات وتفسيرات لفهم العالم المعيش كما ليس من الهين فهم واستعاب فكر " تشارليز تايلور"  في سطور نظرا لكون فكره يقبل مقاربات مختلفة ووجهات نظر متعددة لما يحمله من أبعاد مركبة صعبة التفكيك ومتنوعة التفسير.



1_ تشارلز تايلر، المتخيلات الإجتماعية الحديثة، ترجمة الحارث النبهان، الناشر المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات 2015 الدوحة بيروت ص 35.
2_ تشارلز تايلر، نفس المرجع ص 35
3_ تشارلز تايلر، نفس المرجع ص 35.

عن الكاتب

hassan karrouk باحث في علم الاجتماع مصمم واجهات المواقه ب الفوتوشوب  ومدير موقع بوابة علم الاجتماع

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

بوابة علم الاجتماع | مدونة متخصصة في علم الاجتماع